لقطة من الفيلم الكاميروني
لقطة من الفيلم الكاميروني

ربما لم تكن ملالا يوسفزي الناشطة الباكستانية في الدفاع عن حق تعليم الإناث في بلادها وأصغر حاصلة على جائزة نوبل في العالم لتتوقع أنها امتلكت كل هذه القوة من أثر الفراشة، وأن رمز شخصيتها الملهمة سيقطع آلاف الأميال ليحط في قرية مدقعة في فقرها من قرى الكاميرون في الغرب الأفريقي ويغير قدر ابنة صياد في مثل سنها تدعى إيكا. 

لم تُختلَق حكاية إيكا من خيال، بل قدمت في بداية الفيلم الكاميروني "يوميات صياد سمك The Fisherman's Diary" على أنها قصة حقيقية، وهو فيلم من إنتاج عام 2020 لمخرجه إيناه جون سكوت مثَّل بلاده في الدورة الأخيرة لحفل الأوسكار، وحاز على بعض جوائز المهرجانات العالمية ونال تقييماً جيداً واستحساناً طيباً من المشاهدين ونقاد السينما. 

ورغم أنه فيلم لايحقق المواصفات السينمائية الفنية العالية، إلا أن منصة نتفلكس اشترته مؤخراً لأسباب تشجيعية واضحة من أبرزها تميز قصة الفيلم ورسالته وأهمية تعميمهما عالمياً، وجودة التمثيل الذي أدته بعفوية ملفتة الطفلة فيث فيديل (12) عاماً في شخصية إيكا، واعتبار الفيلم بحد ذاته نقلة جادة ونوعية في مسير السينما الأفريقية. 

لاتبتعد حكاية الباكستانية ملالا يوسفزي كثيراً عن حكاية إيكا الكاميرونية. فالأولى التي ابتدأت نضالها في سن 12 عاماً فقط ضد الاستبداد الديني المتمثل بحركة طالبان الباكستان التي أقدمت في محاولة فاشلة على اغتيالها في العام 2012، ستواجه نظيرتها إيكا في بلادها طغياناً مماثلاً يتمثل في الأعراف والتقاليد التي تنتهك حقوق المرأة وتعتبر أن التعليم مفسدة للنساء، ضمن بيئة تروج عن قناعة حقيقية أن "من يذهب للمدرسة هم الكسالى الذين لايحبون العمل". 

يطرح الفيلم من خلال قصته الرئيسة المتعلقة بالحرمان من التعليم قضيتان موازيتان لاتقلان أهمية، تتعلق الأولى بعمالة الأطفال واستغلالهم، والأخرى تزويج القاصرات. وهي ثلاث قضايا كارثية النتائج، مترابطة ومتشابكة في أية بيئة متخلفة فكرياً أو معدمة اقتصادياً أو يسيطر عليها شكل من أشكال الاستبداد والفكر الرجعي، ويكمن حلها في خطة تنمية شاملة تبتدىء أولاً وأخيراً بالتعليم، وبخاصة للإناث. 

قضايا ثلاث سترسم الخطوط القاسية للسيرة الذاتية للطفلة إيكا التي ستواجه هذه المظالم دفعة واحدة في أداء تمثيلي بدا مؤثراً جداً ومحرضاً للدموع. لكن ميل الطفلة للتعلم وشجاعتها واصرارها على اقتناص حقها في التعلم اقتناصاً عبر التلصص على دروس المدرسة سراً عن أبيها، إضافة إلى القدر الذي أوجد أمامها معلمة شجاعة تحملت أشد الانتهاكات لإيمانها بنبوغ الطفلة وإصرارها على مساعدتها لتحقيق ماتصبو إليه، سيخلق الفارق الكبير في حياتها ويغير مصيرها إلى الأبد. 

ملالا الباكستانية الملهمة لإيكا الكاميرونية، ستحضر في الفيلم على هيئة صورة في أفيش دُوِّنَ عليه بعض من كلماتها البسيطة والمؤثرة، ستحتفظ إيكا بها في سرها مثل أيقونة مقدسة تستدعيها وجدانياً في مواجهتها لكل قسوة جديدة ضدها وترفع لديها جرعة التحدي ورفض الاستسلام، وصولاً إلى النهاية التي ستحقق فيها نجاحها المبهر الذي سيعيد حسابات بعض أهالي بيئتها ويبتدئون بتغيير رؤيتهم الرافضة لتعليم الفتيات.  

بلفتة لماحة ورؤية عميقة لطبيعة المجتمع الكاميروني الخليط من عدة أعراق وأديان، لن يفوت المخرج أن يضيء على تأثير الدور الاجتماعي الهدام الذي يلعبه المتحالفون في الشرور والمظالم خدمة لمصالحهم الخاصة والأنانية رغم اختلافاتهم العقائدية، ليؤكد من جديد عبر الخط الدرامي القاسي الذي تغتصب به الطفلة من قبل زوجها المسلم وموافقة وترحيب عمها المسيحي أن المآرب الجشعة الخاصة هي التي تبارك مثل هذه التحالفات الشيطانية في كل زمان ومكان. 

يوميات صياد سمك، فيلم أفريقي من الكاميرون، وفي الحقيقة من يكترث حقاً أن يتابع فيلماً أفريقياً شديد البساطة، تقليدي في تصاعد حبكته ومتواضع في أدواته الفنية، تغيب عنه النجوم الجميلة وعناصر الاغراء والاثارة، وفوق ذلك يتحدث عن بيئة فقيرة لصيادي أسماك محدودي الأفق.  

لكن كل هذه المواصفات أتت في الحقيقة مفعولاً عكسياً إيجابياً لصالح الفيلم، عبر التوظيف الصحيح للقصة الحقيقية واستلهام أنموذجاً جذاباً وإيجابياً مثل الناشطة ملالا، وخلق المشاعر المؤثرة والمتعاطفة عند المشاهد، نجح المخرج في صياغتها بأمانة لبيئته وإتقان غير متكلف، وقدم فيلماً أفريقياً يستحق التحية والاعجاب الشديدين. 

ليس هذا فحسب، بل يمكن أن يعول المرء على الفيلم بذاته ليصنع أثر فراشة آخر، ويكون ملهماً ومؤثراً حال عرضه في بيئات مختلفة حول العالم تتشابه في معارضتها لقضيته الرئيسة التي يطرحها والمتمثلة بحق الإناث في التعليم ودفع التمييز الجنساني عنهن. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.