الكعبة في مكة
البعض يرى أن إضافة أداة التعريف "ال" في الآية (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) تفيد التخصيص فى وقت الرسول لحالة بعينها

اختلف كثيرون في العالم الإسلامي على موضوع الحدود، وخاصة على تنفيذ حد الجلد كعقوبة للزنا. ويعتمد كثيرون من المؤمنين بهذا الحد على وجود هذه الآية {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلدة} (سورة النور) لإقرار الجلد كعقوبة شرعية لموضوع الزنا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل مفهوم هؤلاء هو المفهوم الأوحد للآية الكريمة أم أن هناك مفاهيم أخرى لنفس الآية قدد تتعارض مع فهمهم الحرفي للنص القرآني؟

وسنعرض فى الأسطر التالية بعض المفاهيم الأخرى لهذه الآية.

المفهوم الأول: يرى البعض أن إضافة أداة التعريف "ال" في الآية (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) تفيد التخصيص فى وقت الرسول لحالة بعينها، فالآية لم تقل إجلدوا "من زنت" أو "من زنا" إنما خصصتها بإضافة ال للتعريف فقالت "الزانية" و"الزاني"، وذلك مثل أن يقول لك أخوك على الهاتف لقد ذهبت إلى "البيت" أو أن يقول لك ذهبت إلى "بيت". فالأولى والتي استخدم فيها أداة التعريف تعني لك بيتاً معيناً، والثانية، أي التي بدون أداة التعريف تعمم المعنى على أى بيت، وكذلك الحال فإن استخدام أداة التعريف فى هذه الآية "ال" يفيد التخصيص فى موقف بعينه".

المفهوم الثاني: يرى آخرون مثل الإمام محمد عبده أن إضافة "أل" تدلل على الذين احترفوا الزنا وممارسته علانية، فلا يطلق على من درس مرة واحدة "المدرس" وإنما يطلق عليه المدرس حين يكون التدريس وظيفته واحترافه المتكرر. واختلفت المفاهيم حول عدد المرات التي يقوم بها الشخص بفعل شيء ما حتى تضاف إليه أداة التعريف المذكورة.

المفهوم الثالث: يرى البعض أن الآية كان الهدف منها منع الفجور في الشارع وليس منع الزنا نفسه لاشتراطها أربعة شهود بعلم اليقين. فتبعاً للقرآن لو دخل رجل وامرأة إلى غرفة مغلقة لا يحق لأحد أن يتجسس عليهما لقوله تعالى {وَلَا تَجَسَّسُوا}، ولا يحق لأحد أن يظن فيهما أي سوء {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}. والآية باشتراطها الشهود الأربعة هى دلالة على أنها أساساً لحماية الشارع أو الطرقات من هذه الممارسات بصورة علنية أمام الجميع، خاصة الأطفال. وفي كثير من المجتمعات الحديثة يوجد قوانين تحمي الشارع من هذه الممارسات أي ممارسة الزنا وهو"علاقة جنسية كاملة" بصورة علانية.

 المفهوم الرابع: أن عقوبة الجلد كانت مناسبة للعرف فى ذلك العصر، أما في العصر الحالي فإن اتباع العرف العالمي، الذى يمنع العقوبات البدنية أصبح هو الأمر الإلهي المناسب لعصرنا {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}. وقد يتساءل البعض هل أباح لنا القرآن أن نأخذ بآيات وأن نمنع العمل بأخرى تبعاً لظروف عصرنا. والإجابة هي بنعم. فالقرآن كان واضحاً صريحاً فى إباحة ذلك و إجازته فى قوله تعالى {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم}، ذلك يعني أن هناك الأحسن والأقل حسناً فى آيات القرآن، وذلك تبعاً للظروف التى نعيش فيها. وقد نفذ عمر بن الخطاب هذا المفهوم القرآني العظيم بدون أى تردد حين أوقف العمل بحد السرقة بعد أن رأى أن تطبيقه لم يكن مناسباً في وقت من الأوقات. وكذلك قد يكون الحال اليوم في موضوع حد الزنا، فإن كان ما فعله عمر بن الخطاب بإلغاء حد السرقة ليس كفراً فعدم العمل بحد الزنا (بمفهومه التقليدي) ليس كفراً أيضاً!

ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن هذه السورة الكريمة أي سورة النور، والتي ذكر فيها أمر الجلد تناقش بعض الأحكام الانتقالية التي كانت في نظر البعض ضرورية لمرحلة معينة فى بداية الدعوة الإسلامية للحفاظ على أمن وسلامة المجتمع. وقد فهم بعض المسلمين الأوائل المعنى العام من القرآن فتصرفوا بمفهومه العام ومبادئه العليا وليس بالمفهوم الحرفي الضيق فلم يعبدوا الحرف وتحركوا بروح القرآن وليس فقط بكلماته {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا}. فها هو، على سبيل المثال، "عمر بن الخطاب" رضى الله عنه، يوقف حد السرقة ويمنع العمل به لأنه رأى أنه لا يناسب ظروف المجتمع. وهذا المثل  فى حد ذاته يرد على هؤلاء الذين يريدون تنفيذ الآيات بصورة حرفية دون أي اكتراث لآيات القرآن الآخرى ومبادئه الواضحة التي تجعلنا نفهم الأمر بصورة مختلفة.

وفي عصرنا الحالى فعلينا اتباع ما يناسب المجتمعات وما يسمى بالعرف العالمي والذي اتفق عليه سائر البشر وتعاهدوا عليه مثل ميثاق حقوق الإنسان، وغيرها من المواثيق الدولية التى يجب احترامها {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ (أي المواثيق)  بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}. وهذه المواثيق -التي أمرنا باتباعها – كما ذكرنا أعلاه ترفض بوضوح العقوبات البدنية مثل الجلد.
ومن رحمة الله تعالى بنا أن جعل اتباع الأعراف البشرية كالعرف العالمي جزءاً لا يتجزأ من الدين حتى يكون هناك مجال للتطور مع تطور المجتمعات وتغيير الظروف.
وللحديث بقية.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.