لجنة الانتخابات العراقية تستعد للتصويت
لجنة الانتخابات العراقية تستعد للجولة القادمة

(ماذا قدّمت لي الانتخابات؟)، (انتخبنا، ولم يتغيّر شيء!)؛ هذه نماذج من إجابات كثيرٍ من المواطنين العراقيين إذا سألتهم عن آراءهم في الانتخابات أو المشاركة فيها. بالمقابل يدعو زعماء الطبقة السياسية إلى ضرورة اجراء الانتخابات في موعدها المحدد، ويعتبرونها ضرورة لمعالجة مشاكل النظام السياسي وسوء الأداء الحكومي. 

هذا التباين بين رؤية المواطن والسياسي للانتخابات، يؤشّر وجودَ تقاطع في الرؤى بين شرعية النظام السياسي ومشروعيته. المواطن يرى في الانتخابات مواسم انتخابية لا تغيّر شيئاً من واقع فشل وعجز الحكومات عن تلبية متطلباته. أمّا السياسي فيرى فيها مناسبةً لمشاركةٍ سياسية تشرعن بقاءَه في الحُكم وسيطرته على موارد الدّولة، ولا يهتمّ بما يجب أن يقدّمه نظام الحُكم إلى المواطن. 

المعيار السياسي لِلشَّرعية يتحدد بمعايير نجاح النخب الحاكمة بإقناع الجمهور بشرعية سلطتهم، وترتبط تحديداً بمستوى التوافق بين أداء النظام السياسي وبين المبررات النظريّة التي يستند إليها ذلك النظام. أمّا المشروعية فمجالها المقاربة القانونية التي تقوم على أساس المطابقة بين الفعل السياسي ونصوص القانون، ومعيارها اختبار صدقية الالتزام بالمبادئ والأسس القانونية التي يتأسس عليها النظام السياسي. إذاً، يُفترض بالشرعية والمشروعية، وبالأبعاد القانونية والسياسية، أن توفرا الاستقرار السياسي، فهما يمثّلان ركائز التكامل الوظيفي في أداء النظام السياسي. 

ولمقاربة هذا الموضوع يمكن العودة إلى ما حدده (كارل دويتش) لِلشَّرعيّة البنيويّة-الدستوريّة للنظام السياسي على وفق ثلاثة عناصر: الأوَّل، هو العنصر الدستوري الذي يحدد شرعية السلطة وفقاً لمبادئ البلاد الدستورية. أمّا الثّاني، هو عنصر التمثيل، بأن تقوم الشرعيةُ على اقتناع المحكومين بأنَّ الذين في السلطة يمثّلونهم. والثالث، يتعلّق بالإنجاز، أيْ أن الشرعية تقوى مِن خلال الإنجازات الكبيرة التي تمَّت للمجتمع على يد مَن هم السلطة. بكلامٍ آخَر، ثالوث الشرعيّة هذا يجمع ما بين الأصول الدستورية التي تمنح الشَّرعية للسلطات الحاكمة، والتمثيل السياسي الذي يحدد كيفية الوصول إلى السلطة، وماذا تقدّم المنظومة السياسية الحاكمة من منجزات للمواطن. 

وأمّا على أرض الواقع نجد السلطةَ في العراق تزعم بأنَّ شرعيتها تأتي حسب الأصول الدستورية وفقاً للعنصر الأوَّل، ولكنَّ شرعيّة تمثيلها للمجتمع السياسي مثلومة؛ بسبب عجزها عن تحقيق منجز سياسي أو خدمي أو اقتصادي خلال فترة حكمها. فمعيار قوّة وهشاشة النظام السياسي ترتبط بمسألة تبرير الشَّرعية ومدى تغلغلها في قناعة المَحكومين، وشرعية السلطة تتجسّد في دعم أو عدم دعم الجمهور لحكومته. في حين أن الطبقة السياسية في العراق تتمسك فقط بمدخلات الشَّرعية، وهي الانتخابات، ولا تهتمّ بمخرجاتها التي يجب أن تنعكس في المنجَز السياسي والأمني والاقتصادي الذي يولّد القبول والرضا على نظام الحكم. هذه الأزمة في التفكير هي السبب الرئيس في اختلال العلاقة بين الحاكم والمحكوم في العراق. 

جدليّة الشَّرعية والمشروعية هي التي تجعل الديمقراطية في العراق هجينة أو مشوّهة. فلكي يكون للانتخابات معنى لا بدَّ من توافر مستوى معيَّن من التنظيم السياسي ينعكس على الأداء السياسي والقيام بالوظائف الاقتصادية والأمنية التي تصبّ في مصلحة المجتمع، فالمشكلة ليست مجرّد إجراء للانتخابات، بل مدى انعكاسها على أداء النظام السياسي وعمل مؤسسات الدولة. وفي البلدان التي تشهد انتقالاً نحو الديمقراطية مثل العراق، ليس للانتخابات مِن دور سوى تعزيز سلطة قوى اجتماعية مُعطّلة لبناء المؤسسات، كسلطة الزعامات الدينية والسياسية والقوى العشائريّة والطائفيّة. 

ولذلك باتت الانتخابات في العراق عاجزةً عن القيام بإحدى أهمّ الوظائف الرئيسة للديمقراطية- كما يرى جون كين في كتابه (حياة الديمقراطية وموتها)- وهي "تغيير طبيعة السلطة، وتعني أن المشكلة السياسية الأكثر أهميّة هي كيفية تفادي حكم الأقليّة أو حكم الأثرياء أو الأقوياء الذين يزعمون أنّهم خارقون... هي تعني قاعدة قانونية لمجلس من النّاس الذين ما عادت قوّتهم السيادية لتقرير أمورهم تُعطى لآلهةٍ متخيلين، وللصوت العالي للتقاليد، وللطغاة، ولمدّعي المعرفة." 

دوائر صنع القرار السياسي في العراق تستجيب فقط إلى مطالب القوى والأحزاب السياسية، وتخضع لضغوط الإرادات الخارجية، ولا تستعد للاستجابة لمتطلبات الجمهور. ولذلك نجد الكثير من متطلبات وحاجات المجتمع لا تحظى باهتمام الحكومات أو البرلمان، فهي ليست من أوليّات مَن هم في سدّة الحكم، وإنما الأوليات لتوزيع موارد الدولة ومؤسساتها بين الأقطاب السياسية كلٌّ حسب قوّته وتأثيره في المشهد السياسي، والباقي يوزع على حاشية السلطة.  

يدرك تماماً مَن هم في السلطة بأنَّ التبجح بشرعيّة النظام السياسي عن طريق الانتخابات، لا يمكن أن يقنع الجمهور في ظلّ غياب المنجَز الذي يعطي الشرعيةَ معناها الفعليّ في قناعات المواطن. ويبدو أنَّ السياسي في بلد مثل العراق يعاني مِن مرض الزهايمر المبكّر، لأنَّه ينسى أن نفس الوعود والتعهدات يكررها في كلّ دورة انتخابية، ولا يتمّ الالتزام بها! فالوعود التي قدّمت في انتخابات 2018 والتي اعتبرها الكثير من الزعامات الفرصة الأخيرة، كانت فعلاً فرصة أخيرة أمام شرعيّة النظام السياسي الذي بدأت علامات الفشل والفوضى واضحة أمام عجز القوى السياسية في الاستجابة إلى مطالب احتجاجات تشرين 2019.  

 ولا يمكن أن تغطى عورات النظام السياسي ومنظومة السلطة بانعدام المنجَز مِن خلال الارتكاز على انتخابات تحوَّلت إلى كرنفالات لتوزيع المقاعد بين الأوليغارشيات السياسية، والتي على أساسها يتمّ تقاسم غنائم السلطة. فالانتخابات عندما تكون عاجزة عن منح الشَّرعية للنظام السياسي والحكومات لا يمكن الثرثرة بشأن مشروعيتها القانونية أو الدستورية.  

وأخيراً، قد يكون التعويل على الانتخابات في ترسيخ مبادئ الشَّرعية والمشروعيّة في النظام السياسي في ظلّ حكم الاقطاعيات السياسية ومافيات الفساد هو نوع من الرومانسية السياسية، لأنّها-أيْ الانتخابات- في ظلّ هيمنة القوى التقليدية سوف ترسّخ الغربةَ بين المجتمع ونظام الحُكم، لأنَّها سترسّخ بقاءَ النُّخَب المسيطرة في السلطة، وتمركز سيطرتها على الدَّولة ونهب ثرواتها ومواردها. بيد أنَّ التركيز على مسألة ضرورة التطابق بين مفهومَي الشَّرعية والمشروعيّة هدفه ترسيخ ثقافة سياسية في وعي الجمهور قد تساعد على تصحيح المسار في المشاركة السياسية، سواء أكانت عن طريق الانتخابات أو حراك الاحتجاجات. التي يجب أن تُترجَم إلى مشاركة في ثروات الدولة حتّى تحقق العدالةَ الاجتماعية، ومشاركة في السلطة وإدارة الدولة، وليس منح البيعة لزعامات دينية وسياسية تحكم بعناوين طائفيّة وقوميّة.  

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.