في أول رحلة خارجية له منذ انتخابه رئيساً رسم بايدن خطوطاً حمراء لا يتعين على فلاديمير بوتين تخطيها
في أول رحلة خارجية له منذ انتخابه رئيساً رسم بايدن خطوطاً حمراء لا يتعين على فلاديمير بوتين تخطيها

سيمضي وقت طويل، قبل أن يستقر اللاعبون الكبار على إجابة "مشتركة" على سؤال قديم لهنري كيسنجر، حول طبيعة وقواعد النظام العالمي الجديد، الذي سيرث نظامي "القطبين" الذي ميّز حقبة الحرب الباردة، ونظام "القطب الواحد" الذي أعقبها ... العالم اليوم، ما زال يمر في مخاض عسير، قبل أن يهتدي إلى قواعد جديدة لتنظيم العلاقات الدولية، فلا "القديم" قابل بمغادرة المسرح، ولا "الجديد" قادر على فرض أسسه وقواعده.

في أول رحلة خارجية له منذ انتخابه رئيساً للولايات المتحدة، سعى جو بايدن، إلى وضع ملامح ما تعتقده واشنطن، بأنه قواعد يمكن الاستناد إليها لإعادة ترميم النظام العالمي ... رسم خطوطاً حمراء لا يتعين على فلاديمير بوتين تخطيها، وأعاد تنظيم العلاقة على ضفتي الأطلسي، ووضع "الديمقراطيات" في مواجهة مع الصين، بوصفها أكبر الدكتاتوريات في العالم، وضخ مزيداً من الدماء في عروق "الناتو" التي كادت "تتيبس"، وفعّل قاعدة "التعددية" مع الشركاء، ودائماً تحت شعار "عودة أميركا"، في تعبير ضمني وصريح، عن تصفية الحساب، مع عهد ترامب الذي تميّز بـ"الانكفائية" والأحادية"، المموهتين بشعار: لنجعل أميركا عظيمة ثانية.

أربع قمم في أسبوع واحد، ثلاث منها جمعت الولايات المتحدة بأوروبا وبريطانيا وكندا واليابان، ويمكن القول إنها خُصصت جميعها، لاستعادة زمام المبادرة، الاقتصادية والسياسية والعسكرية، في مواجهة "عودة روسيا" القوية إلى المسرح الدولي، وصعود الصين كثاني أكبر منافس للولايات المتحدة، في السيطرة على الاقتصادات الدولية ... أما الرابعة، والأخيرة، فكانت مصممة لاستطلاع فرص "احتواء" الدب الروسي، ومحاولة إبعاده عن التنين الصيني لتفادي واحدٍ من أكبر "كوابيس" الغرب: تحالف استراتيجي بين الاقتدارين، العسكري الروسي والاقتصادي الصيني.

لكأن التاريخ يعيد نفسه من جديد، ولكن بصورة مقلوبة هذه المرة، وبالعودة ثانية إلى هنري كيسنجر، الرجل تنبه مبكراً لخطورة قيام تحالف من هذا النوع، فعمد إلى إبعاد الصين عن روسيا في سبعينات القرن الفائت، لإضعاف النفوذ العالمي للاتحاد السوفياتي في حقبة الحرب الباردة، وصعود حركات التحرر الوطني وتصفية الاستعمار في العالم الثالث، فيما يعمل خلفاؤه اليوم، على إبعاد روسيا عن الصين، حيث تبدو الأخيرة مرشحة لاحتلال المرتبة الأولى على لائحة أكبر الاقتصاديات العالمية، فيما تعظّم مبادرتها المعروفة باسم "الطريق والحزام" فرص نجاحها في غزو القارتين الآسيوية والأفريقية خصوصاً.

أياً يكن من أمر، فإنه من السابق لأوانه، الجزم بما إذا كان بايدن سينجح في مسعاه أم لا، ذلك أن دوران عجلة الاقتصاد العالمي التي لا تتوقف، وهي تنبئ بميلاد "قرن آسيوي" بامتياز، وأن الزمن الذي كانت فيه دولة واحدة أو دولتان، تتحكمان بتقرير مصائر البشرية واتجاهات تطور النظام والعلاقات الدولية، قد ولّى، ولا يبدو أن التاريخ بصدد الاستدارة للوراء، أقله كما تشير لذلك معظم المؤشرات والتقديرات.

لقد نجح بايدن في ترميم جسور الثقة المنهارة بين أطراف "المعسكر الغربي"، وترك جرعة تفاؤل خلفه، بإمكانية العودة إلى صيغة من صيغ التضامن الغربي، التي تجد واشنطن نفسها بأمس الحاجة إليها لمواجهة "مهددات أمنها القومي" التي تتصدرها الصين وروسيا، فيما ترى أوروبا فيها "طوق نجاة" لمواجهة المهددات التي تأتيها من جوارها الشرقي والجنوبي والشمالي.

بيد أن مسعاه لرسم خطوط حمراء أمام بوتين لم يحقق نجاحاً مماثلاً، وسعيه لـ “احتواء" روسيا، أو فصلها عن الصين، ما زال في دائرة الاحتمالات المُستبعدة ... لكن ذلك لا يمنع من القول أن قمة جنيف الأولى بين الرئيسين، ربما تكون نجحت في وقف الانهيار، وتفادي انزلاق العلاقة بين الدولتين إلى قعر الهاوية، بل وربما يمكن القول إن القمة نجحت في شق طريق لحوارات ومفاوضات شاقة لاحقة، لبحث الخلافات الكبرى بينهما، وفي صدارتها الاستقرار الاستراتيجي، الأمن السيبراني، أوكرانيا، حقوق الانسان، مخاوف روسيا من اقتراب "الناتو" من حدودها، ونشر صواريخه على مقربة منها، إلى جانب مروحة واسعة من الأزمات الدولية المفتوحة، وذلكم تطور إيجابي بحد ذاته.

ماذا عن الشرق الأوسط؟

لم تحظ قضايا الشرق الأوسط المشتعلة، باهتمام الزعيمين في جنيف، ولا نبالغ إن قلنا بأن قضية المعارض الروسي ألكسي نفالني، قد حظيت بمساحة أكبر مما حظيت به أي من قضايا المنطقة في نقاشات الزعيمين، لكن ذلك لم يمنعهما من "التأشير" إلى ساحات يمكن أن تكون لبلديهما مصالح مشتركة فيها، تملي عليهما التعاون...في هذا السياق، كانت الإشارة لأفغانستان وإيران وسوريا، لافتة للغاية.

من مصلحة واشنطن أن تُتم انسحابها بأمان من هذه البلاد، بعد عقدين من الاحتلال العسكري المباشر والمكلف، ومن مصلحة روسيا، ألا تعود أفغانستان ثانية، "ملاذاً آمناً" للحركات الجهادية والإرهابية ... ملء الفراغ الأميركي-الأطلسي في أفغانستان، يتطلب عملية سياسية جادة وذات مغزى، وترتيبات ما بعد الانسحاب الأميركي من البلاد، تقلق واشنطن، وتقلق روسيا كذلك، ذلك أن كرة النار التي كانت تكتوي بها القوات الأميركية في أفغانستان قد تتدرج إلى عقر البيت الروسي.

ومن مصلحة إدارة بايدن، أن تنتهي مقاربة "أقصى الديبلوماسية" مع إيران إلى إحياء اتفاق فيينا ... ولروسيا مصلحة في إتمام اتفاق هي طرفٌ فيه، بخلاف ما يقال عن أن استمرار التأزم بين الولايات المتحدة وإيران، يصب في المصلحة الروسية، ذلك أن بديل العودة للاتفاق، الذهاب إلى خيارات مكلفة، عسكرية وأمنية واقتصادية، وهو أمرٌ تخشاه موسكو، وتخشى من انعكاساته على نفوذها المُستعاد على الشواطئ الشرقية للمتوسط، بل وقد تمتد تداعياته إلى حدودها غير البعيدة عن ساحة الاشتباك، وسيكون لها مساس بعلاقاتها مع إسرائيل وأطراف عربية وإقليمية عديدة.

أما في سوريا، فثمة تباين واسع بين نظرة البلدين لأهمية هذه الساحة في حساباتهما الإقليمية والدولية، ففي الوقت الذي سبق فيه لدونالد ترامب، أن وصفها بأرض الرمال والدماء، فإن إدارة بايدن، لم تبلور بعد، رؤية شاملة لسوريا...وهي تقارب ملفات الأزمة بـ"نظام القطعة"،  تارة من منظور "المساعدات الإنسانية" وأخرى من منظور "محاربة الإرهاب"، وثالثة من بوابة "رعاية أكرادها" المحشورين بين مطرقة النظام وحلفائه وسندان أردوغان وأدواته، لكن لا يبدو للمراقبين، أن ثمة رؤية أمريكية شاملة لسوريا، وسط ترجيح بأن واشنطن لا تمانع "تلزيم" سوريا لبوتين، نظير ضمانات خاصة من نوع: دفع العملية السياسية والدستورية، تنتهي إلى دفع بشار الأسد لتقديم تنازلات وقبول مشاركة السلطة، وتأمين "الكيان الكردي" في إطار دولة سورية واحدة.

موسكو التي تعتقد أنها نجحت في استنقاذ الأسد، وربما تكون ربحت المعركة العسكرية على ثلاثة أرباع الأرض السورية، تدرك أنه سيصعب عليها مواجهة المعركة الاقتصادية والاجتماعية في سوريا، وتحمّل أعباء إعادة الإعمار وتأهيل ملايين النازحين واللاجئين، الأمر الذي سيُبقي مكاسبها في سوريا، عرضة للاهتزاز تحت ضغط هذه الأعباء ... لروسيا مصلحة، في بناء تفاهمات مع إدارة بايدن حول سوريا، لتفادي السيناريو الأسوأ في سوريا، لكن السؤال الذي سيطرح بقوة على مائدة أي حوار أميركي – روسي: ما مدى استعداد روسيا للضغط باتجاه تحقيق تسويات ومقايضات في سوريا ... أما الاختبار الأول لفرص خلق مثل هذه التفاهمات، فسيكون الشهر المقبل، عندما سيبحث مجلس الأمن مسألة المعابر الحدودية بين شمال غرب سوريا وتركيا، والتي تستخدم لتمرير المساعدات الإنسانية لثلاثة ملايين سوري يعيشون في تلك المنطقة.

في المقابل، لا يكف الكرملين عن إطلاق "إشارات حسن النيّة" تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل من سوريا، فهو سمح لطائرات الأخيرة، باستمرار استباحة الأجواء السورية طوال أزيد من خمسة أعوام، وهو يعمل على إطلاق "عملية سلام" بين سوريا وإسرائيل، مقصودة لذاتها، وبصرف النظر عن نتائجها، ذلك أن انخراط الأسد في مفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية، سيسهل مهمة موسكو في إعادة "تعويمه" و"تأهيله" للعودة للمجتمع الدولي، ورفع أو تخفيف نظام العقوبات الصارم المفروض على دمشق، وتلكم أولوية أولى لموسكو ودمشق، سواء بسواء.

وستكون المفاوضات السورية – الإسرائيلية، المطلوبة لذاتها كما أوضحنا، وبصرف النظر عن نتائجها النهائية، بوابة موسكو للعودة إلى عملية سلام الشرق الأوسط، بوصفها راعياً وضامناً لأحد أطرافها، سيما وانها تجد صعوبة في القيام بدور مؤثر على المسار الفلسطيني – الإسرائيلي، في ظل إصرار الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، على ترك هذا الملف حكراً على واشنطن وحدها، وانصياع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، للرغبة الإسرائيلية.

ليبيا أيضاً ستكون ساحة من الساحات التي يمكن أن تنشأ على أرضها فرص تعاون روسي-أمريكي، سيما بعد أن تحولت موسكو إلى "لاعب" على هذه الساحة، داعمة لفريق من أفرقائها، فيما واشنطن، ترغب في إنجاز حل سياسي للأزمة، يكفل لحليفاتها الأوروبيات، التحرر من كوابيس الهجرة غير الشرعية، ويكفل لها ولهن، فرصة منع ليبيا من التحول إلى ملاذ للإرهاب الذي يهدد أوروبا وأفريقيا.

بخلاف هذه الساحات، لا يبدو أن ثمة فرصاً كبرى لتعاون روسي – أمريكي ذي مغزى، سيما وأن نفوذ روسيا في المنطقة، يكاد ينحصر في سوريا وبدرجة أقل في ليبيا، أما في بقية أزمات الإقليم: فلسطين، اليمن، العراق وحوض النيل، فثمة حدود ضيقة لما يمكن لروسيا أن تقوم به من أدوار، أو تعرضه على موائد الحوار مع واشنطن.

ماذا عن الصين؟

تستمد الصين نفوذها في الإقليم، من نجاحها في "التسلل" إلى دوله، من بوابة الاقتصاد والاستثمار، وعبر دبلوماسية "اللقاحات والمساعدات"، ويمكن الجزم، بأن بكين لا تتمتع بأي تأثير سياسي أو حضور عسكري جدي يذكر في أيٍ من دول الأزمات المفتوحة في المنطقة.

لكن ذلك، لم يمنع بايدن وقادة الغرب، من التفكير بمواجهة النفوذ الصيني المتزايد في الإقليم بأدواته، وقد حظيت قضية الاستثمار في البنى التحتية في دول المنطقة، وهو الملعب المفضل للصين، بقدر من الاهتمام في اجتماعات بروكسيل، كما أن "دبلوماسية اللقاحات" ومحاربة الأوبئة، كانت حاضرة بقوة كذلك.

وإذ تدرك دول الغرب الصناعي، أن فرصها في الفوز بـ"المباراة الاقتصادية" على ملعب العالم الثالث مع الصين، تبدو محدودة، في ظل فجوة الموارد والمصادر والاقتدار المالي، فإنها لن تتوانى عن استخدام وسائل الترهيب إلى جانب أدوات الترغيب، لمنع دول المنطقة من الذهاب بعيداً في علاقاتها التجارية والاقتصادية والاستثمارية مع الصين.

ولا شك، أن واشنطن وعواصم الغرب، تراقب عن كثب التطور المضطرد في علاقات دول حليفة لها مع بكين، فإسرائيل، الابن المدلل للولايات المتحدة، تتمتع بشبكة علاقات وثيقة معها، دفعت الوزير مايك بومبيو، لتخصيص أول زيارة له لتل أبيب، في ظل جائحة كورونا، لنصح قادتها "اقرأ الضغط" عليهم لتقليص تبادلاتهم مع الصين...ولا شك أن واشنطن وعواصم الغرب، تراقب بقلق تطور العلاقات الصينية السعودية، وحديث ولي عهد الرياض، عن تراجع مكانة الولايات المتحدة في الاقتصادات العالمية، من نصف هذه الاقتصادات بعد الحرب العالمية الثانية إلى خُمسها اليوم، وإشاراته المتكررة لوجود أقطاب دولية جديدة، تجعل بلاده قادرة على تنويع علاقاتها الدولية، وتفادي وضع جميع أوراقها في سلة واحدة.

ستواصل واشنطن، وبالأخص بعد قمم بروكسيل، سياساتها القائمة على "شيطنة" الصين، و"تخويف" حلفائها من التقرب منها، وهي إذ تعاملت مع صفقة صواريخ "إس 400" الروسية مع تركيا، بوصفها سبباً لصداع مستدام في العلاقة بين أنقرة وواشنطن، فهي ستنظر إلى كل من يتعامل مع التكنولوجيا الصينية، في الاتصالات كما في البنى التحتية والأسلحة، بالعين ذاتها ... حتى وإن أدت هذه السياسة إلى الضرب عرض الحائط، بقواعد نظرية السوق والمنافسة والتجارة الحرة، والتي ستحل مكانها على ما يبدو، "قيم الحرية والديمقراطية" كعامل مقرر لشكل ومحتوى علاقات الولايات المتحدة (والغرب عموماً) مع العملاق الصيني في السنوات القادمة.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.