مظاهرة لندن - الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
"فبينما يُمكن لمجتمع ما من هذه الشعوب أن يندفع للتضامن الحار مع المسألة الفلسطينية، فإن الأغلبية العظمى لأفرادها يُمكن أن تتعامل بعنف وعنصرية وقمع مع الفلسطينيين الذين يعيشون في ظلالهم"

منذ أن انتهت آخر مواجهة بين إسرائيل وحركة حماس، ساد هدوء شامل مختلف ساحات التضامن في العالمين العربي والإسلامي، سواء على الأرض أو افتراضياً على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن كل القضايا والتجاوزات التي تتطلب تضامناً ما قد انتهت تماماً من حول هؤلاء، الذين يشكلون مئات الملايين من المجتمعات والشعوب، من الذين هاجوا بشكل استثنائي خلال أيام المواجهة المُسلحة تلك.

هذه العلاقة الميكانيكية المُحكمة بين الظاهرتين، الهبة الجماهيرية التضامنية الفجائية المرافقة لأي مواجهة عسكرية بين إسرائيل والقوى الفلسطينية، والموات التام لأي حراك تضامني لحظة توقف تلك المواجهة، توفر مناسبة هامة للتفكير بطبائع وهوية علاقة هؤلاء المتضامنين مع المسألة الفلسطينية، وتالياً علاقتهم الداخلية ومنظورهم الذاتي لفكرة التضامن السياسي والروحي.  

في كل تفصيل من حيوات هؤلاء الملايين، ثمة قضايا وأوجاع تتطابق وربما تتفوق قيمة وحساسية عما للمسألة الإسرائيلية الفلسطينية. ملايين الأناس المسلمين "الأويغور" في الصين مثلاً، يواجهون واحدة من أعتى حالات القهر والبربرية المطلقة، عبر وضعهم في سجون عُظمى صُممت لمعاقبة شعب بكامله، ومع ذلك لا يلقون ولو استدارة أخلاقية أو سياسية من هؤلاء المتضامنين.

لا بل أن الشخص الأكثر ادعاء بالحمية عن حقوق الفلسطينيين، الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، منخرط في متاجرة كُبرى مُعلنة مع الصين، على حساب هؤلاء البؤساء من الأويغور، ودون أن ينال مجرد ملاحظة من ملايين المؤازرين الذين يعتبروه واحداً من "قادة الخلاص"!.  

المأساة الأيزيدية في العراق قبل سبع سنوات فحسب، هي مثال فاقع آخر. فذلك الجرح الذي رسم صورة عن أشنع أشكال الانحطاط الروحي والأخلاقي لكائن آدمي ما، والتي نزفت ضحايا يتجاوزون بأعدادهم مجموع ما خسره الفلسطينيون خلال كُل مواجهاتهم. لم تلقَ تلك الفظاعة تنديداً وتفاعلاً مطلقاً، ولو بكتابة تغريدة صغيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى من أكثر الطبقات تعليماً ورهافة ومدنية من أبناء هذه المجتمعات.  

مثل مآسي الأويغور والأيزيديين، ثمة أعداد لا تُحصى من الأحداث والقضايا التي يُمكن ذكرها، تلك التي تندلع وتتجدد كل يوم، دون أن تدفع لأي حِراك أو موجة تضامنية، من قضايا الأكراد والأمازيغ في مشارق ومغارب بلدان هذه المجتمعات، مروراً بأحوال البلوش والمسيحيين والبهائيين في بلدان العمق الإسلامي، وليس انتهاء بكل أنماط المهانة المحيطة بالمجاعات الاقتصادية والشمولية السياسية والذل العمومي في مسائل الحريات العامة، وصولاً لأنواع التحرش الجسدي وهتك القيم العليا لمكانة الإنسان والعنف ضد النساء والتنمر بحق ذوي الحاجات الخاصة والخراب البيئي.. إلخ من القضايا التي من المفترض أن تهز الباطن الوجداني والضمير الأخلاقي والحس الحقوقي لهؤلاء الناس، بالضبط كما تفعل بهم المسألة الفلسطينية.  

ليس صحيحاً أن القمع السياسي وحده صانع هذه الحالة، كما كانت تقول نظرية تقليدية لقوى المعارضة في هذه البلدان، التي كانت تدعي بأن المسألة الفلسطينية هي محل تفاعل وحيد من قِبل مجتمعات بلداننا، لأنها الوحيدة المسموح بتداولها في المجال العام من قِبل الأنظمة الحاكمة. فهذه المجتمعات لا تملك بوضوح أي مستوى من التضامن الوجداني مع القضايا العالمية وغير الهوياتية بالنسبة لها، وسائل التواصل الاجتماعي خلال عقد كامل مضى كشفت ذلك بوضوح براق.  

فوق ذلك، فإن هذه المجتمعات تملك ميولاً لتأييد القمع الشمولي بحق المطالبين بحقوقهم العادلة من أبناء البلدان التي يعيشون فيها، فيما لو كان المطالبون من غير أبناء هوياتهم الدينية والعرقية. سينفضح ذلك تماماً لو أُجري استطلاع للرأي العام في تركيا مثلاً بشأن منح أكراد تركيا حقوقاً سياسية، أو في المغرب والجزائر وحقوق الأمازيغ هناك، وطبعاً في مصر ومكانة الأقباط وفي إيران وحقوق البهائيين، وبعض أشكال الانتخابات العامة الحُرة في واحدة أو أخرى من تلك البلدان تثبت ذلك تماماً.

فالقوى السياسية تتقصد أن ترفع من وتيرة عدائها للحقوق السياسية والحياتية لأبناء الأقليات، لتنال أكبر قدر من أصوات الأغلبية، وهو ما يحدث فعلاً.  

الفلسطينيون وقضيتهم بالنسبة لمئات الملايين هي مسألة تضامنية في مستوى العصبية، القومية والدينية منها بالذات. تلقى القضية الفلسطينية هذا المستوى من التفاعل "الهيجاني"، لأنها تنحدر من سلالة الحكايات الكُبرى للحروب القديمة، تملك طاقة استثنائية لإثارة المشاعر الجمعية المتأتية من الزمن الإمبراطوري، من زمن أبناء الشعوب والأديان والثقافات المتصارعة بشكل حتمي فيما بينها، تستمد خطاباها وحرارتها من روح الحمية والأساطير القديمة.

هذه التفاصيل التي ما تزال حية وفاعلة وذات أولوية في الوجدان الجمعي والوعي الذاتي والكوني لأبناء هذه المجتمعات، وغير متوفر في القضايا والحكايات الأخرى، الحقوقية والبيئية والجندرية وحتى السياسية التي للأقليات.  

الدين هو المصدر الأول لذلك النزوع. فمئات الملايين من المسلمين يكتنزون في ذواتهم مخيلة ترى في المسألة الفلسطينية الإسرائيلية امتداداً للسنوات الأولى للسردية الكُبرى التي أنشؤوا عليها حياتهم ووعياً للعالم، أي حكاية الإسلام والنبي محمد وصراعات الجماعة المُسلمة مع المسيحيين واليهود وغير المؤمنين.

هذا الوعي يؤسس في دواخلهم شعوراً أصولياً طافحاً، يقول لهم إنهم يستطيعون أن يكونوا جزءاً من القصة المقدسة تلك، وتالياً أن ينالوا قسطاً من القداسة المفترضة.  

ضمور الشعور الحقوقي في الحقل العام هو فاعل آخر في ذلك المضمار. فهذه المجتمعات لم تعش أي ثورات عالمية للعلوم الإنسانية، وتالياً تفقد بعمومها أي نزعة من الوعي الكوني، الذي يتخيل بأنه ثمة مسائل وحساسيات كلية الحضور في العالم المعاصر، تتجاوز أي تفاصيل تتعلق بالهويات العرقية والدينية، أي قضايا تستوجب انعكاساً شرطياً تضامنياً، أياً كان فاعلها ومكان حدوثها.

فمسائل العالمين العربي والإسلامي، بما في ذلك قضية الفلسطينيين أنفسهم، أثارت ونالت تضامناً من قِبل مختلف المجتمعات التي شهدت تلك الثورات العالمية في العلوم الإنسانية، ولم يجرِ أن حدث العكس قط.  

أخيراً، فإن الدلالة الكُبرى عن الموقع "العصبياتي" للمسألة الفلسطينية في الضمير الجمعي لهذه المجتمعات لا في الحيز الحقوقي والسياسي إنما ينفجر بفقاعة في العلاقة "الغرائبية" التي تدفعهم للتفريق الرهيب بين "فلسطين" والفلسطينيين.

فبينما يُمكن لمجتمع ما من هذه الشعوب أن يندفع للتضامن الحار مع المسألة الفلسطينية، فإن الأغلبية العظمى لأفرادها يُمكن أن تتعامل بعنف وعنصرية وقمع مع الفلسطينيين الذين يعيشون في ظلالهم، في لبنان وسوريا والعراق والأردن ذاق الفلسطينيون شيئاً مريعاً من ذلك طوال قرابة قرن. ففلسطين تلبي حاجة غرائزية ووجدانية لهؤلاء المتضامنين، بينما يكشف التعامل الفوقي والعنصري العملي مع الأفراد الفلسطينيين هوادة الحس الحقوقي والنزعة الإنسانية لمكونات هذه المجتمعات.   

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.