أصبح السعي حثيثا للبحث عن شكل حديث للدولة، أقرب نوعا ما إلى الديمقراطية والليبرالية
الليبرالية هي اليوم روح العصر بكل قيمها ومبادئها الأساسية

يتحوّل العالم بالتدريج ـ وبدون أن يحدث ذلك على مستوى الإرادة الواعية في الغالب ـ إلى "عالم ليبرالي". يبدو هذا التحوّل وكأنه "حالة طبيعية" تلقائية، تُشْبِه خروجَ الشمس من مشرقها كل يوم؛ لتعاود الغروب بقوة القدر الكوني. العالم اليوم يَتَلَبْرَل؛ رغم كل جيوب الممانعة التي تُدرك ـ بعد حين من الدهر ـ أن ممانعتها لم تكن إلا إعاقة مؤقتة؛ يستأنف التاريخ (التاريخ من حيث هو صيرورة نافذة) دورته بمجرد إدراك الأغبياء لمستوى غبائهم السابق، ذلك الغباء العنادي الذي سوّل لهم أن بإمكانهم التمرد ـ عبثا ـ على روح العصر؛ في الوقت الذي كانوا يتوهمون أنهم أكثر من مجرد عابثين !

الليبرالية هي اليوم روح العصر بكل قيمها ومبادئها الأساسية. وكونها روح العصر لا يعني أن ليس ثمة قوى أخرى تُنَازِعها في مساحات الفعل والتأثير، بل والهيمنة أحيانا، وإنما المقصود بكونها "روح العصر" المعبرة عن منطق التاريخ فيه، أنها هي القوة الوحيدة المُحرِّكة لمسيرة التقدم الإنساني في العصر الحديث (منذ 1500م وإلى اليوم)، وأن هذه الروح وإن بدأت في مراحل تشكّلها الأولى ضعيفة وهزيلة ومحاصرة، إلا أنها ـ وبقوة دفع تحيّازاتها الإنسانية الأصيلة فيها ـ تَزْدادُ قوة بمرور الوقت؛ حتى أصبحت هي روح التقدم ورأس حربته النافذة، بل وحتى أصبح التقدم في أي مكان يُقاس بها حضورا وغيابا، صعودا وهبوطا، قوة وضعفا. 

أنت مُتقدِّم/ مُتحضّر؛ بقدر ما تكون ليبراليا (مُتقدّم/ مُتحضّر؛ تقدما/ تحضرّا حقيقيا؛ بتجذر المعنى الإنساني في وجوده المتحقق عمليا: الفرد). قد يبدو هذا مني حُكما مُغَاليا، أو ادعاءً أيديولوجيا فَجّا. لكن، هي حقائق التاريخ/ الواقع. ليس ثمة تقدّم/ تحضّر إلا حيث هي الليبرالية حاضرة ومهيمنة، وبمستوى حضورها وهيمنتها يكون حضور التقدم وهيمنته. وما كون التقدم المادي/ التقني مصدر فخر ومباهاة في بعض البيئات المعادية لليبرالية (كالصين مثلا)، إلا دليلا على الترابط الشرطي بين الليبرالية والتقدم؛ مع أن الدلالة الظاهرة، الدلالة الساذجة تقول بالعكس، أي تقول بأن هذا التقدم التقني في البيئات المعادية لليبرالية دليل على أن الليبرالية ليست هي وحدها سبيل التقدم.

لكن، مع كل ادعاءات المعادين لليبرالية، أولئك الذين يزعمون أن بإمكانهم التقدم من دون تَمثّل النموذج الليبرالي، إلا أن بعض ما حققوه من تقدم (تقدم مادي/ تقني معطوب إنسانيا) هو في ذاته نتيجة انحياز جزئي إجرائي مبتسر للنموذج الليبرالي. أي أن ما هو إيجابي في تجربتهم (رغم محدوديته وأحاديته) ليس إلا نتاج انفتاحهم المحدود/ الأحادي البعد على النموذج الليبرالي الذي استطاع أن يُحرّرهم حتى من أنفسهم (من تقاليديهم وعاداتهم وعقائدهم وإيديولوجياتهم المتخشبة) في كثير من الأحيان. 

العرب كغيرهم، منذ قرنين وهم يُغَازلون ـ على استحياء وخوف مشوب بارتياب ـ النموذجَ الليبرالي الغربي. يُغازلونه لا لأنهم عشقوه من بين نماذج كثيرة، كلها محاط بهالة من الإغراء الباذخ، وإنما فقط لأنه النموذج الوحيد الذي يتوفر على هذا الإغراء. ومن ثَمَّ، لم يكن في الأمر خيارا لهم، بل كانوا مُتَخلّفين أشد ما يكون التخلف وضاعة وفقرا وانحطاطا، وكان العالم يتقدم أمامهم على مدار اللحظة، عبر هذا النموذج الباذخ إغراء، الذي يتراءى أمامهم في كل تفاصيل مرايا الحياة صُورًا مُبهِرة، من أكبر وأهمّ التفاصيل وأكثرها حسما في تحديد المصير، إلى أصغرها وأحقرها وأقلّها تأثيرا. فكان يُغرمون به وهم له كارهون ! ولهذا ما إن لاح لهم في الأفق فَجرُ الشيوعية الكاذب (المعادي الأصيل للغرب الليبرالي) حتى تهافتوا عليه، وتاهوا في غارمه، ولم ينزعوا عنه حتى هَوَى صرحُ خياله في الواقع، وتحطّمت أصنامه في حرمه الأقدس، قبل أن تتحطم في العالم الذي اتخذه قبلة؛ فرجعوا ـ راغمين ـ يُلَمْلِمُون أطرافَ عشق قديم، عشق مَلغوم بكثير من العُقَد التي تجعل من لحظات الوصال لحظات تأزم ومُعاناة، بدل أن تكون لحظات اطمئنان وارتياح.

بعد انهيار المعسكر الشرقي، لم يجد العربُ من خيار إلا أن يدخلوا في مسار ادّعاء الليبرالية أفواجا. أصبحت الليبرالية في عالم العربي هي أيديولوجيا المثقف التقدمي. أنا هنا لا أتحدث عن عموم الجماهير، لا أتحدث عن الدهماء الذين يستهلكهم الخطاب الديني التقليدي ويستنفد آخر قطرة من وعيهم. إنما حديثي عن المهمومين ـ أصالة أو ادعاء ـ بمسارات التقدّم، المشتغلين على تجديد رُؤاهم ليتجدد واقعهم، الذين يستلهمون أهمَّ مقولات تراث التنوير الأوروبي؛ ابتغاءَ أن يستطيعوا تحقيق شيء من الاستنارة لمجتمعاتهم الغارقة في ظلاميّات القرون الوسطى: عصور الانحطاط العربي. 

هنا، المثقف العربي يستنير، يَتَلَبْرَل، ينخرط في مسارات ذات طابع تقدّمي في عمومها. لكن ـ وهنا مصدر التأزم وتمظهره الأشد جلاء ـ نجد أن ثمة تَحْويرا يُمارسه كثير من المنتسبين للتنوير/ لليبرالية في العالم العربي، حيث تصبح الليبرالية على أيديهم في حالة تضاد مع مبادئها الأساسية التي تُشَكّل جوهر هويتها ! فهل هذا سلوك واعٍ بطبيعة كونه تزييفا أم هو غير واعٍ ؟ وسواء أكان واعيا أم غير واعٍ؛ هل ما يحدث في هذا السياق هو جزء من عملية التكيّف التي تفرضها المُحَدّدات الموضوعية للسياق أم هي "خيانة تزييفية" تخترق عملية التكيّف ذاتها، وخيانة للنموذج في أصالته/ هويته في الوقت نفسه ؟

في تقديري، أنها مسألة خيانة مزدوجة واعية؛ في سياق عملية استنفاع انتهازي، آني، وشخصي أو شبه شخصي، ومباشر؛ استنفاع رخيص؛ لا يقيم للمسار التقدمي ـ في تشكله الإنساني الأعمق ـ أي اعتبار. وهنا، وبالنظر إلى الأمر في مُسَبِّبَاته/ مصدره، وفي نتائجه أيضا، لا يختلف العامي الجماهيري الذي يخضع خضوعا تاما وآليا لمقولات الخطاب التقليدي، عن ذلك الذي يقدم نفسه كـ"ليبرالي مستنير" يحاول انتشال المجتمع من أسر المقولات القروسطية لخطاب التقليد والتبليد.   

يؤكد المفكر الفرنسي/ ألان تورين أن روح التنوير حرّر التفكير العقلي من التطير والجهل، لكنه لم يُحرّر الفرد (نقد الحداثة، ص331). يقصد أن ما فعله خطاب التنوير على مستوى متغيرات الوعي، كان محدودا في حدود أولئك المنتمين لخطاب العقل/ العلم، أي أن المتغير النوعي طال النَّسَقَ الفكري العقلاني، بينما بقي وعي الأفراد كما هو، وعيا جاهلا خرافيا. فإذا كان هذا يصح في حال السياق العام للمجتمعات الغربية، فهو في الواقع العربي أعمق أشمل، إذ في هذا الواقع العربي لا يظهر مسارُ خطاب عقلاني متمايز عن وعي عموم الأفراد. نعم، ثمة خطاب عقلاني عربي مستنير ذي توجهات ليبرالية واضحة، ولكنه ضعيف وغريب. والمشكلة ليست في ضعفه وغرابته، بل في كونه محفوفا ـ على ضعفه وغربته ـ بطفيليات تقتات عليه، وتتوسل ـ في العموم ـ جمالَ شعاراته، ولكنها ـ في الوقت نفسه ـ تقف على التضاد التام من مبادئه الأساسية/ الأصيلة التي تشكل جوهر هويته، والتي لا وجود له بدونها. 

هكذا، وفي العالم العربي وحده، يمكن أن تتحوّل الليبرالية إلى حاملة لمقولات نَبْذِيَّة إقصائية انكفائية: عنصرية؛ تحت مبررات كثيرة تتباين في منطوقها الادعائي ، ولكنها ـ في مضمونها الجامع/ الناظم ـ ذات طابع كلياني شمولي، انغلاقي عنصري في نهاية المطاف. إنها "الليبرالية المستعربة" الجمعانية، التي لا تؤمن بتعدد الخيارات، ولا بتنوع الرؤى، ولا باختلاف الآراء. وإذا آمنت بشيء من ذلك، فإنما تؤمن به في حدود، وفي مواضيع مُحدّدة (بينما هناك مواضيع وقضايا ومواقف أخرى ـ وهي الأكثر ـ تقع خارج نطاق الاختلاف المباح !)، وربما لأسماء محددة أيضا. وهذا ـ باتفاق أوجه التأويل الليبرالي ـ مناقض لبدهيات الرؤية الليبرالية؛ إذ "لا يحلم الليبرالي باتفاق كامل في الرأي، إنما يأمل فقط في التخصيب المتبادل للأفكار وما يتبعه من نمو الآراء" (الليبرالية: إشكالية مفهوم، ياسر قنصوة، ص127).

ليست الليبرالية المُسْتَعرِبة إلا انتقاء عشوائيا وعبثيا وغبيا لمفردات جزئية وهامشية من التراث الليبرالي، ومن ثم ترفيعها ـ بعد تجريدها من سياقاتها الضرورية ـ لتكون "ليبرالية" تخدم تطلعات هذا "المثقف" أو ذاك. فمثلا، الجمعانية التي تُجَسِّدها الحالةُ القبلية هي من المكونات الأساسية للوعي العربي، فالعرب منذ كانوا في جاهليتهم الأولى وإلى عهود متأخرة،  يعون أنفسهم من خلال انتظامهم في التكتلات القبلية أو شبه القبلية. ورغم انحسار القبيلة كتنظيم/ كانتماء، إلا أن بُنْيَتها ـ كنظام وعي جمعاني ـ لا تزال حاضرة في السياق العربي: النظري والعملي.

لهذا، عندما يَتَلَبْرَل العربي، فهو ـ في الغالب الأعم ـ لا يستطيع ترويض وعيه القديم (اللاّواعي في الغالب) لصالح الوعي الجديد (الواعي)، لا يستطيع ترويضه إلى الحد المعقول الذي يجعل الوعي الجديد فاعلا بجدارة؛ وإلا فإن الترويض التام، المنتهي بالتجرد من كل مكونات النسق القديم، شيء مستحيل من زاوية تعقّد الوعي الإنساني، الذي هو ـ في طبيعته الأولى والثانية ـ وَعْيٌّ مركب؛ بقدر ما هو غامض ودائم التحوّل. ما يعني أن التحكم فيه ـ على نحو واضح وآلي ومُوَجَّه ـ أمر مستحيل.     

لكن، إذا كان التحكّم في مجمل مسارات الوعي مستحيلا، فهل يُبَرِّر هذا قلبَ المنظومات الفكرية إلى أضدادها، أو تجزئتها وبَتْر أوصالها؛ لتتحوّل إلى محض شعارات فارغة تُرْفع ادعاءً لمجرد الاستخدام الأيديولوجي؛ دونما وفاء ـ ولو في الحدود الدنيا ـ للمقولات الأساسية في تلك المنظومات الفكرية المُسْتَدْمَجَة ـ في ثقافة/ وعي الأنا ـ تعريبا ؟ 

إذا كان من الطبيعي أن تَسْتَعْرِبَ الليبراليةُ، وأن يَفْرِض عليها مسارُ الاستعراب أن تتكيّفَ مع واقع عربي مغاير ـ ثقافيا وحياتيا ـ للواقع الغربي الذي نشأت واكتملت فيه، بكل ما يستلزمه ذلك التكيّف من متغيّرات، فهل هذا يُبَرر: أن تتحوّل الليبرالية المُكَيَّفة/ المُسْتعرِبة إلى جمعانية/ كليانية، بينما هي أيديولوجيا الفرد في أساسها، وأن تتحول إلى عنصرية تعصّبية لكل دوائر الأنا، بينما هي ـ في جوهر رؤيتها ـ تسامحية انفتاحية على الآخر، وأن يتحوّل الإنسان المُحَرّر/ المُتَحرِّر عندها إلى إنسان مخصوص بزمان مخصوص ومكان مخصوص، بينما هي حرية/ تحرّر الإنسان وكرامته في كل زمان ومكان ؟

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.