القوات المسلحة اللبنانية خلال فرضها لحظر التجول بسبب الكوفيد
القوات المسلحة اللبنانية خلال فرضها لحظر التجول بسبب الكوفيد

منذ أربعينات القرن الماضي، قامت جيوش عربية بقيادة ضباط لهم طموحات جامحة بانقلابات عسكرية قوضت الأنظمة السياسية في دول مثل سوريا ومصر والعراق، ولاحقا  اليمن والجزائر وليبيا ووضعت هذه الدول على طريق القمع السياسي والإخفاق الاقتصادي وتسببت بثورات مضادة وحروب أهلية وإقليمية هدرت ثروات هذه الدول وأوصلت بعضها إلى حافة التفكك والانهيار، وأثارت الشكوك والاسئلة حول جدواها كدول قادرة على البقاء على قيد الحياة.  

ما نراه اليوم في لبنان مخالف لهذا النمط العربي الموجود منذ أكثر من سبعين سنة. في لبنان هناك طبقة سياسية أوليغارشية وطائفية مفترسة وفاسدة ومافياوية بامتياز، أوصلت البلاد عبر عشرات السنين، ولكن تحديدا في السنتين الماضيتين الى انهيار اقتصادي نادرا ما شهدته دولة في العصر الحديث، حيث انهارت قيمة الليرة اللبنانية بنسبة 90 بالمئة مقابل الدولار في السوق السوداء، وأصبح أكثر من نصف الشعب اللبناني تحت خط الفقر.

وللمرة الأولى في تاريخه الذي يعود لأكثر من 75 سنة، يجد الجيش اللبناني نفسه مهددا بوجوده من قبل هذه الطبقة السياسية اللبنانية التي حرمت الجنود ليس فقط من المواد الطبية والوقود وغيرها من المواد الاساسية التي يحتاجها أي جيش،  ولكنها حرمتهم حتى من أكل اللحوم في وجباتهم اليومية، وأرغمتهم على السعي لوظائف ثانية وثالثة لتوفير الحد الأدنى من الغذاء لعائلاتهم. بمعنى آخر، هذا أول نظام سياسي في دولة في منطقة الشرق الاوسط يعمل على تقويض المؤسسة الوحيدة الوطنية التي كانت  توفر الحد الادنى من الامن في البلاد، والتي تمثل في صفوفها مختلف أطياف الشعب اللبناني. 

 القوات اللبنانية المسلحة لم تسلم كليا من آفات المجتمع اللبناني وانقساماته وولاءاته المذهبية والطائفية والسياسية، وهذا غير مستغرب لأنها جزء من التركيبة الاجتماعية اللبنانية. ولكن بعد انقسام الجيش وفقا للاستقطابات الطائفية خلال السنوات الأولى للحرب الأهلية، أعاد توحيد صفوفه بشكل أفضل نسبيا. وأظهرت التجربة المّرة لسنوات الحرب الأولى بين اللبنانيين أنفسهم وبين اللبنانيين والتنظيمات الفلسطينية المسلحة، أن انهيار القوات اللبنانية المسلحة، على الرغم من مشاكلها البنيوية، وتعرضها للنفوذ المؤذي للسياسيين اللبنانيين وخاصة نفوذ وضغوط حزب الله، سيؤدي إلى انهيار المجتمع اللبناني الى حرب داخلية جديدة قد تقضي عليه كدولة موحدة.  

في مارس الماضي فعل قائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون ما لم يفعله أي قائد جيش لبناني سابق، حين وجه انتقادات لاذعة ولكن محقة للطبقة السياسية الحاكمة بسبب الأوضاع المتردية التي وصل اليها الجيش اللبناني (مع المجتمع اللبناني ككل) حين قال "العسكريون يعانون ويجوعون مثل الشعب". وخاطب السياسيين اللبنانيين مباشرة قائلا : "إلى أين نحن ذاهبون، ماذا تنوون أن تفعلوا، حذرنا أكثر من مرة من خطورة الوضع، وإمكان انفجاره". وفي تحذير لافت أظهر ان العماد عون يعرف بتهديدات وكمائن أخطر بكثير مما يقوله علنا، أضاف "إذا كان البعض يهدف إلى ضرب الجيش وتفكيكه، فإنهم يعرفون أن تفكيك الجيش يعني نهاية الكيان اللبناني، هذا الشيء مستحيل حدوثه. الجيش متماسك وتجربة العام 1975 (بداية الحرب الأهلية) لن تتكرر".  

طبعا تحذيرات العماد عون لم تغيّر أو حتى تعدل بعض الشيء من سلوك رئيس الجمهورية ميشال عون الذي يتصرف وكأن لا علاقة له بالواقع اللبناني المأساوي، أو بسلوك حكومة تصريف الأعمال او الرئيس المكلف بإنشاء حكومة جديدة، أو حاكم مصرف لبنان أو بقية اعضاء الطبقة الحاكمة.  

في الأسابيع والأيام الماضية تحركت دول أوروبية بمبادرة من فرنسا وبدعم من الولايات المتحدة ومشاركة دول أخرى من بينها روسيا ودول عربية خليجية لتوفير بعض أنواع الدعم الطارئ للقوات اللبنانية المسلحة لمنعها من الانهيار، بما في ذلك الأدوية والأغذية والمحروقات وغيرها من أنواع الدعم المادي. ولكن هذه المساعدات لن تشمل توفير الدعم المالي المباشر لدفع رواتب العسكريين اللبنانيين بعد انهيار رواتبهم، لأن قوانين هذه الدول (الغربية، بمن فيها الولايات المتحدة) تمنع توفير الرواتب لجنود الدول الحليفة. قبل بداية انهيار الليرة في 2019 كان راتب الجندي اللبناني يصل ألى حوالي 800 دولار في الشهر، الآن انكمش هذا الراتب إلى اقل من مئة دولار. 

 ما يحدث اليوم هو أن الدول الغربية التي لا يزال لديها الحد الأدنى من الاهتمام بلبنان واستقراره هو "لمّة" للجيش اللبناني، لإنقاذ المؤسسة الوحيدة التي يوجد حولها اجماع لبناني. هذه الدول تدرك، ما لا يريد ان يعترف به سياسيو لبنان وأمراء الحرب في الماضي، وأمير الحرب الحالي بامتياز "السيد" حسن نصرالله قائد ميليشيا ما يسمى بحزب الله، من أن انهيار الجيش اللبناني، يعني، كما قال العماد عون، انهيار لبنان. هذا الوضع المذري للعسكريين اللبنانيين أدى الى انهيار معنوياتهم، وأدى الى ارتفاع عدد الجنود الذين تخلفوا عن العودة الى وحداتهم، ودفع بآخرين الى التقاعد المبكر.     

هيمنة حزب الله على القرار السياسي في لبنان، وخدمته لسياسات ايران التخريبية في بعض الدول العربية، وتواطؤ رئيس الجمهورية ميشال عون مع حزب الله على تقييد نطاق عمليات قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان (اليونيفيل) بما يخدم عناصر حزب الله، وامتناع الجيش اللبناني عن مساعدة اليونيفيل وردع تصرفات حزب الله، كانت من بين الاسباب التي دفعت بدول مثل السعودية لوقف مساعداتها العسكرية الى لبنان.  

 تمثل المساعدات العسكرية الاميركية مصدر الدعم الخارجي الاكبر للجيش اللبناني، حيث وصل مجموع هذه المساعدات منذ 2007 الى أكثر من ملياري دولار. وفي السنوات الثلاثة الماضية زاد معدل المساعدات العسكرية الاميركية السنوية عن 100 مليون دولار، (ووصلت الى 120 مليون في السنة المالية 2021) اضافة الى مئة مليون اضافية لمساعدة اللبنانيين على ضبط أمن الحدود وتدريب الضباط اللبنانيين. وفي مايو الماضي اعلنت الولايات المتحدة انها ستسلم لبنان ثلاثة زوارق حربية لخفر السواحل كهبة. وقبل اسابيع قال قائد القوات المركزية التي تشرف على القوات الاميركية في الشرق الاوسط الجنرال فرانك ماكنزي ان واشنطن ملتزمة بمواصلة دعم الجيش اللبناني "لأنه يمثل المؤسسة الرسمية اللبنانية التي تنشط بشكل جيد للغاية، ونحن نعتقد انه يجب ان تبقى التعبير الوحيد عن القوة العسكرية في الدولة اللبنانية"، في اشارة واضحة الى سلاح حزب الله. 

المساعدات الطارئة للجيش اللبناني، هي ضمادة مؤقتة في احسن الحالات، ولن تحل الاخطار الوجودية التي يواجهها الجيش في المستقبل المنظور والبعيد، خاصة وان السياسيين اللبنانيين لن يتوصلوا في أي وقت قريب الى تشكيل حكومة مسؤولة وفعالة يمكن ان تقبل بشروط المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة بتقديم قروض هامة ومساعدات تقنية لانعاش الاقتصاد وفق برنامج اصلاحي شفاف.  

التحديات الخطيرة التي يواجهها الجيش اللبناني، يجب أن تؤدي الى إعادة نظر جذرية في عقيدة هذا الجيش وهيكليته وتدريبه. القوات اللبنانية المسلحة لا تحتاج الى سلاح طيران يشمل طائرات حربية  ذات أجنحة ثابتة Fixed wings لانه لا يستطيع التصدي لسلاح الجو الإسرائيلي وحتى السوري، بهذه الطائرات، وهي غير مفيدة في القتال ضد تحديات عسكرية داخلية ( معارك نهر البارد، وعرسال على سبيل المثال). كما أن القوات البرية لا تحتاج إلى دبابات ثقيلة أو حتى متوسطة. ما يحتاجه الجيش هو إعادة تنظيم وحداته لتخدم كحرس وطني يضم وحدات قتالية وقوات خاصة تتمتع بسرعة الحركة والمرونة وتستخدم المروحيات للأغراض اللوجستية وإعمال الإغاثة ونقل الجنود، إضافة الى مروحيات قتالية مزودة بالصواريخ لتوفير الغطاء الجوي للقوات البرية في أي عمليات داخلية أو حتى كرد عسكري أولي على عدوان خارجي. وهذا يعني تزويد القوات البرية بعربات مسلحة سريعة  لنقل القوات الخاصة بسرعة إلى اماكن القتال بعد التخلص من الدروع الثقيلة. وفي هذا السياق يجب أن يستثمر الجيش اللبناني بالحصول على صواريخ أرض-أرض قصيرة المدى يمكن نقلها وإخفائها بسرعة، إضافة الى الطائرات الصغيرة المسيرة، لإرغام أي من جاريه على التفكير المسبق بوجود الحد الأدنى من الردع العسكري. وفي هذا السياق يمكن للجيش اللبناني الاستفادة من عبر ودروس استخدام الصواريخ والمسيّرات في النزاعات الإقليمية الأخيرة. 

ويمكن أن تكون البحرية اللبنانية مؤلفة  كليا من زوارق سريعة مسلحة لحراسة السواحل ومراقبتها على أن يكون بعضها مزودا بالصواريخ لإبقاء السفن المعادية خارج المياه الاقليمية. ولكن أي تغيير في بنية القوات المسلحة يجب أن يؤدي الى التخلص من الترهل الراهن، والتركيز أولا وثانيا وأخيرا على التدريب، ثم التدريب الأفضل. ويمكن للبنان الاستفادة من حقيقة أن أفضل القوات الخاصة العربية تملكها دول صغيرة بعدد سكانها مثل دولة الإمارات والأردن، وفقط لأن هذه القوات إما اكتسب خبرات قتالية (القوات الإماراتية التي قاتلت إلى جانب القوات الاميركية في أكثر من نزاع من بينها افغانستان) أو بسبب تدريبها الجيد (الإمارات والأردن). وإعادة تنظيم القوات، قد يتطلب تخفيض عديد قوات الجيش، والتركيز على نوعية العسكريين وتدريبهم وليس على عددهم. 

يعاني الجيش اللبناني تاريخيا من تخمة كبيرة في صفوف ضباطه الكبار، الذين يتباهون بنجومهم وأوسمتهم وكأنهم حققوا انتصارات ميدانية يحتذى بها. وقبل الأزمة المالية الراهنة، هذه الطبقة العسكرية المدللة كانت تستحوذ برواتبها العالية والخدمات التي تحصل عليها من النقل إلى الوقود المجاني وتعويض نهاية الخدمة والتقاعد الشهري الذي يليه، على قسم كبير من الميزانية العسكرية. 

وجاء في مقال نشره مؤخرا الباحث دافيد شينكر (مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الاوسط) أن الجيش اللبناني بعديده الذي يصل إلى 80 ألف عسكري لديه 400 ضابط كبير(من جنرالات وكولونيلات) مقارنة بالقوات الأميركية البرية التي يصل عديدها إلى نصف مليون عسكري والتي يقودها 295 ضابط كبير، وفقا لإحصائيات 2020. وبعد تقاعد الضابط اللبناني العالي الرتبة يحصل على تقاعد كبير يستلمه فور تقاعده، إضافة الى راتب تقاعد شهري، وسيارة مع سائقها ومحروقات مجانية. هذا هدر غير مبرر لا يستحقه أي جنرال او كولونيل، وخاصة من لم يقاتل لحماية الوطن، حتى ولو كان اقتصاد البلاد بألف عافية. التخلص من هذا الهدر سوف يوفر ملايين الدولارات في الميزانية الدفاعية، وسوف يساهم كثيرا في بناء قوة قتالية نحيفة وفتاكة. 

مستقبل لبنان يتطلب وقف الانهيار الراهن في جميع القطاعات والمؤسسات وأبرزها الجيش، أو على الأقل تخفيف سرعة الانهيار .التفاف اللبنانيين حول قواتهم المسلحة وإيمانهم بضرورة صيانتها هو أمر إيجابي ومشجع. ولكن دعم الجيش اللبناني، مع الإمل بإعادة هيكلته وتأهيله لا يعني مواصلة ذلك الطقس اللبناني القديم والمتمثل بالنظرة الرومانسية للجيش اللبناني. أقول ذلك وانا "ابن القبيات" البلدة العكارية المعطاءة والشامخة التي قدمت خلال عقود طويلة زينة شبابها للخدمة في الجيش اللبناني، وأنا فخور بالقول إن والدي وأخوالي الثلاثة خدموا بشرف وتفان في الجيش اللبناني. اللبنانيون الذين يؤمنون بأهمية صيانة المؤسسة العسكرية بصفتها القوة الوحيدة التي تملك السلاح الشرعي في الوطن، عليهم ان يقدموا لهذا الجيش بعض "الحب القاسي" كما يقول الاميركيون. وهذا يعني مناقشة مستقبل الجيش من منظور نقدي، مثل الإصرار على نخبة قيادية محترفة ونحيلة ومنضبطة بالمطلق وغير مدللة ماليا ولا تحصل على مكاسب وخدمات أكثر مما توفره رواتبها. مثل هذه المؤسسة العصرية، يجب أن تتقبل النقد البناء، ولا تتصرف بشكل دفاعي وتلقائي إذا أثيرت، على سبيل المثال، التساؤلات المشروعة حول اختراق حزب الله لصفوف القوات المسلحة. 

لن يخرج لبنان من محنته التاريخية، المتمثلة بوجود طبقة سياسية-أوليغارشية-دينية مفترسة يهيمن عليها حزب الله، في أي وقت قريب. وأفضل ما يمكن ان يفعله اللبنانيون في هذه الفترة الحرجة، وقبل وصول الحلول السياسية التي لا تزال بعيدة، هو مساعدة الجيش لكي يساعد نفسه من خلال إعادة بناء وحداته بشكل جذري وتغيير عقيدته القتالية، وتطهير نفسه من الآفات الطائفية، وتحويله الى قوة وطنية تحمي الوطن وشعبه وسيادته من أعداء الخارج والداخل.  

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.