فلنبدأ من المشهد الأخير، تلك اللقطة القصيرة لباسم عوض الله مخفورا مقيدا يدخل مبنى محكمة أمن الدولة. المشهد الوحيد المتوقع والمنتظر بشهوة افتراسية من قبل الجمهور الواسع والصحافة التي سعت لتوثيق تلك اللقطة بنفسها لولا أن المحكمة قررت أن الجلسات مغلقة لا صحافة ولا جمهور فيها. المحاكمة التي ترتبط بأكثر حدث هز مؤسسة العرش والدولة منذ احداث أيلول السبعينية هي سرية ومغلقة على الجميع.
باسم عوض الله الشخصية الغامضة والأكثر التباسا في التاريخ السياسي الأردني الحديث وقصة انفصاله "المكوكي" عن مركبته الأم والتحاقه بمدارات خارجية لم تبدأ حديثا، ربما لو تتبعنا خط سير الأحداث عكسيا لاحتجنا التوقف عند تلك النقطة الفاصلة عام 2018، في شهر نوفمبر تحديدا وبعد عودة الملك الأردني من زيارة واشنطونية لم يشعر بارتياح فيها، وقرر بعدها عزل رجله المفضل باسم عوض الله من موقعه مبعوثا خاصا لدى المملكة العربية السعودية.
وكتبت يومها: (.. هذا "الشيء" الذي حدث في واشنطن، الغامض والملتبس والغريب أجمع على حدوثه جل من تواصلت معهم، بحثا عن جواب كاف وواف عن قصة العزل المفاجئة، وارتباطها بكل ما يحدث، أردنيا وإقليميا).
انتهت مرحلة ترامب بكل ما فيها من تفاصيل ومبادرات وتحالفات وصفقات، لتبدأ مرحلة بايدن التي ورثت كل ملفات ما سبق، ومع فتح الملفات نجدنا اليوم قادرين على فهم واستيعاب "هذا الشيء الذي حدث في واشنطن" عام 2018، والذي أنهى فيه الملك علاقته بالرجل الأكثر التباسا وغموضا، رئيس ديوانه ومدير مكتبه والوزير العابر للحكومات باسم عوض الله.
في الملفات التي فتحت وصارت حيثياتها معروفة لدى الكثيرين بل وتم نشر تفاصيل منها في صحف عالمية كثيرة، فقد خرج الأردن منهكا من أربع سنوات شاقة هي عمر إدارة ترمب، الذي أوكل إلى صهره رجل العقارات جاريد كوشنر هندسة منطقة الشرق الأوسط ووضع مخرجات حل نهائي "من طرف واحد" للنزاع الفلسطيني "العربي" - الإسرائيلي.
كان المشروع الهندسي لكوشنر قلبا لكل طاولات الحلول والتسويات المطروحة منذ عقود، كان دفعا صاروخيا لكل مطالب اليمين الديني في إسرائيل نحو الأمام.
كان هذا يعني نتيجة واحدة في وجه الأردن وقيادته: إنهاء الوجود الأردني ضمن تسوية "الديموغرافيا على الجغرافيا" شرق النهر وتحقيق فكرة "الوطن البديل" بالتوازي مع ضم الضفة بكاملها في دولة إسرائيل التي تبنت قومية يهودية الدولة.
عام 2018 في واشنطن، وبتواصل مع كثير من أصدقائه "الأميركان"، أدرك الملك عبدالله الثاني أن رجله المفضل والذي قاتل لترسيخه كأهم رجل في الدولة الأردنية قد نقل ملفاته وولاءاته إلى حيث جهة الإعارة التي أعير إليها في الرياض، فكان كتاب إنهاء الخدمات حسما للوصف الوظيفي الملتبس في سيرة الرجل المهنية في الأردن.
في المحصلة، انتهى الرجل الأكثر ذكاءا و "المدان شعبيا منذ هبط بمظلته في مواقعه القيادية" تحت دائرة شك الملك نفسه ومرصودا على رادارات إشتباه أجهزة أمن الدولة.
--
تدخل إدارة بايدن البيت الأبيض وتتولى السيطرة على كل المؤسسات الفدرالية في واشنطن، ويفتح باب الفردوس مرة ثانية للملك عبدالله وهو الذي يملك "شخصيا أو عبر طاقمه المقرب" صداقات وثيقة مع أفراد مفصليين في طاقم بايدن السياسي والأمني.
محتوى البناء الهندسي "الكوشنيري" بزاويته الأمنية الاستخبارية يحوي تفاصيل تنتقل عبر الثقات من واشنطن إلى عمان، وتصبح الصورة أوضح في كل المشهد المتعثر في الأردن. مشهد من السذاجة تحميل ردائته التراكمية على أحداث الشهور الأخيرة، فالملك الأردني مسؤول "رغم الإعفاء الدستوري" عن كل ما حدث في عهده من أزمات متراكمة، لكن المؤامرة الأخيرة "حسب الوارد من واشنطن" كانت مركبة ومعقدة وفيها توظيف لكل الرداءة وتحميلها كتهمة وإدانة للملك الأردني. المفاجأة، ان مهندس ذلك كله كان رجل الملك المدلل نفسه: باسم عوض الله.
الدراما المشوقة والمليئة بكل عناصر القصة الشرقية المفضلة من فروسية متوهمة ومظلومية ما وسيوف وفرسان وخيال نوستالجي كانت في الأخ غير الشقيق للملك، الأمير حمزة، وهو الأمنية المبتورة للملك الراحل حسين بأن يكون ولي عهده، لكن الدستور كان الحسم الأقوى في الدولة الأردنية حين مات الملك، ثم عاش الملك، بانتهاء العرش حقا دستوريا للملك عبدالله الثاني، والذي ارتأى ضمن حقه الدستوري وحده أن يعزل شقيقه حمزة "أمنية والده ووصيته" من الموقع ويضع أكبر أبنائه وليا لعهده، وهذا في دولة مؤسسات وقانون حق دستوري يتغلب على وصايا وأمنيات قد تكون صالحة في الروايات والمحكيات.
لكن، هل الأردن دولة مؤسسات وقانون وحقوق دستورية فعلا؟
--
يمكن لنا أن نسرد ونورد ونتحدث كثيرا جدا عن كل ما يثبت انكفاء دولة المؤسسات والقانون وغياب الدستور كمظلة مصونة فوق الجميع بلا استثناء، لكن يمكن لنا الاكتفاء بذات حيثيات الأيام الأخيرة في مشهد محاكمات الفتنة وتداعيات " تلك الفتنة" نفسها لنكتشف غياب القانون واضمحلال الدور المؤسسي واختطاف الدستور بالتغول عليه.
( .. والفتنة، اصطلاح سليم وصحيح، وهو مستخدم في قضايا أمن دولة منظورة في دول موصوفة بالديمقراطية مثل اسبانيا التي تحاكم مجموعة من الإنفصاليين في إقليم الباسك بذات التسمية : الفتنة).
نحن أمام قضية غاية في البساطة تتعلق بمجموعة مواطنين أردنيين، أحدهم يحمل لقب أمير، وهو لقب يمنحه الملك ويسترده حسب الدستور نفسه، ولم يرتق فعلهم إلى ما يمكن تسميته بالإنقلاب، لكن كان بينهم مراسلات وتفاهمات على إحداث بلبلة سياسية تهز استقرار الدولة والعرش. لكن، في دولة المؤسسات والقانون المفترضة الغائبة، يتم إخراج المشاهد بأسوأ ما يمكن من تجاذبات وصراعات مراكز القوى التي حلت محل المؤسسات وحلت أمزجة رموزها النافذة محل القوانين.
منذ بدايات ظهور قضية الفتنة، كانت الارتباكات سيدة المشهد برمته، ومن أين أراد المهتم الإلتقاط، كان صيده وفيرا.
فلنأخذ اللحظات الأولى حين كان الأردنيون والعالم يترقبون تصاعد الدخان الأبيض من غرفة تجمع الأمراء بمعية عمهم الأكبر الأمير حسن (وهو الذي كانت مرارة تلقيه عزله عن ولاية العهد قبل رحيل أخيه الملك الراحل تتفوق أضعافا على مرارة الأمير حمزة لكنه تجرعها وقبل بالتراتب الدستوري)، وقد تصاعد الدخان الأبيض فعلا حين وقع الأمير حمزة على ورقة توثق ولاءه لأخيه الملك، وابن أخيه ولي العهد واضعا نفسه "حسب النص" بين يدي الملك.
لكن في مسار معاكس تماما لهذا المسار التصالحي، كان نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية أيمن الصفدي قد حشد الصحافة الدولية والمحلية في مؤتمر علني تصعيدي غاية في الفوضى من ناحية إطلاق الرسائل الموجهة إقليميا ومحليا، إلى درجة أن الرسائل الإقليمية وجدت طريقها في البريد المحلي، بينما الرسائل المحلية استقرت في صندوق البريد الإقليمي.
ودخل الأردن في نفق معتم، كانت الإضاءات فيه شحيحة لحقائق ممسوخة بالمزاج الأمني، أو وهج إشاعات تفتقر إلى منهجية واضحة سببها الفراغ الإعلامي في كل الدولة. فكانت لعبة التسريبات الصوتية، والمصورة وبطلها الأمير نفسه، استحضارا بأثر رجعي لترسيخ الإدانة من جهة خصوم الأمير، وتعميق المظلومية من جهة مريدي حوزة الأمير.
تلك التسريبات صنعت شرخا بين ما هو قانوني ودستوري من جهة، وما هو شعبوي بطولي تغذيه وطأة القهر اليومي من جهة أخرى. لقد كانت المؤسسات والدستور والقوانين الإمام الغائب، وكان نظام العدالة صاحب المظلومية الحقيقية في ذلك كله.
--
لم تنته قصة الأمير وقضيته بالوثيقة التي وقعها، والتي لم تحسم إلا قضية طموحات الأمير السياسية فيما لا يحق له دستوريا، لكن تلك الوثيقة "ووضع الأمير نفسه بين يدي الملك" لم يعفه من استمرار محاكمة سياسية بصيغة تسريبات استعراضية مليئة بالتشويق، تتدحرج مثل كرة ثلج تكبر ولا يعرف أحد أين ستنتهي وماذا تجرف في طريقها.
فمحاكمة باسم عوض الله، سبقها إخراج بائس لتسريبات صوتية جديدة ومراسلات خاصة بين الأمير والشريف وباسم عوض الله، كأنها محاكمة موازية لمسار محكمة أمن الدولة تستهدف الأمير، وكان الأجدى تفعيل الحق الدستوري للأمير كمواطن أردني ووضعه طرفا في المحاكمة حسب أي تكييف قانوني منطقي ومعقول بدلا من سباحته الحرة ( وهو قيد شبه الإقامة المعزولة عن كل تواصل) في فضاءات خيال شيعته وهم يتكاثرون بفعل غياب الحقائق و منطق العدالة وتزايد القهر اليومي.
إن وضع "الأمير" في سياقه كمواطن له حقوقه الدستورية وأولها الحق الدفاع عن نفسه أمام كل ما قيل أو يقال، هو الأكثر عدالة في دولة يكتب رأسها "الملك نفسه" في ورقته النقاشية السادسة عنوانا نصه " سيادة القانون أساس الدولة المدنية"، وإن قدم البعض حجة تميز أو تمايز الأمير بمقتضيات قانون الأسرة الحاكمة لعام ١٩٣٧ لغاية إقصائه عن "أي مساءلة قانونية امام القضاء، فإن دستور عام ١٩٥٢ المعمول به الآن هو لاحق للقانون الذي صدر في عهد الإمارة، كما ان الدستور دوما يعلو فوق القانون، والدستور الأردني يضمن براءة المتهم حتى تثبت إدانته، وأيضا فالأردنيون أمام القانون سواء.
القصة هنا والمطلب ليس انحيازا لطرف على حساب طرف في أزمة قانونية، بل هو انحياز لطرف المواطن الذي من حقه ان يرى نموذجا واثقا في قضاء اهتزت موازين عدالته، وصار عنوانا لغياب السلطة القضائية التي رسمها الدستور بدقة لا مزاجية فيها ولا انحيازات بإملاءات سياسية أو تحت ضغط شعبوي.
ربما كانت محاكمة باسم عوض الله وحضوره باللقطة التي تسربت عنه هو والشريف -شريكه في التهم- وهما يدخلان محكمة أمن الدولة فيها إشارات شعبوية مريحة لقطاع واسع من الناس، وقد تكون في تلك الصور برقيات موجهة للخارج، وربما يكون في تأكيد مصدر رسمي موثوق أن العفو الخاص الذي بيد الملك لن يكون واردا ما سيقطع سيل الشائعات بهزلية المحاكمة ومسرحتها كما يعتقد كثير من المشككين.
لكن..
تلك الصورة المسربة من محكمة علنيتها مفترضة وواجبة بدلا من تغليفها بالغموض والأسرار والفيديوهات المسربة "أمنيا" بجودة منخفضة وتعكس صورة مبنى محكمة مهتريء يكاد يكون انعكاسا مجازيا لصورة دولة المؤسسات التي تحتاج إصلاحا فوريا يبدأ بالدستور وينتهي بدولة عصرية محصنة بالقوانين ولا يهزها ( كما لا يهز عرشها) مراسلات هاتفية أيا كان أطرافها.

