مصر تشهد انخفاضا ملحوظاً في درجات الحرارة ـ صورة تعبيرية (ِAFP)

قبل 8 سنوات تماما، أعلنت حركة تمرّد أنها جمعت 22 مليون توقيع لمواطنين مصريين يطالبون فيها الرئيس محمد مرسي بالاستقالة، وأعقب ذلك خروج ملايين المصريين إلى الشوارع في سلسلة من أكبر المظاهرات حجما في التاريخ ضد حكم الإخوان، بما أكّد أن رقم 22 مليون الذي ذكرته حركة تمرّد لم يكن بعيدا عن الواقع، وتعقيبا على هذه الأحداث قالت وسائل الإعلام وقتها إن سنة واحدة من حكم الإخوان المسلمين كانت كافية لتحقيق ما عجز عنه نصف قرن من حكم عبد الناصر والسادات ومبارك، لأنها كشفت حقيقة أن هذه الجماعة ليس لها برنامج حقيقي قادر على حل مشاكل المصريين وأن شعاراتها مثل الإسلام هو الحل وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء والحياة في الماضي كلام لا معنى له هدفه التلاعب بمشاعر السذّج. 

واستمر الوضع على هذا الحال لعدة سنوات، ولكن خلال الفترة الأخيرة ظهرت عدة مؤشرات على عودة الحيوية والنشاط مرة جديدة لهذا الحزب بالتوازي مع ارتفاع الأصوات التي تنتقد أداء الحكومة المصرية في مجالات عديدة، وانصب أكثر الانتقادات على الإعلام الرسمي حتى أن أستاذا في كلية الإعلام وصفه بطريقة غير دبلوماسية "بإعلام البغال وكائن مسخ وظيفته أن يكون مطيّة لمن يملك المال والحكم"، فتم تحويل هذا الأستاذ إلى النيابة وإيقافه عن العمل، وفي نهاية أبريل الماضي، قال وزير الإعلام المصري، أسامة هيكل، قبل تقديمه لاستقالته إن الشباب لا يشاهدون التلفزيون أو يقرأون الصحف الحكومية، فتم اتهامه من بعض الإعلاميين بالخيانة، وأيد حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة ما قاله الوزير، وقال إن الوضع قد يكون أسوأ حتى من ما ذكره الوزير من حيث تدني نسبة المشاهدة، وطالب الحكومة بالبحث عن أسباب انصراف المشاهدين عن الإعلام المصري، بينما عزا عمرو بدر، الرئيس السابق للجنة الحريات بنقابة الصحفيين، تراجع أعداد المشاهدين إلى نوعية المحتوى المقدّم، وسقف الحريات المنخفض بشكل غير مسبوق. 

وكان من الممكن أن يمرّ تراجع دور الإعلام الرسمي مرور الكرام، لولا أنه ترافق مع ارتفاع في مشاهدة البرامج التي تقدمها المحطات المعارضة للنظام المصري من الخارج، والتي اعتمدت في كسب جمهورها على أسلوب بسيط وسهل، وهو اختيار مقاطع من ما يقدمه الإعلام الحكومي تحتوي على تبجيل لشخص الرئيس ومبالغات لا تدخل في العقل، وإعادة عرضها بهدف السخرية منها، أو استعراض التكرار الحرفي لنفس المفردات والجمل من جميع الإعلاميين تعليقا على حادث معين، بما يوحي بأن ما يقولونه قد أتاهم بشكل جاهز من مصدر واحد يرجّح أنه ذو خلفية أمنية نتيجة أسلوبه البعيد عن الاحتراف والمهنية.

كما تناولت الانتقادات القضاء المصري مع تزايد الشكوك حول استقلاليته نتيجة قيام السلطة التنفيذية بتعيين رؤساء الهيئات القضائية ونقل قضاة وأعضاء نيابة إلى وظائف غير قضائية، بالإضافة إلى العفو عن مدانين بجرائم جنائية في نفس الوقت الذي يتم فيه إصدار أحكام إعدام وسجن مؤبد لعشرات ومئات الأشخاص لأسباب سياسية، مما دفع منظمة العفو الدولية قبل أيام إلى طلب إعادة المحاكمات بشكل عادل ونزيه دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام، كما انتقدت نفس المنظمة تجاوزات عناصر الأمن وظروف الاحتجاز القاسية وغير الإنسانية وحرمان السجناء من الرعاية الصحية الكافية مما أدى لوفاة بعضهم، وتقدم قضية الباحث الإيطالي ريجني مثالا حيا عن هذه الممارسات وما ترتب عليها حتى الآن من مضاعفات. 

وردا على انتقادات دول الغرب والمنظمات الدولية لملف حقوق الإنسان في مصر، وجدت الحكومة المصرية أن أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم على الثقافة والقيم الغربية من الديمقراطية وحرية الفكر والاعتقاد والدين إلى الحق في التعبير والتجمع السلمي والمشاركة في الشؤون العامة حتى الحق في محاكمة عادلة ومنع التعذيب والمعاملة غير الإنسانية. وبهذا الموقف وجدت الحكومة المصرية نفسها في خندق واحد مع جماعة الإخوان المسلمين وتردّد نفس مقولاتها في رفض قيم ومفاهيم الحضارة الحديثة.  

وتظاهر التطابق بين الحكومة المصرية والإخوان في حرب غزة الأخيرة، حين تنافس الطرفان في إصدار بيانات التأييد لحركة حماس مع ترديد شعارات الستينات مثل خطبة الدكتور الأزهري أحمد عمر هاشم التي نقلها الإعلام المصري، والتي قال فيها: "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، ودعا فيها الحكام أن يكونوا صفا واحدا لاستخلاص القدس من قبل شذاذ الأرض"، رغم أن الحكومة المصرية على علاقة سياسية واقتصادية طبيعية مع إسرائيل منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد قبل عدة عقود، بل أن هذه العلاقة قد توطدت مؤخرا في الاستثمارات المشتركة لغاز شرق المتوسط بين مصر وإسرائيل وقبرص واليونان، كما تطورت بشكل خاص عام 2018 عند توقيع اتفاق توريد الغاز الإسرائيلي إلى مصر بقيمة 25 مليار دولار خلال 15 عاما، أي أن خطاب الإعلام المصري الرسمي الذي يوحي بأنه لا يعترف بوجود إسرائيل لا يتماشى مع حقيقة العلاقات المصرية الإسرائيلية، وفي هذه الناحية أيضا تطابق موقف الحكومة المصرية مع موقف الإخوان، الذين يكررون الخطاب الرافض لوجود إسرائيل رغم أنهم أكدوا بمجرد استلامهم السلطة عام 2012 التزامهم باتفاقيات كامب ديفيد. .

ولعل أكثر الانتقادات أهمية التي تم توجيهها إلى الحكومة المصرية، هو ابتعادها عن الشفافية والمكاشفة قبل اتخاذ قراراتها، حيث يستيقظ المصريون ليجدوا مراسيم قد صدرت دون معرفتهم أو استشارتهم رغم أنها تنعكس مباشرة على حياتهم، وكان آخر وأهم المواضيع التي لم تنجح الحكومة المصرية في التعامل معها بشفافية هي قضية سد النهضة، رغم أنها مسألة وجودية تنعكس على حياة جميع المصريين، فحتى اليوم لا يعرف المواطن المصري إلى أين وصلت الأمور وما هي الخيارات المتاحة للتعامل مع هذه القضية، مما تركها أداة للهجوم على الحكومة والمزاودة عليها من قبل الإخوان. 

ومع زيادة القلق الشعبي، اقترح بعض الإعلاميين ترك هذا الموضوع للقيادة لأنها الوحيدة التي تملك كافة المعطيات، في اقتراح غير موفق لأن الطبيعي أن تكون كافة تفاصيل السد وآثاره القريبة والبعيدة في متناول المواطن المصري لأنها قضية إجماع وطني يتفق حولها المصريون بكافة اتجاهاتهم، ولكن هذه القضية كشفت عن عيوب آلية اتخاذ القرار في مصر، ففي الدول الديمقراطية يتم اتخاذ القرارات المصيرية بشكل جمعي من البرلمان الذي يمثل مختلف المناطق والتوجهات السياسية، إلى الإعلام الذي يسلط الضوء على الجوانب المختلفة للقضية موضوع البحث، بحيث يتحمل الجميع مسؤولية القرار الذي يتم اتخاذه، بينما في مصر الدولة ذات "الخصوصية" يكون البرلمان صوري ذو لون واحد يصوت بالإجماع على جميع قرارات الحكومة ويقتصر دور الإعلام على الترحيب بتلك القرارات، وبالتالي يصبح من غير المستغرب السماح لدولة خارجية بالتحكم بنهر النيل. 

وأخيرا، من المسلمات أن ثقافة الكراهية هي أحد الأركان التي تعتمد عليها الأحزاب الإسلامية والتنظيمات المتطرفة، ولذلك فهي ترفض اتفاقيات السلام وتعاون الشعوب لتحقيق الازدهار وتأمين حياة كريمة لأبنائها، وكذلك من المعروف أن فكر الإسلام السياسي يقوم على رفض قيم ومفاهيم المجتمعات الحديثة، ولكن الغريب أن الحكومة المصرية قد وصلت إلى نتيجة أن أفضل طريقة لمواجهة الإسلام السياسي هي عبر تبني أطروحاته هذه كاملة!.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.