الإمام المجاهد عبد القادر الجزائري كان محقاً في مقاومته لإحدى أشنع حالات الاستعمار الاستيطاني في التاريخ
الإمام المنصب تذكاري لعبد القادر الجزائري.

يكاد أن يصبح من المعتاد والمتوقع، في الأوساط الفكرية الحرة، أن يقترن ذكر "الماسونية" بتسفيه روايات المؤامرات التي يروّجها من يربط هذه الحركة بـ"الصهيونية العالمية" وعائلة روتشيلد، ثم بحكومة العالم الخفية، وربما كذلك بالدجال والدابة وملاحم والفتن. ليس هذا هو الغرض هنا. بل، ربما بما يشفي غليل البعض، البداية ها هنا هي بالإقرار بأن "الماسونية" قد خاضت بالفعل "مؤامرة" أو "مؤامرات"، نجحت بها أم فشلت. ومن الصائب، بل من الواجب، النظر في الوقائع المرتبطة بهذه الحوادث.

على أن الخطأ الأول المرتكب بحق "الماسونية" هو افتراض أحاديتها ووحدتها وتواصل نشاطها وانضواء هذا النشاط في تصوّر واحد هادف. ليست هذه المغالطة وليدة العدم، بما أن "الماسونية"، والتي لا خلاف بأن طابع السرّية ملاصق بها، وفق ما تشير إليه وثائقها المسرّبة تصبو إلى "نظام عالمي جديد"، قائم على "الحرية والمساواة والأخوة". أليس منطقياً، حين تكون شهادة المتهم مطابقة لمضمون التهمة، الحكم بثبوت هذه التهمة؟

ثم أليس شعار الجمهورية الفرنسية، منذ الثورة الفرنسية الكبرى، هو نفسه شعار الماسونية؟ وأليست الولايات المتحدة، منذ الثورة التي منحتها الاستقلال من بريطانيا متخمة بالشعارات والرموز الماسونية؟ يكفي النظر إلى العملة الأميركية من فئة الدولار الواحد، والذي يطفح ظهرها بالرسوم والكلمات الماسونية.

الجواب على هذه الأسئلة هو بالنفي. الماسونية ليست على هذه الأهمية، ودورها لم يكن يوماً موحداً أو حاسماً. ثمة تماهي على مستوى حالات الحضور والتأثير الماسوني، ولكنها لا ترتقي إلى وحدة حال وهدف وتخطيط وتنفيذ، إلا لمن يرضى بالاختزال الذي يقتطع الغالب الناقض ويحتفظ بالقليل المؤيد.

ثمة مفارقة غالباً ما يهملها الاختزال. المفترض بالماسونية أن تكون حركة سرية، متحالفة مع غيرها من قوى الشر. غير أنه يمكن لمن يتجوّل في المدن والبلدات الأميركية أن يلحظ الصروح والهياكل الماسونية الضخمة في العديد منها، والكثير من هذه المباني تستوحي العمارة المصرية القديمة، أو اليونانية والرومانية، أو حتى الإسلامية، وبإسهاب. إذ أن إحدى أنشط الجمعيات "الماسونية" في الولايات المتحدة وأبرزها، والتي يختصر اسمها بـ "شراينرز" (نسبة إلى "الحرم المكي الشريف")، تستوعب كافة الرموز والأسماء الإسلامية، في ملابسها الطقسية وصروحها وفروعها، وفي مستشفياتها المعنية بمعالجة الأطفال من ذوي الحاجات الخاصة. بالإضافة إلى حالة لافتة، وهي اعتماد جمعية "نجمة الشرق" الماسونية للنجمة الدرزية، بالتطابق الشكلي الجلي، وبالألوان المشيرة إلى الحدود الخمسة، كشعار رئيسي لها. ففي وسط العاصمة الأميركية مثلاً، هيكل مهيب قد يظن من يمرّ في جواره أنه دليل استقرار "رسائل الحكمة" في العالم الجديد، فيما هو مبنى تابع لـ "نجمة الشرق" الخاصة بالنساء الماسونيات.

وبالإضافة إلى ذلك فأنه من المعتاد، عند مدخل كل بلدة أميركية في طول البلاد وعرضها، إلى جانب المعلمة التي تحمل اسم البلدة، معالم مختلفة الأحجام، كل تفيد عن جمعية "ماسونية" مرتبطة مباشرة بالمحافل الكبيرة أو شقيقة لها.

الماسونية في الولايات المتحدة لا تتحرك بالخفاء. وهي مختلفة تماماً عن التي يتصورها أصحاب توقعات المؤامرة. مساعي الربط بين الماسونية وحكومة العالم الخفية غالباً ما تتجاهل هذا الواقع الأميركي الصادح أو ربما تجهله. ولكنه ذو أهمية كبيرة لتوضيح ماهية الماسونية، ودورها في الأمس واليوم والغد.

أدبيات الماسونية تعود بها إلى معبد سليمان، في تأطير محض خيالي قصصي لأصل وفروع خارج السجل الوقائعي بالكامل. وقائعياً، الماسونية ابتدأت في اسكتلندا عند نهاية القرن السابع عشر، كجمعية من "العلمانيين" (أي غير كهنوتية) موازية للكنيسة، دون زعم انقطاع أو خروج عن الإجماع المستقر حينئذ حول مرجعية الكتاب المقدس، ولكن للحد من التفرّد الكنسي في السلطة المعنوية على المجتمع. ثم انتقلت إلى انكلترا وفرنسا، حيث كانت تتشكل أفكار "الأنوار" كبديل للتأطير الديني لفهم الوجود والواقع والنفس.

اللقاء مع "الأنوار" دفع المحافل الماسونية المتشكلة لأن ترتقي بطموحاتها الإصلاحية من الموضعي الخاص إلى العالمي العام، وهيأ لأن تتأسس في ألمانيا وإيطاليا جمعيات تحاكيها في منهجيتها التنظيمية وإطارها الفكري. في ألمانيا، نشأت جمعية "المتنورين" (الإيلوميناتي)، والتي لا يزال لها في الموروث القصصي المعادي للماسونية اليوم المكان المتعاظم. في إيطاليا، نشطت جمعية "الفحميين" (الكاربوناري) (ربما اسمها الأقل جاذبية نجّاها من تكون في صدر المزاعم المعاصرة). وغيرها.

اللقاء بين طروحات "الأنوار" والتحدي الذي تشكله لكل من الملكية والكهنوت، وبين "الماسونية" في فرنسا، كان لقاء بين الفاعل والوسيلة. أي أن العديد من دعاة الأنوار وجدوا في "الماسونية" صيغة عملية للتنظيم والعمل، في مواجهة القدرات المتحققة الواسعة للدولة والكنيسة. ونشاطهم، الذي أفضى ثورة، ثم ثورات بعد انتكاسات، وصولاً إلى استقرار الجمهورية في فرنسا، لم يكن قط مقتصراً على المحافل الماسونية، ولكنه استفاد من هذه المحافل، ومن سريّتها وانتشارها، لمواجهة الكهنوت تحديداً على مدى القرن التاسع عشر. وخلال هذا القرن، تعمقّت الماسونية الفرنسية بعدائها للكنيسة، فاحتضنت خصوم هذه الأخيرة الفكريين كما التنظيميين.

هل اجتمع في الماسونية من يتمنى دحض الإيمان الكنسي، ويسعى إلى استبداله بعبادات تستعيد الموروث السابق للمسيحية؟ إلى حد ما، لا يمكن الاستخفاف به ولكن لا يجوز المبالغة بتصوير قدراته، متراوحاً بين الجد والهزل. الجد بالحديث عن اختراق الكنيسة والإكثار من الكهنة المتنورين في داخلها، وهو واقع كان يتحقق تلقائياً نتيجة التطور الاجتماعي الفكري بغضّ النظر عن الرغبات الماسونية، والهزل ربما في طرح طقوس استفزازية، من وحي الإيمان المتخيل السابق للمسيحية.

هل السرية والمسعى الثوري يبرران وصف الدور الماسوني بالمؤامرة؟ ربما، ولكن دون افتراض أن هذا الدور يختزل الزخم الثوري، السابق له والمتجاوز له بأشواط.

أما من وجهة النظر المقابلة، وهي الرافضة للثورة وللجمهورية وللعلمانية، فالتصور الأسهل، للاستيعاب والتسويق، كان إنكار الدوافع الذاتية لمسعى إسقاط نظام الملكية المدعوم كنسياً، وتصوير الواقع على أنه "يد خفية" (ماسونية، يهودية، شيطانية، على ما يتوافق مع الظروف التاريخية المختلفة) تتلاعب بمصير المؤمن ووطنه. بل يرتاح الجانب المعادي للماسونية إلى استدعاء بعض نصوص، خطّها أصحاب طموحات فائضة وأقدار متواضعة من النفوذ في واقع الحال، حول اختراق الكنيسة وتفتيتها من الداخل، ليصبح المجمع الفاتيكاني الثاني، المنعقد في ستينات القرن العشرين، ذروة المؤامرة الماسونية للقضاء على المسيحية التقليدية واستبدالها بصيغة مائعة تهدّم الإيمان القويم.

هي حرب ثقافية، لا تزال نارها مستعرّة في فرنسا وسائر الغرب إلى اليوم. وخلافاً للاطمئنان السائد إلى أمس قريب، والذي أصرّ على اعتبار النهوض المتكرر للطرح المحافظ الانطوائي مجرد مخلفات محكومة بالزوال، فإن القدرة التعبوية للطرف الرافض للعالمية (والعلمانية والجمهورية) قد ارتفعت، ولا سيما من خلال إدراج "الاستعمار المضاد" أو "الغزو الإسلامي" كنتيجة مباشرة للتوجهات التقدمية المنفتحة، وصولاً إلى نجاحات موضعية في دول غربية عديدة تبشّر، من وجهة نظر من يحبذها، بقلب موازين القوى جدياً في المراحل المقبلة.

على أن حال الماسونية في الشرق كان مختلفاً عن أوضاعها في بلاد نشأتها الأولى. فالاستعمار، والذي أتاح لأوروبا السيطرة على معظم العالم في القرن التاسع عشر، جاء ملتبساً في تأطيره، فيما يتعدى مصلحة المستعمِر المادية المباشرة، بين الجهود التبشيرية المسيحية و "العبء" الملقى على "الرجل الأبيض" لنشر الحضارة. "عالمية" الماسونية، بل استسقائها الأصول من "الشرق"، جعل منها الصيغة الأكثر لطفاً للتلقي في المجتمع "الشرقي". إذ هي، في الشرق كما في الغرب تسعى إلى استنهاض ما هو غائب للتوّ لدى العموم من قيم بناءة.

أي أن الماسونية، من منظور الشرق في القرن التاسع عشر، كانت الأقرب إلى القيم العالمية الإنسانية المستجدة في التعبير والتي تضع جميع البشر على قدر متكافئ من حيث الحقوق. ليس غريباً بالتالي أن ينضم إليها الإمام المجاهد عبد القادر الجزائري، في إدراك لواقع موازين القوى لغير صالح الشرق، أو الإمام المصلح جمال الدين الأفغاني وصحبه في مسعى إنقاذ الدولة الإسلامية الجامعة، أو أن تتأسس المحافل الماسونية على مدى مصر والمشرق. لا هي في الإطار المشرقي تتعارض مع الأديان، ولا هي وسيلة اختراق غربية للمجتمعات الشرقية. هي أداة وحسب، اعتمدتها النخبة في هذه المجتمعات في محاولة لمخاطبة أفضل للغربي المتغلب، وتنظيم أنجع للشرقي المغلوب.

أما في المستعرات البريطانية في العالم الجديد، والتي كانت تتحرك عند بداياتها في وهج الطروحات الفكرية الصاعدة من فرنسا وإنكلترا، فإن "الماسونية" لم تكن أداة للتصدي للكهنوت، ذلك أنه لم يكن ثمة كهنوت ذو جبروت، بل قساوسة ورجال دين، إنجيليين في معظمهم، من أصحاب التأثير المعنوي الموضعي المتواضع لا السلطة الإلهية القاضية، بحكم عقيدتهم ونتيجة لامركزية انتشار المذاهب على مدى البلاد.

الماسونية الأميركية لم تنشأ في التضاد مع الكنيسة، بل ترعرعت إلى جوارها، كتعبير عن حالة اجتماعية واقتصادية سائرة إلى التحسن. وإذا كانت الكنيسة الواحدة، أو الكنائس المتعددة، هي الظاهرة المرئية اللازمة في كل بلدة، ودونها البلدة ليست بلدة ابتداء، فإن الهيكل الماسوني الواحد، أو الهياكل الماسونية المتعددة، هي دليل الرخاء والازدهار لكل من هذه البلدات. هي النوادي الاجتماعية للخاصة، وخاصة الخاصة، ومنها تكون المبرات والأعمال الخيرية.

هل تعاون الماسونيون الأميركيون لمضاعفة نفوذهم؟ طبعاً وبالتأكيد، شأنهم شأن أية مجموعة أو جمعية أو جماعة، على أن الهوية الماسونية لم تكن الوحيدة بما يفترض تقدّمها بالنسبة لهم، ولا هي داعية موضوعياً إلى فرز يشدّ عصبيتها. هويات أخرى، عرقية، حزبية، مناطقية، طبقية، كانت أكثر قدرة ونجاحاً في الاستقطاب.

هل ناصر الماسونيون الصهيونية؟ في الأمر خلط زمني، إذ أن أوجّ الماسونية في الولايات المتحدة سابق لصعود الصهيونية بل لقدوم اليهود بأعداد كبيرة إلى العالم الجديد. على أن التقدير الكبير للأمة اليهودية في الأدبيات الماسونية كان مستقراً، بفعل اعتمادها على القصص الكتابية، دون أن يكون المصدر الأول للتعاطف المسيحي الأميركي اللاحق مع إسرائيل. هذا التعاطف أسّه وأساسه ومصدره الثابت هو مكانة العهد القديم في الحياة الدينية الأميركية، والتماهي خلال التاريخ الأميركي بين إسرائيل الكتابية وأميركا المعاصرة، وصولاً إلى اعتماد عقيدة الدور المتجدد لليهود.

أية قراءة، ولو مقتضبة، للتجربة الماسونية في أوروبا وأميركا والشرق تبيّن عمق الاختلاف بين الحالات الثلاث. زمن عزّ الماسونية في كل من أماكن التواجد هذه قد ولّى، ونشأت عنها بدائل فاعلة، أفضت بما تبقّى منها إلى ظواهر هي أقرب إلى الثقافة والتقليد منها إلى الفعل.

لم يكن يوماً تأثير الماسونية، أو البنائين الأحرار، في المشرق، حاسماً أو قاطعاً. غير أنه ليس هنالك ما يبرر نبرة العداء المستميت للماسونية إلا وراثة خصومتها مع المؤسسة الدينية الفرنسية. فكما أن العداء لليهود في المحيط العربي قد استورد واستوعب التصوير النمطي لليهود في أوروبا القرن التاسع عشر، فإنه استجلب معه هذا العداء الكنسي الفرنسي للماسونية.

المفارقة في الحالتين هي أن من يزعم العداء للاستعمار يتبنى المنتجات الطاعنة الصادرة من مجتمعاته دون حرج.

الإمام المجاهد عبد القادر الجزائري كان محقاً في مقاومته لإحدى أشنع حالات الاستعمار الاستيطاني في التاريخ، الاستيلاء الفرنسي على الجزائر، وكان مخلصاً لإنسانيته يوم وقف في دمشق الشام، ومعه خيرة أعيانها من المسلمين، ليتصدى لمقتلة المسيحيين فيها، والتي كانت قد أشعلت نارها مصالح سياسية غير عابئة بمصير أي من أهل الشام. وكان صادقاً يوم انضمامه إلى الماسونية في مد اليد إلى الإنسانية جمعاء. طاب ذكره.
 

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.