الرئيس التركي رجب طيب إردوغان
"أراد غازي كذلك مخاطبة المُعسكر الآخر المسمى مجازا بمعسكر العلمانيين"

كتب القيادي بجماعة الإخوان المسلمين في السودان الدكتور غازي صلاح الدين العتباني مقالا مهما تحت عنوان "الخبرة التركية في ابتعاث الفكرة الإسلامية" تناول فيه تجربة حزب العدالة والتنمية التركي في الحكم.

لا تنبع أهمية المقال من المعلومات الواردة فيه ولكنها تكمن في طبيعة التساؤلات التي أثارها الدكتور غازي. وعلى الرغم من أنه لم يُجب إجابات قاطعة تبين موقفه الشخصي من تلك التساؤلات، إلا أن القارئ من خلف السطور سيدرك أن الدكتور غازي قد انتقل إلى مربع مختلف عن ذلك الذي ما زال يقبع فيه أصحاب النظرة التقليدية من تيار الإسلام السياسي ونسخته الإخوانية المعروفة بالإسلام الحركي.

وأصبح الرجل، في ظن كاتب هذه السطور، بعد تجربة حكم الإخوان الفاشلة في السودان أقرب للنموذج التركي الذي لا يتشبث بقضايا الشريعة الجزئية التي طالما شكلت أولوية قصوى أدى تيار الإسلام السياسي مثل قضية تطبيق الحدود بل يستمسك بالمقاصد الكلية للشريعة وفي مقدمتها قضية الحرية الإنسانية.

يبدو أن الدكتور غازي أراد من مقاله هذا توجيه رسائل لفئات ثلاث، أولا: مُخاطبة إخوان السودان الذين تفرقوا شذر مذر بعد تجربة حكم امتدت لثلاثين عاما لم يتمكنوا خلالها من إقامة دولة العدل الرشيدة التي كانوا يتطلعون إليها، بل أن التجربة أفرزت نقيض الغايات المنشودة في ما يلي قضايا الحرية والعدالة خلا الانحرافات الهائلة في القيم الفردية المرتبطة بالطهر والتجرد والزهد وحفظ الحق العام في المال والوظيفة وغير ذلك.

أراد غازي كذلك مخاطبة المُعسكر الآخر المسمى مجازا بمعسكر العلمانيين، قائلا لهم إن هناك مدرسة إسلامية (نموذجها هو حزب العدالة والتنمية التركي) تدعو لأرضية مشتركة للاتفاق وجمع الصف وهي أرضية تلبي مطلوبات هذا المعسكر فيما يخص قضية مدنية الدولة ودستورها وتضمن التداول السلمي للسلطة وإبعاد الجيش عن الممارسة السياسية.

ولا يخلو المقال كذلك من رسالة لحركات الإسلام السياسي في مختلف أنحاء العالم، فحواها أن النموذج الإقصائي الذي أفرزته تجربة حكم الإخوان في السودان نموذج غير صالح للاتباع، وأن من الأجدى لتلك الحركات استلهام التجربة الإسلامية التركية في التعايش بين مختلف التيارات السياسية حتى تتجنب مآسي الانقسامات الحادة والتنافر الذي يؤدي لعدم الإستقرار ومن ثم تدخل الجيش للاستيلاء على السلطة.

بعد قيامه بإعطاء خلفية تاريخية عن الدولة التركية، قال الدكتور غازي: "أحب أن أرى وأتدبر تجربة حزب العدالة والتنمية التركي الذي يصفه الناس بأنه حزب إسلامي بينما ينكر أعضاؤه هذه الصفة -أو إن شئت التهمة- ويقولون إنهم ليسوا سوى محافظين معتدلين".

يضع الدكتور غازي نفسه ضمن الفريق الذي يرى أن حزب العدالة والتنمية حزب إسلامي، ويقول إن "الشواهد التي تؤيد انتماء الحزب لشجرة النسب الإسلامية شواهد قوية للغاية، منها أن قياداته المشهورة على سبيل المثال لا الحصر إردوغان وعبد الله غل وداود أوغلو كل منهم يحمل سيرة ذاتية ممعنة في الإسلامية، وكلهم كان من أعوان الزعيم الإسلامي المشهور نجم الدين أربكان".

من الواضح أن ربط الدكتور غازي لحزب العدالة والتنمية بشجرة النسب الإسلامية يعني على الأقل عدم اتفاقه مع الرأي الذي ينفي هذه الصفة عن الحزب، وهو بذلك يُمهد للقول إن إسلامية الحزب أمر مفروغ منه ولكنها ليست على طريقة إسلامية الأحزاب عندنا. وفي ذلك يقول: "والمفارقة الأغرب هي أن تجربة الإسلاميين هنا، ربما بسبب اختلاف التطور التاريخي وفارق الثقافة، تحمل اختلافاتٍ جوهرية مع التجارب الإسلامية المرجعية السائدة في مناطق أخرى، خاصة العربية منها".

الإشارة أعلاه لدور التاريخ والثقافة في قراءة التجربة الإسلامية إشارة في غاية الجرأة، لكونها تفتح الباب للوعي بدور التاريخ ليس فقط في توضيح الفروقات بين التجارب المختلفة، ولكن في قراءة النصوص الدينية نفسها، وهو الأمر الذي يتصادم مع الأفكار الأساسية لمدرسة الإسلام الحركي التي ينتمي إليها الدكتور غازي، فهي مدرسة ترفع شعار صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان بضبابية لا تكترث للإجابة على سؤال كيفية هذه الصلاحية، وهو السؤال الأهم، لأنه يمس في الصميم قضية الشريعة كما تفهمها تلك المدرسة، ولأنه كذلك محك الاختبار عند الوصول إلى السلطة.

ثم ينتقل الدكتور غازي إلى خلاف آخر بين التجربة التركية وتجارب الإسلام السياسي في المنطقة العربية فيقول: "الإسلاميون الأتراك لا ينكرون فقط الوصف بالإسلامية، بل هم يتعايشون بسلام باد مع مبدأ علمانية الدولة، ويحاولون ترويضها بحيث تتحول إلى علمانية مسالمة كما يقولون". 

صراع الإسلاميين الأتراك ليس مع دعاة العلمانية، لأن العلمانية في فهمهم "لا تعني دولة اللادين، والعلمانية الحديثة لا تتعارض مع الدين، بل يجب عليها أن تتعايش معه"، بل هي تعني "وجود دولة مدنية تقوم على احترام جميع الأديان والشرائح في المجتمع"، كما يقول رجب طيب إردوغان.

الصراع الحقيقي هو بين معسكر الشمولية ومعسكر الحرية. وهذا، في ظني، ما أراد الدكتور غازي أن يلفت إليه أنظار الإخوان ودعاة الدولة المدنية في السودان، فالعبرة ليست في المسمى ولكنها في المحتوى.

هذه الفكرة الجوهرية الحاسمة تحدث بها أيضاً القيادي البارز في حركة النهضة التونسية سيد الفرجاني، حين سئل عن تطبيق الشريعة فأجاب بالقول: "إن هناك نقاشا جاريا حول الشريعة في الشارع التونسي. إن الحركة (النهضة) تريد، بحسب المفهوم الخلدوني، القطع مع نظام الاستبداد، وأن يكون نظامنا نظاما عقليا يؤدي الحقوق ويكون نظاما ديمقراطيا متميزا".

ويمضى سيد الفرجاني في حديثه طارحاً فكرة صادمة للغاية بمعايير أفكار تيار الإسلام الحركي وهي أن "الحريات والمعرفة هي شروطٌ للدين الإسلامي و للعبادة بمعنى أن الحريات قبل الشريعة". "الحريات قبل الشريعة"، ربما كانت هذه هي أيضا الرسالة التي أراد الدكتور غازي إبلاغها لجماعته.

التجربة التركية، يقول الدكتور غازي "لم تحقق إنجازات إسلامية بالمعايير السائدة المشهورة. فتركيا لا تزال دولة علمانية، وهي لا تزال تحتفظ بعضوية حلف الناتو، وتعترف بإسرائيل، وترخص للولايات المتحدة الأميركية بقاعدة "إنجرلك" الجوية. وحزب العدالة والتنمية لا يُنادي بالشريعة ولا يتبنى خطابا إسلاميا إلا في مسألة هي في الأساس متعلقة بحقوق الإنسان، مثل حق ارتداء الحجاب".

المعايير السائدة المشهورة التي يعنيها الدكتور غازي هي مجرد شعارات ظل يتشبث بها تيار الإسلام الحركي وهي شعارات مبهمة مثال "الإسلام هو الحل". 

أما الشريعة التي يعنيها فلا تتعدى إقرار الحدود في القانون الجنائي، إضافة لمظاهر شكلية أخرى مثل الإكثار من تشييد المساجد في مواقع متميزة من المدن وعلى المستوى الفردي أشياء مثل اللحية و زبيبة الصلاة. أما الإجتهادات الأخرى في مجال الاقتصاد على سبيل المثال، ومنها الزكاة وأسلمة صيغ التمويل البنكي، فقد أثبتت التجربة فشلها الذريع في الإتيان بشيء جديد، حيث تحولت الزكاة لضريبة إضافية، بينما غرقت صيغ التمويل في نسبة الفائدة التي استحدثت أساساً من أجل وقفها وتحريمها.

إن بيت القصيد في مقال الدكتور غازي يتمثل في تساؤلاته الآتية: "رغم ذلك يُصر معظم المراقبين على وصف التجربة بأنها التجربة الإسلامية الوحيدة الناجحة حتى الآن. ترى هل أصدر أولئك المراقبون حكمهم بناء على ماضي القيادات الحالية في تركيا وانتمائها للتيار الإسلامي؟ أم أنهم تجاهلوا النظر إلى المقاييس الإسلامية المعيارية في الخطاب الإسلامي وركزوا على ما تحقق من تنمية اقتصادية وعدالة اجتماعية؟ أم لعلهم رأوا في تجربة الإسلاميين الأتراك إسهاما صادقا في خدمة القضية الإسلامية من خلال إنشاء نظام سياسي شوري وفاعل وعادل؟"

واقع الأمر هو أن الإجابة الصحيحة على كل هذه التساؤلات هي: نعم. وهي إجابة تعني الخروج من الإطار المفهومي الضيق الذي ظلت تطرحه مدرسة الإسلام السياسي للشريعة، بتبني إطار أشمل آخر يتوخى العمل بمقاصد الشريعة، ويستهدف تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية والديموقراطية، وهو الإطار الذي حقق فيه حزب التنمية والعدالة إنجازه الذي جعل المراقبين يصرون على وصف تجربته بالإسلامية.
 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.