الأمير حمزة بن الحسين - ولي العهد السابق للأردن
"الأسئلة العالقة كثيرة، وقد يكون أولا وفي مقدمتها ماذا سيقول الأمير حمزة لو سمح له بالشهادة؟ ويتبع هذا الأمر، من هي الدول، أو الجهات الخارجية المتورطة بالمؤامرة؟"

وسط تكتم وسرية شديدة بدأت محكمة أمن الدولة في الأردن النظر فيما سميت "قضية الفتنة" المتورط بها الأمير حمزة، والمتهم الرئيسي بها رئيس الديوان الملكي الأسبق باسم عوض الله، بالإضافة إلى الشريف حسن بن زيد.

ما تسرب بشكل غير رسمي صورة للمتهم عوض الله، بلباس السجن الأزرق، وفيديو قصير وهو يدخل من باب جانبي لمبنى المحكمة برفقة رجال الأمن، في حين لم يسمح لوسائل الإعلام بالحضور، واكتفت بالمراقبة من خارج أسوار المحكمة بعد أن قرر رئيسها، القاضي موفق المساعيد، عقدها بصورة سرية.

الكارهون وخصوم عوض الله احتفوا بصورته في لباس السجن، ولم يخفوا فرحتهم بمحاكمته، وإن تمنى بعضهم أن يلاحَق على مزاعم بقضايا فساد اقتصادي حين كان يشغل مواقع رسمية في الحكومة والدولة، واستذكر آخرون حينما حوكم مدير المخابرات الأسبق، محمد الذهبي -ما زال مسجونا -بعد صراع مع عوض الله حين كان رئيسا للديوان الملكي.

قبيل بدء المحاكمة انتشرت كالنار بالهشيم وثائق نُسب أنها من محاضر التحقيق مع المتهمين عوض الله والشريف حسن، وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع صوتية لاتصالات جمعت الأمير حمزة مع الشريف، وكل ما نشر لم يعرف -إن ثبتت صحته- كيف سرّب ووصل للسوشال ميديا ووسائل الإعلام على الرغم من أن القانون ينص صراحة على سرية محاضر التحقيق؟

المتورط الرئيسي في مؤامرة زعزعة استقرار وأمن الأردن، الأمير حمزة، الأخ غير الشقيق للعاهل الأردني، الملك عبد الله، خارج دائرة الاتهام، وبهذا وفق كلام رئيس ديوان التشريع السابق، نوفان العجارمة "فإن محكمة أمن الدولة لا تستطيع محاكمة شخص غير وارد اسمه في لائحة الاتهام لأنها ملتزمة بمبدأ عينية الدعوى الجزائية"، وبالتالي فإن الأمير غير مشتكى عليه.

حين أعلن عن القضية، في بداية شهر أبريل من هذا العام، خرج الملك ليؤكد أن التعامل مع الأمير حمزة سيتم في إطار العائلة الحاكمة، وهو ما كان كلاما واضحا أنه لن يلاحَق في القضية، وفتح باب الاجتهاد والتفسير لبعض القانونيين للتذكير بقانون العائلة الهاشمية الصادر عام 1937 والذي يسمح باتخاذ إجراءات ضد أي من أفراد العائلة الذين يخرجون عليها ويخالفون قيمها.

مع بدء جلسات المحاكمة كانت الأسئلة تتلاحق وربما أهمها وأبرزها، هل سيحضر الأمير حمزة شاهدا؟ فكل الرواية تتصل به، وهو الغائب الحاضر، ولم يكن مفاجئا وغريبا أن يعلن محامي عوض الله، محمد العفيف، أن المتهمين طلبا من المحكمة مثول الأمير للشهادة.

محكمة أمن الدولة صاحبة الولاية في قرار استدعاء الأمير حمزة للشهادة أو رفضه، ولكن غيابه عن منصة الشهادة يعطي للحقوقيين الذين ينتقدون افتقار محكمة أمن الدولة لمعايير المحاكمة العادلة أوراق قوة إضافية، ويعطي للمشككين بالقضية برمتها، ويعتبرونها خطة لحرق صورة وشعبية الأمير في المجتمع بعد توجيه أصابع الاتهام بضلوعه بمؤامرة لتقويض نظام الحكم.

الاتهامات التي وجهت لعوض الله والشريف حسن وأنكروها في جلسة المحاكمة الأولى تلخصت في التحريض على مناهضة نظام الحكم السياسي، والقيام بأعمال من شأنها تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، وإحداث فتنة، وعقوبة هذه الاتهامات إذا ما ثبت للمحكمة صحتها قد تصل إلى السجن 20 عاما.

في التسريبات، التي اعتمدت على ما وصف بأنها "محاضر للتحقيق"، محادثاتٌ بين الأمير حمزة والشريف حسن، والإشارة بشكل مكثف لاستشارات متواصلة مع عوض الله، وكلام عن أن الأمير غاضب وحاقد على الملك منذ عزله من ولاية العهد، وأنه حاول استغلال حادثة مستشفى السلط لتأليب الرأي العام ضد الدولة، وأن الأمير بواسطة الشريف كان يريد من عوض الله كسب التأييد الخارجي لوصوله للحكم.

هذه التسريبات التي لم يخرج أي مسؤول في المحكمة ليؤكد صحتها أو ينفيها، اعتبرتها الملكة نور، والدة الأمير حمزة، في تغريدة لها "اغتيالاً لشخصية أردنية هاشمية وطنية نبيلة، وحملة تضليل إعلامي"، ووصفها محامي الدفاع العفيف بأنها لا تملك قيمة قانونية، مشيرا إلى أن أوراق القضية تحتوي على محادثات هاتفية، لكن حسب رأيه يجب أن تقرأ بشكل دقيق للتأكد أنها صادرة عن المتهمين، ومشروعية الحصول عليها، وهل مضمونها يشكل جريمة؟

أكثر ما تترقبه وسائل الإعلام أن تتحول جلسات المحكمة إلى مكاشفة سياسية، فهذه هي المرة الأولى التي يحاكَم فيها رئيس ديوان ملكي، وهي المرة الأولى التي يحاكم فيها شريف من الأسرة الهاشمية، والأهم أنها المرة الأولى التي يعتبر فيها أمير كان وليا للعهد متورطاً ضد نظام الحكم.

حتى الآن لا يعرف إلى أين ستقود هذه المحاكمة التاريخية والتي أحدثت شرخا في العائلة الحاكمة في الأردن، ولا يمكن الجزم إن كانت ستكون مسرحا لتوجيه الاتهام لجهات خارجية، جرى الحديث مطولا عنها في وسائل إعلام دولية أنها كانت وراء هذه المخططات ومحفزة لها؟

الأسئلة العالقة كثيرة، وقد يكون أولا وفي مقدمتها ماذا سيقول الأمير حمزة لو سمح له بالشهادة؟ ويتبع هذا الأمر، من هي الدول، أو الجهات الخارجية المتورطة بالمؤامرة؟ وهل ستكشف الشهادات في المحكمة عن دور الرئيس الأميركي السابق ترامب، وصهره كوشنر في القضية، وهل سيثار تصريحا أو تلميحا أي دور لزعماء أو دول خليجية في التحريض، أو إذكاء الفتنة في الأردن؟

قرار رئيس المحكمة باعتبار الجلسات سرية يضمن إلى درجة كبيرة عدم تسرب وقائع الشهادات، خاصة ما يتوقع ان يثير حساسيات في الداخل والخارج، فالقضية من ألفها إلى يائها "حقل ألغام" ليس من السهل النجاة منه، وتبدو لمن يتابعها عصية على الفهم، فالمتورط الأول بالقضية الأمير حمزة خارج المساءلة، والمتهمون الآخرون. الذين قبض عليهم سابقا وأوقفوا، كلهم أفرج عنهم، ولم توجه لهم الاتهامات، وكل قضية المؤامرة على الدولة يحاكم بموجبها شخصان فقط الآن، وكل الأحاديث السابقة عن تورط جهات خارجية لا أثر ملموس له في لائحة الاتهام.

إذا كانت القضية في جوهرها تقوم على فرضية أن الأمير حمزة كان يعمل على تحقيق طموحه الشخصي بالوصول إلى الحكم في الأردن مخالفاً لأحكام الدستور التي رسمت بوضوح آلية تولي العرش، فإن القضية التي تفجرت منذ أشهر، والمحاكمة التي بدأت هذه الأيام قد أنهت أي دور للأمير حمزة في المشهد السياسي، وأسهمت بشكل كبير في قطع صلاته بالشارع، وعملت على تغيير صورته والطعن بها.

المحاكمة ما زالت في بداياتها، والمفاجآت التي قد تحدث خلال جلساتها غير معروفة، ولكن من الصعب أن يفلت عوض الله والشريف حسن من الاتهامات، فعوض الله تلاحقه شعبيا الاتهامات منذ سنوات، رغم أنه لم يُدَن في أي قضية، ووضعه خلف قضبان السجن يلقى هوى، وقبولا، عند مجموعات في الشارع توجه اتهامات الفساد للكثير من مسؤولي الدولة.

القضية في كل أوجهها شائكة، فهي تخضع لرقابة العالم ليرى كيف يتعامل النظام السياسي مع أزمة ما زالت تداعياتها مستمرة، وهي تخضع لمتابعة أميركية لضمان عدالة المحاكمة، فالوزير السابق، عوض الله، يحمل الجنسية الأميركية أيضا، والمحكمة قد تكون فرصة لإماطة اللثام عن أدوار حيكت في الظلام للضغط على الأردن لتمرير "صفقة القرن" التي وئدت برحيل ترامب.

حتى وإن أغلقت القضية وصدرت الأحكام، فإنها مثل الزلزال لا تتوقف هزاته الارتدادية فورا، فالمتورطون في القضية ليسوا أشخاصا عابرين.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.