ملصقات في روما تدعو لإنقاذ المواطنة الإيرانية سكينة محمدي أشتياني التي حكمت محكمة إيرانية عام 2006 بإعدامها رجما (أرشيف)
ملصقات في روما تدعو لإنقاذ المواطنة الإيرانية سكينة محمدي أشتياني التي حكمت محكمة إيرانية عام 2006 بإعدامها رجما (أرشيف)

ذكر ولي العهد السعودي أن المملكة العربية السعودية سوف تعتمد أساساً عل القرآن بمفهوم متطور والأحاديث المتواترة اليقينية عن الرسول عليه السلام، وأنها لن تعتمد كثيراً على أحاديث الآحاد والخبر. 

ولفهم هذا الأمر علينا أن ندرك أن "الأحاديث المتواترة" جاءت من خلال أعداد كثيرة من الرواة نقلاً عن أعداد كثيرة من الرواة أيضاً. أما حديث "الخبر" فهو إن روى الحديث فرد عن فرد كما جاء في معظم كتب الأحاديث التي تم جمعها بعد أكثر من 200 عام من وفاة الرسول. وتأتي أحاديث الآحاد في موقع الوسط فهي قد تنقل (بضم التاء) عن مجاميع ولكن تتم الرواية أحياناً من خلال شخص واحد في سلسلة الرواة عبر العصور المختلفة فيروي "فلان" عن "مجموعة".

ووقع ما قاله محمد بن سلمان كالصاعقة على من يفهمون أسس علم الحديث، واعتبره الكثيرون ثورة فكرية ضرورية بل ورائدة كان يحتاجها الإسلام منذ فترة طويلة.

والحقيقة أن رفض أحاديث الآحاد في السابق كان يراه المتطرفون كفراً أو ردة عن الإسلام. فأحاديث الآحاد هي التي أباحت لهم "الإرهاب" فقالت لهم إن الرسول قال "نصرت بالرعب" و"جعل (بضم الجيم) رزقي تحت ظل رمحي" وهي التي أقرت لهم حكم "الرجم" الهمجي في موضوع الزنا، وهي التي أباحت لهم "زواج الطفلات" قبل الوصول لمرحلة النضج (أسوة بحديث زواج الرسول من عائشة ودخوله عليها وعندها تسع سنين) على عكس ما قاله القرآن "ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله" (سورة البقرة). 

وأحاديث الآحاد هي التي أباحت لهم "الاغتصاب الزوجي" وجعلت الملائكة يلعنون المرأة إن امتنعت عن فراش زوجها ولو لليلة واحدة، وأحاديث الآحاد هي التي قالت إن "المرأة المتعطرة" تكون زانية بسبب تعطرها، وأحاديث الآحاد هي التي لعنت "الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشرة والمستوشرة" أي لعنت من تتكحل (المستوشمة) أو تلبس خصلة شعر لتتجمل (المستوصلة) أو تزيل شعر حواجبها (المتنمصة) أو ترقق جلدها وتجعله ناعماً (الواشرة)، ولعنت أيضاً من تفعل ذلك لها.

وأحاديث الآحاد هي التي أقرت "الحجاب" بناء على حديث ضعيف وهو حديث "الوجه والكفين"، وأحاديث الآحاد هي التي أباحت لهم "قتل المرتد" بناء على حديث " من بدل دينه فاقتلوه" بدلاً من اتباع القرآن في منهج حرية العقيدة (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ). 

وأحاديث الآحاد هي التي سمحت لهم بهدم الكنائس ودور عبادة غير المسلمين، وهي التي أباحت لهم "فرض الصلاة" بالقوة على الناس بناء على حديث "عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال (لم يصلوا) فأحرق عليهم بيوتهم" (لأنهم لم يذهبوا لصلاة الجماعة!).

ولا أدري أين أنتهي هنا، فأنا وكأني أرى ديناً آخر يتعارض وبشدة مع القرآن تم خلقه وتسويقه عبر التاريخ تحت اسم "الإسلام".  

والعجيب في الأمر، أن رفض أحاديث الآحاد كان يراه البعض كفراً كما ذكرنا. وتجلى ذلك في فتوى عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء بتاريخ 19 مايو 2020 وهي برئاسة عبد العزيز بن باز،  وجاء فيها نصاً ما يلي: "الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. وبعد: إذا ثبت حديث الآحاد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان حجة فيما دل عليه اعتقادًا وعملاً لإجماع أهل السنة، ومن أنكر الاحتجاج بأحاديث الآحاد بعد إقامة الحجة عليه فهو كافر، وأرجع في الموضوع إلى كتاب الصواعق لابن القيم أو مختصره للموصلي". و"بالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".

ولكن من ناحية أخرى فمثل هذه الأحاديث كانت سبباً رئيسياً في إلحاد الكثير من الشباب، ووصفها البعض بـ"ظاهرة الإلحاد" في العالم العربي! 

والصراع الآن سيكون بين من يريدون إسلاماً يقبل أحاديث الآحاد فيبيح كل ماسبق من بشاعات وقهر للمرأة وعنف وغلظة وينسبها إلى الإسلام، وبين من يريدون إسلاما يرفض العنف والقهر باسم الدين ويعلي من مبادئ الرحمة والخير والجمال! فيا ترى من سينتصر؟

وللحديث بقية!
 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.