يحيى السنوار قائد حركة حماس في غزة
يحيى السنوار قائد حركة حماس في غزة

الزيارة التي قام بها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية برفقة 12 من قيادات الحركة إلى المغرب في (16 يونيو 2021) وذلك بدعوة من حزب العدالة والتنمية الحاكم (أعقبتها زيارة مماثلة لموريتانيا) هي أبرز محاولة لتعويم حماس عربيا.

ورغم أن محللين مغاربة أشاروا إلى أن الزيارة لا تعكس تغيرا في السياسة المغربية، وأنها تمت لاعتبارات داخلية تمس قيادة حزب العدالة والتنمية الإخواني الذي يعاني من انقسامات في صفوفه، خاصة قبيل الانتخابات، وكذلك لرفع الحرج عن أمينه العام ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني بعد توقيعه على اتفاق التطبيع مع إسرائيل، إلا أن هذا لا يغير من حقيقة أن الزيارة قد رفعت من معنويات الحركة التي كانت حتى وقت قريب تعاني من تدهور واضح في علاقتها مع العديد من العواصم العربية، في مقابل انتعاش كبير في العلاقات مع إيران.

وكانت الضربة الأقسى قد جاءت من السعودية، التي قررت في عام 2019 تصفية وجود حركة حماس على أراضيها، حيث اعتقلت في أبريل من العام ذاته محمد الخضري وعددا من المقربين منه، بتهمة الانتماء إلى منظمة غير مشروعة وجمع أموال بطريقة تخالف القانون. ثم عادت واعتقلت قسما آخر في فبراير 2020، بنفس التهم. وقد بلغ مجموع المعتقلين أكثر من 60 شخصا.

وباستثناء قطر وتركيا وإيران لم تستقبل أي من دول المنطقة مسؤولين في حماس خلال الأعوام الأخيرة. بل أن الحملة العربية التي طالت جماعة الإخوان المسلمين، بما في ذلك تصنيفها منظمة إرهابية، قد اتسعت لتشمل حماس باعتبارها أحد فروع جماعة الإخوان. 

لذلك كانت حماس بحاجة إلى اجتراح معجزة تمكنها من كسر الحصار العربي الخانق الذي كان يواجهها.
وقد جاءتها تلك الفرصة المواتية. فالضعف الواضح الذي ظهرت عليه السلطة الفلسطينية في تعاطيها مع اتفاقيات التطبيع التي قامت بها الدول العربية مع إسرائيل، والحساسيات بين القيادة الفلسطينية وبعض هذه الدول الناجمة عن ذلك، قد أغرى حركة حماس بركوب موجة المصالحة الفلسطينية.  

ثم جاء قرار رئيس السلطة الفلسطينية بإلغاء الانتخابات - والتي يعتقد أن حماس كانت ستحقق فيها مكاسب كبيرة - وما نجم عن ذلك من استياء واسع في صفوف الفلسطينيين، الأمر الذي جعلها تغامر بأخذ زمام المبادرة وتفجير الصراع العسكري الأخير مع إسرائيل، تحت عنوان الدفاع عن القدس!
 التصعيد في غزة، والذي تسببت فيه حماس بالدرجة الأولى، لم يكن عفويا، بل كان مخططا له بشكل جيد، على الأقل من ناحية التوقيت.  

ويكشف الظهور الإعلامي المتكرر لقادة حماس العسكريين والسياسيين وكذلك التصريحات المتسارعة بأن هناك ثمارا تتوقع الحركة أن تجنيها من هذا التصعيد سواء على المستوى الفلسطيني أو العربي.  
من تلك الثمار تقديم نفسها على أنها الطرف الأقوى فلسطينيا في المواجهة مع إسرائيل وذلك على حساب السلطة الفلسطينية وحركة فتح وبالتالي على الدول العربية والإسلامية أن تتعامل معها على هذا الأساس.
ومنها أيضا السعي لتكرار نموذج حزب الله في لبنان، بما في ذلك الشهرة والتأييد الذين نالهما عربيا وإسلاميا بسبب نجاحه في إجبار إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان. وتعكس التصريحات الأخيرة لقادة حماس في قطاع غزة والمتحدية بصورة واضحة لإسرائيل، سواء تعلق الأمر بما يجري في القدس أو غيرها، بأنها قد كيّفت نفسها ضمن هذا المسعى.

لكن حماس ليست حزب الله وقطاع غزة ليس جنوب لبنان. والحركة التي تحكم سيطرتها بالقوة على القطاع منذ عام 2007، تواجه تحديا من نوع خاص يتمثل في الوضع الجغرافي الصعب الذي توجد فيه.
وفي الآونة الأخيرة يبدو أن إسرائيل التي سمحت في السابق بإيصال الأموال والمساعدات إلى غزة من دون رقابة ومن دون ضمانات بعدم وصولها إلى أيدي مسلحي حماس، قد تنبهت إلى هذا الخطأ الجسيم، ولذلك سارعت إلى تغيير قواعد اللعبة.
وهذا التغيير بات يعني أن أية أموال تدخل للقطاع سوف تتم عبر الأمم المتحدة، بما في ذلك المنحة القطرية الشهرية وقدرها 30 مليون دولار. كما سيتم التدقيق من جانب المصريين والإسرائيليين على دخول المواد التي يمكن أن تستخدم في بناء الأنفاق وصناعة الصواريخ.

أيضا حقيقة كون حركة حماس مصنفة على قوائم الإرهاب في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكذلك عدد من الدول العربية، يجعلها خارج أية إمكانية للتأهيل، أيا كانت الظروف الناشئة، ما لم تزل حماس نفسها الأسباب التي جعلتها تتسيّد تلك القوائم سواء ما يخص جناحها العسكري أو السياسي، والحقيقة أنه لا فرق بينهما. 

لكن استراتيجية حماس تبدو واضحة هنا. المزيد من التصعيد العسكري مع إسرائيل يعني المزيد من التجييش في الداخل الفلسطيني والمزيد من الأموال العربية والإسلامية والمزيد من تعويم الحركة إقليميا.
على المدى المنظور قد تبدو مثل هذه الاستراتيجية مغرية، لكنها مع الوقت قد تتحول إلى كابوس مزعج. ومخاطرها تبدو واضحة تماما على الفلسطينيين وقضيتهم، فهي ستزيد من حالة الانقسام الداخلي ومن الممكن أن تفجر الوضع الفلسطيني نفسه، كما حدث من قبل في قطاع غزة.  

وبدلا من جذب حماس إلى طريق السلطة الفلسطينية وخط المفاوضات السلمية، فإنها سوف تجذب حركة فتح نفسها إلى خط حماس المتمثل في العسكرة واستخدام العنف وعودة الفلسطينيين من جديد إلى المربع الأول.
 لذلك فإن تعويم جماعة إرهابية مثل حركة حماس من جانب بعض الدول العربية، وإن كان يشكل حسب هذه الدول انحناءة بسيطة أمام عاصفة العواطف الجياشة، فإنه في نهاية المطاف خطوة تفتقد كلية إلى الحكمة والمنطق السليم.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.