معدل الطالب في الباكالوريا يلعب دورا في تحديد الاختصاص الجامعي.
معدل الطالب في الباكالوريا يلعب دورا في تحديد الاختصاص الجامعي.

في الأيام الأخيرة، نتابع في المغرب احتفاء الإعلام واحتفاء أصدقائنا بالتلاميذ الذين حصلوا على أعلى نقاط في امتحانات الباكالوريا... معدلات مرتفعة تتجاوز 19\20 في معظمها. وللإشارة، فقد حصلت الفتيات على تسعة من بين عشر أعلى معدلات في امتحانات الباكالوريا في المغرب. 

إلى جانب ذلك، احتفى بعض أصدقائنا بحصول أبنائهم وبناتهم على شهادة الباكالوريا بمعدلات عالية.  كل هذا جميل جدا ويستحق الاحتفاء والتهنئة. 

لكن، ماذا عن كل أولئك، وهم أغلبية، الذين حصلوا على شهادة الباكالوريا بمعدلات متوسطة؟ ماذا عن مئات التلاميذ والتلميذات الذين بذلوا مجهودا حقيقيا، لكنهم لم يوفقوا في الحصول على هذه الشهادة؟ 

من حق المتفوقين أن نحتفي بهم طبعا.. لكن، ألسنا نساهم في ممارسة ضغط رهيب على عاتق الصغار، بكل هذه "التنافسية" حول أعلى النقاط؟ 

لنتأمل مساراتنا اليوم.. هل الحصول على أعلى النقاط في الباكالوريا، هو الذي يضمن في النهاية النجاح المهني والنجاح في الحياة بشكل عام؟

ألا نعرف حولنا المئات من الأشخاص، ممن حصلوا على معدلات متوسطة في الباكالوريا، ثم درسوا في تخصصات جامعية أو مهنية مختلفة، وبدؤوا مسيرتهم المهنية بشكل متوسط لكنهم استمروا في المثابرة والاجتهاد طوال مسارهم، ونجحوا في حياتهم المهنية؟ 

هي بالتأكيد ليست دعوة للتهاون.. من المؤكد أن المثابرة والاجتهاد هي من أساسيات النجاح في الحياة بشكل عام. لكن النجاح في الحياة بشكل عام وفي الحياة المهنية بشكل خاص ليس رهينا بالحصول على معدلات عالية في امتحانات الباكالوريا. كما أن الحصول على معدل متوسط في هذه الامتحانات أو حتى الرسوب فيها والاضطرار لإعادة الدراسة والامتحان في السنة الموالية ليس دليلا على الفشل في الحياة.

الباكالوريا امتحان من الامتحانات.. هو ليس كل الحياة.

ولعل الآباء والأمهات والنظام التعليمي بأسره يحتاجون لإعادة النظر في هذه المنظومة ككل وللتخفيف من الضغط الذي نمارسه على شباب في مقتبل العمر. شباب  نرسخ في ذهنه، ضمنيا، أن كل حياته تتوقف على سنة واحدة من عمره. على امتحان واحد..

ألسنا نزرع في داخله الإحساس بالفشل وبعدم الثقة في النفس، لمجرد أنه لم يحصل على شهادة الباكالوريا أو حصل عليها بمعدل متوسط (بينما امتحانات أخرى كثيرة تنتظره في مساره)؟ 

هذا لا يعني طبعا تشجيع الصغار على الكسل والتراخي أو على الغش بهدف النجاح والحصول على معدلات مرضية. 

من المهم أن نعلم الصغار والشباب قيمة الاجتهاد والجد، وأن نعلمهم أن الغش ليس حلا ولا مفتاحا للنجاح... لكن، من الأساسي أيضا أن نعلمهم أن معدل النجاح في الباكالوريا ليس مفتاحا سحريا للنجاح في الحياة بشكل عام وفي الحياة المهنية تحديدا. هو يضمن بالتأكيد دخول أرقى الجامعات.. لكن، هل نجاحنا في الحياة المهنية يتوقف حصريا على دراستنا في أرقى الجامعات؟ 

من المهم للكبار أيضا أن يدركوا أن مؤهلات الأفراد مختلفة. ابنك ليس بالضرورة نابغة وابنتك ليست بالضرورة عبقرية. لكن هذا لا يمنع أي منهما من أن يكون شخصا جيدا وأن يوفق في دراسته وفي مساره المهني وفي اختياراته، حتى دون الحصول على معدلات مرتفعة في الباكالوريا. في نفس الوقت، فابنك وابنتك لا يشكلان "فرصتك الثانية" في الحياة لتحقيق ما لم تستطع تحقيقه في مسارك.    

نحتاج جميعنا ربما لمراجعة معايير النجاح في الحياة.. لأن الحصول على معدلات مرتفعة في شهادة الباكالوريا لم ولن يكون ضمانا للنجاح في الحياة بشكل عام ولا حتى في الحياة المهنية نفسها.  كما أن النجاح والتألق المهني لم يكن أبدا إنجازا حصريا للمتفوقين في الباكالويا!

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.