ثمّة دولة واحدة لم تيأس من لبنان، وتستعمل في توصيف اللبنانيين كلمات ممعنة في الإيجابية، إنّها إيران
ثمّة دولة واحدة لم تيأس من لبنان، وتستعمل في توصيف اللبنانيين كلمات ممعنة في الإيجابية، إنّها إيران

ثمة قناعة يرسّخها الأداء السياسي، بأنّ الكارثة التي تعصف بلبنان، ليست سوى "رأس جبل الجليد"، وتالياً، فإنّ الآتي أعظم.

وهذه قناعة تتخطّى تشاؤم بعض اللبنانيين، لتترسّخ في دوائر القرار الدولي التي بدأت، رويداً رويداً، تُهمل الملف اللبناني كليّاً أو جزئياً، لتحصر اهتمامها بالزوايا التي تهم مصالحها المباشرة أو غير المباشرة، كترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، وكالتحكّم بموجات هجرة اللبنانيين واللاجئين، بالنسبة للاتحاد الأوروبي.

ولأنّ لا مكان للصدف، في المسائل السياسية، فإنّ أوضح رسالة تلقاها اللبنانيون، بهذا المعنى "الإهمالي"، كانت في توقف، متزامن، لمروحة واسعة من الدول عن تمويل "المحكمة الخاصة بلبنان" التي كانت، حتى أشهر خلت، محور مديح دولي، على اعتبار أنّها واحدة من أهم وسائل التصدّي لمحاولات إخضاع اللبنانيين بواسطة الإرهاب.

ويبدو واضحاً أنّ "أصدقاء لبنان" قد قرّروا ترك اللبنانيين لمصيرهم، وترجموا ذلك بتوجّه سيفضي الى إقفال هذه المحكمة في آخر يوليو المقبل.

ولا يمكن إخراج هذا التوجّه من سياق نهج كامل حيال التعاطي الدولي مع لبنان على أساس أنّه "ميؤوس منه".

ويعيد الجميع سبب اليأس من لبنان إلى طبقته السياسية التي تتعّدد صفاتها بتعدّد المرجعيات التي تذمّها، فهي "فاسدة"، "أنانية"، "مسترهنة"، "ضعيفة"، "تافهة"، "خائنة" و...الحبل على الجرّار.

ثمّة دولة واحدة لم تيأس من لبنان، وتستعمل في توصيف اللبنانيين كلمات ممعنة في الإيجابية، إنّها إيران التي تجد في "حزب الله" النموذج والقدوة، وبه تختصر كلّ بلاد الأرز.

إنّ المقارنة بين ما يقوله المجتمع الدولي عن الطبقة السياسية اللبنانية، من جهة وبين ما تقوله إيران عن "حزب الله" من جهة أخرى، تمكن أن "تشي" بما ينتظر لبنان، في المستقبل.

ومن شأن هذه المقارنة، أيضاً أن تُبيّن ما يمكن أن يُعاني منه لبنان، في المديين القريب والمتوسّط، إذ إنّ آمال "محور الممانعة" المستقبلية، سوف تدفعها الى ممارسة كل ما تملكه من نفوذ لإبقاء لبنان، أطول فترة ممكنة، في الهوّة الجحيمية، بمساعدة كبيرة من "عفاريت" الطبقة السياسية اللبنانية.

وهذا أساس صالح لقراءة الأزمة السياسية التي تعمّق الكارثة المالية-الاقتصادية الاجتماعية التي تعصف بلبنان.

الملف الحكومي

لم يعد سرّاً أنّ "حزب الله" يغذّي أزمة تشكيل الحكومة، من خلال تحكّمه بتوازن القوة بين طرفين أساسيين في هذه العملية الدستورية: رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري.

إنّ التدقيق في نهج "حزب الله" يظهر أنّه كلّما مال ميزان القوة لمصلحة عون يدعم الحريري، وكلّما مال لمصلحة الحريري يدعم عون.

وهذه الرعاية لتوازن القوة يعطّل تشكيل الحكومة، لأنّ أهداف عون، حليف "حزب الله"، مختلفة عن أهداف الحريري، حليف "حركة أمل"، لا بل أنّ كل طرف يربط مستقبله بإضعاف الطرف الآخر وتفشيله.

وإذا استندنا إلى تقنيات العلم الجنائي، فإنّ مراجعة بسيطة لأسلوب عمل "حزب الله" تظهر أن هذا الحزب لا يريد تشكيل حكومة في لبنان، لأنّه، في فترات سابقة، كان يشغّل محركات الحسم، في هذا الاتجاه أو ذاك، كلّما وجد له مصلحة في تشكيل حكومة.

تيئيس المجتمع الدولي

لقد أسفرت رعاية "حزب الله" لتوازن القوة هذه، ليس إلى منع تشكيل حكومة في لبنان، فحسب بل تيئيس المجتمع الدولي من لبنان، أيضاً.

ولعلّ هذا التيئيس هو "بيت القصيد"، فحزب الله يريد إبعاد الأصدقاء عن لبنان، ليبعد لبنان عن النموذج الذي كان عليه سابقاً.

ولم يسبق في تاريخ لبنان الحديث أن ذمّ طرف بالنموذج اللبناني كما ذمّ "حزب الله".

وكان هذا الحزب قد كشف رفضه للنظام اللبناني، وفق النموذج الذي كان قائماً حتى حصول الانهيار، ولم يتردّد، يوماً، ولو تعدّدت أساليب التعبير، في الإعراب عن رغبته في تغيير الأسس التي يقوم عليها لبنان.

ويتذكّر اللبنانيون، بفضل مواقع التواصل الاجتماعي، ما قاله رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة"(نواب "حزب الله") محمّد رعد، في كلمة له تعود إلى 12 نوفمبر 2013، إذ أعلن، على الملأ، وحرفياً، أنّ "الوجه الطبيعي للبنان هو الوجه المقاوم. كان لبنان مكان عقد صفقات وكان ساحة للملاهي الليلية وللسمسرات، لكنّنا الآن نريد أن نخلق لبنان الجديد الذي ينسجم مع وجود مقاومة".

إنّ الوصول الى لبنان الذي يطمح إليه "حزب الله" يقتضي أن يهرّب أصدقاءه التقليديين الذين يرغبون ومعهم غالبية الشعب اللبناني بإبقاء النموذج اللبناني حيّاً، ولو مع بعض التعديلات على آليات نظامه الدستوري.

وهذا المشار "التهشيلي" جرى اعتماده، بداية مع دول الخليج العربي عموماً ومع المملكة العربية السعودية خصوصاً، بعدما حوّل "حزب الله" لبنان إلى منصة للعدوان عليها، ومن ثمّ حصل مع الأوروبيين عموماً والفرنسيين خصوصاً الذين وجدوا أنّ لبنان لا يملك الأدوات اللازمة التي تسمح لهم بمساعدته على النهوض من الكارثة التي وقع فيها. لقد جعلتهم "الواقعية" يُسلّمون ل"حزب الله" بما يريد، حتى يتمكّنوا، من خلاله، لاحقاً، في حماية مصالحهم، بدءاً باليونيفيل في الجنوب وصولاً الى النازحين في كل لبنان.

تسييد إيران

وعليه، لم يبق أمام لبنان سوى إيران التي يرتبط "حزب الله" بها ارتباطاً مالياً وسلاحياً وعقائدياً وولائياً، وتالياً لا بأس إن عانى اللبنانيون ممّا يعاني منه الإيرانيون، على قاعدة أنّ "شريك الغرم اليوم هو شريك الغنم غداً".

وعلى مستوى المشاركة في الغُرم، لقد نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية تحقيقاً من داخل إيران يتمحور حول أزمة الدواء فيها، فبيّنت أنّ المرضى الإيرانيين ينتظرون لساعات، أمام عدد محدّد من الصيدليات، في محاولة منهم للحصول على الأدوية التي يحتاجونها لأمراضهم المزمنة، في وقت تنتعش السوق السوداء التي تبيع الدواء "المقطوع" بأسعار مرتفعة للغاية يصل بعضها الى أكثر من الحد الأدنى للأجور المحدّد، بسعر الدولار الأميركي في السوق السوداء، بنحو أربع وخمسين دولار، في الشهر.

إنّ اللبنانيين لم يصلوا بعد الى هذا المستوى، ولكنّهم على الدرب يسيرون، وبسرعة فائقة.

ويعد "حزب الله" اللبنانيين بحل إيراني للمشاكل التي يعانون منها، ومن لا يصدّق يحيله على التصريحات الدولية التي تؤكد أنّ الاتفاق النووي وما سوف ينتج عنه من "بحبوحة" بعد رفع العقوبات المرتبطة به، "آت بمجد عظيم".

وهذا وهم سبق أن اختبره الإيرانيون، بعد الاتفاق النووي بالصيغة التي مزّقها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.

وفي مطلق الأحوال، فإنّ الهندسات التي يطبقها "حزب الله" على لبنان، من شأنها أن تحوّله، في المستقبل، الى مجرّد "محافظة" إيرانية، أو، بأدبيات الأمين العام ل"حزب الله" حسن نصرالله إلى" جزء من "الجمهورية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق، الولي الفقيه الإمام علي خامنئي".

ولكن، في السياسة لا حتميات. كل الخطط، مهما كانت محكمة ومهما كانت قوة الجهات التي تقف خلفها، تتغيّر، بمواجهتها.

المشكلة في لبنان، حتى تاريخه، أنّ قوى المواجهة إمّا جرى "تطويعها" بسياسة "العصا والجزرة"، وإما جرى "عزلها".

المجتمع الدولي ليس سعيداً بالمصير الذي ينتظر لبنان، ولكنّه، بعد كل المحاولات التي بذلها، لم يجد في لبنان قوى تملك القدرة على الإستفادة من هذه المحاولات، وملاقاة المساعي الدولية في منتصف الطريق.

وهكذا، تكون "أيرنة" لبنان قد كسبت جولة جديدة، في عملية ممنهجة تجري على حساب الشعب ورفاهيته واستقراره.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.