حلف الناتو يضم 30 دولة في عضويته
كشفت الأزمة الأوكرانية حجم التراكمات الروسية من عدم الالتزام الغربي بالتفاهمات غير الموثقة التي جرت ما بين دول الناتو وموسكو بعد نهاية الحرب الباردة

إصرار لندن على شرعية استخدام المدمرة البريطانية (HMS Defender) للممر المائي الدولي بمحاذاة المياه الإقليمية لشبه جزيرة القرم، رسالة واضحة لموسكو بعدم شرعية ضمها لشبه الجزيرة سنة 2014، فبالنسبة إلى لندن تصرف البحرية البريطانية لم يخالف قوانين الملاحة الدولية، وهذا ما تبناه رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، الذي أكد "نحن لا نعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، لذا نعتبر أن سفينتنا كانت في المياه الأوكرانية".

 تمسك لندن بأن الحادثه جرت في المياه الإقليمية الأوكرانية إستفز موسكو سياسيا أكثر من إستفزازها عسكريا، إذ مس هذا التصرف العسكري والموقف السياسي للسيادة الروسية على ما تعتبره أراضيها، واعتبرته تحد بريطاني مباشر لقرارها بضم القرم.

 لم تترد موسكو بعد هذا الاستفزاز بالحديث مجددا عن صراع عسكري في البحر الأسود تقف خلفه لندن وواشنطن، فقد إتهم نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، الجمعة الفائت، الدول الغربية بالسعي إلى إثارة صراع في البحر الأسود، وقال "إن بلاده ستدافع عن حدودها بكل الوسائل الممكنة بما في ذلك الوسائل العسكرية".

كشفت الأزمة الأوكرانية حجم التراكمات الروسية من عدم الالتزام الغربي بالتفاهمات غير الموثقة التي جرت ما بين دول الناتو وموسكو بعد نهاية الحرب الباردة، وكانت قضية ضم القرم نقطة تحول دراماتيكية في العلاقة ما بين الجانبين، قضية فرضت على موسكو هجوما تكتيكيا للدفاع استراتيجيا، ردا على وصول طوق الناتو إلى حدودها الأوكرانية، وهو بالنسبة للكرملين بمثابة إزالة لكل القيود التي حاولت موسكو وضعها لعرقلة توسع الناتو شرقا.

في خطابه حول قرار ضم القرم أمام مجلس الدوما الروسي في 18 أبريل 2014، تذرع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن الخطوة جاءت بسبب عدم التزام الدول الغربية بعدم توسع الناتو خلف حدود ألمانيا الموحدة، فقد عملت الدعاية الروسية على الترويج لفكرة أن الفعل الروسي هو رد على إهانات متكررة من قبل الناتو وعدم وفاء بالوعود من الأوروبيين، بالرغم من أنه لا يوجد أي التزام قانوني موقع من قبل الغرب لا للسوفيات في آخر أيامهم، ولا للروس من بعدهم بعدم توسع الناتو وراء حدود ألمانيا الموحدة، وهذا ما أشار إليه وزير خارجية الإتحاد السوفياتي، إدوارد شيفرنادزه، بعد مفاوضات (4+2) وتوحيد ألمانيا، الذي قال "كانت فكرة حل كل من الإتحاد السوفييتي وحلف وارسو واستيعاب حلف الناتو لأعضاء حلف وارسو السابقين تتخطى حدود خيال زعماء تلك الحقبة."

تتعامل موسكو بحذر شديد مع فكرة توسع الناتو في الفضاء الأوروبي، الذي سيعطي مزيدا من التوسع القاري للحلف وحتى للاتحاد الأوروبي ويجعلهما أقرب للحدود الروسية، التي ستعتبر هذا التوسع المحتمل مشروعا لا نهاية له يهدف إلى تطويقها، وبمثابة عملية هجومية تنطلق من نقاط مختلفة لا حدود لنهايتها.

لذلك تعاملت النخب الروسية مع حادثة المدمرة ليس فقط أنه مجرد استفزاز عسكري بقدر ما هو تحرك إستراتيجي يهدف إلى خلق جو من التوتر بين موسكو وبعض عواصم القرار الأوروبي، التي كانت تستعد لفتح حوار معها في أعقاب قمة جنيف بين الرئيسين بوتين وبايدن، وهذا ليس بعيدا عن  الإنجلوفوبيا في روسيا، الذي يرى في بريطانيا خصما شرسا يدفع دائما نحو افتعال الأزمات مع موسكو بهدف عزلها عن أوروبا.

فعليا أزمة المدمرة البريطانية تزامنت مع تراشق أوروبي – روسي دفع الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي إلى رفض عقد قمة بينهم وبين روسيا في بروكسل، وقال الرئيس الفرنسي، إمانويل ماكرون، إن الإتحاد الأوروبي يرى أن عقد إجتماع مع بوتين ليس أولوية قصوى الآن، وهذا ما دفع الخارجية الروسية إلى الرد بعنف على المجتمعين في بروكسل والقول إن الاتحاد الأوروبي بات رهينة لأقلية عدوانية.

وبالفعل فإن روسيا قادرة على خلق مساحة للحوار بينها وبين فرنسا وألمانيا، إلا أنها تعاني من مواقف متشددة لدول الاتحاد، التي كانت سابقا ضمن الكتلة الشرقية، وهي لا تزال تعاني من مخلفات الحرب الباردة وانقسام أوروبا إلى معسكرين، جعل هذه الدول أسيرة تجربتها السوفياتية، التي حتى الآن تواجه رفضا روسيا لمراعاة خصوصيتها، والتعامل معها كدول مستقلة تبحث عن مصالحها غربا وليس شرقا، والمفارقة فإن أزمة السيادة التي تسبب بها السوفيات سابقا والروس لاحقا لدول أوروبا الوسطى والشرقية، باتت باتت تواجهها موسكو في القرم.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.