ارتفعت نسبة الفلسطينيين الذين يعتقدون بأن السلطة باتت عبئاً عليهم
ارتفعت نسبة الفلسطينيين الذين يعتقدون بأن السلطة باتت عبئاً عليهم

تُعطي إدارة بايدن مكانة "محورية" للسلطة الوطنية الفلسطينية ودورها الخاص، إن لجهة تثبيت التهدئة وتمرير المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة، أو لجهة البحث مستقبلاً في تجسيد "رؤية بايدن" حول حل الدولتين ...

في هذا السياق، ثمة فيض من المواقف والتصريحات التي تظهر المدى الذي تعوّل فيه واشنطن (وجناح داخل حكومة بينيت)، على إمكانية دعم السلطة وتمكينها، لتسيير مهمة واشنطن، ومواجهة النفوذ المتنامي لحركة حماس، والذي بلغ ذروة غير مسبوقة، بعد المواجهة الفلسطينية – الإسرائيلية الأخيرة.

لكن الحاجة تشتد للبحث في قدرة السلطة على استعادة دورها وترميم شعبيتها ونفوذها، وإمكانية توليها هذه الملفات الثقيلة، في ظل استمرار الانقسام، وتآكل نفوذها في عموم الأراضي الفلسطينية، بما فيها قطاع غزة، الذي ينظر إليه بوصفه "بوابة واشنطن" لمقاربة الفلسطيني، آنياً وفي المدى القريب.

ولقد أظهر أول وأهم استطلاع للرأي العام أجري بعد "انتفاضة القدس وسيفها"، أن أكثر من ثلاثة أرباع الفلسطينيين (77 بالمئة) يعتقدون بأن حماس انتصرت في المواجهة الأخيرة، وهي ذاتها النسبة التي قالت بأن أداء حماس في المواجهة الأخيرة، كان ممتازاً، مقابل 13 بالمئة قالوا كذلك عن أداء فتح، و11 بالمئة للسلطة، وفقط 8 بالمئة وصفوا أداء الرئيس بالممتاز.

ولهذا السبب بالذات، ارتفعت نسبة الفلسطينيين الذين يعتقدون بأن السلطة باتت عبئاً عليهم إلى 56 بالمئة، ونسبة مقاربة (53 بالمئة) رأت أن حماس هي الأجدر بتمثيل الشعب الفلسطيني، مقابل 14 بالمئة فقط لحركة فتح برئاسة عباس.

وحتى بعد أن كثفت السلطة وأطراف عربية حملتها لـ "شيطنة" حماس ودوافعها للدخول على خط انتفاضة القدس من بوابة "الصواريخ"، لم تنجح الحملة في تحقيق مراميها، ذلك أن 72 بالمئة من الفلسطينيين رأوا أن حماس انتصرت للقدس والأقصى، مقابل 9 بالمئة فقط، قالوا إنها عبرت عن رفضها تأجيل الانتخابات ومحاولة منها لإضعاف السلطة، فيما 17 بالمئة منهم، قالوا بالسببين معاً.

ليس هذا فحسب، فالاستطلاع أظهر، أن أية انتخابات رئاسية حرة ونزيهة تجري اليوم في فلسطين، لو جرت الانتخابات الرئاسية اليوم، فإن عباس سيحظى بتأييد 27 بالمئة فقط من الفلسطينيين نزولاً من 47 بالمئة قبل 3 أشهر، مقابل 59 بالمئة أعطوا إسماعيل هنية (46 بالمئة قبل ثلاثة أشهر)...

واللافت أن شعبية حماس في غزة تعاظمت مقابل تراجع شعبية فتح والسلطة والرئاسة، بخلاف ما كان يُعتقد، حيث بلغت نسبة التأييد لعباس في غزة اليوم 30 بالمائة (44 بالمئة قبل ثلاثة أشهر)، ولهنية اليوم 60 بالمئة مقارنة مع 56 بالمئة قبل ثلاثة أشهر...المؤشرات ذاتها، تحدث في الضفة: عباس 25 بالمئة هبوطاً من 52 بالمئة، وهنية 59 بالمئة صعوداً من 38 بالمئة.

القائد الأسير مروان البرغوثي، ما زال "فرس الرهان" لاستنقاذ فتح واستعادة شعبيتها، فهو وحده القادر اليوم على "هزيمة" هنية في انتخابات حرة ونزيهة (51 بالمئة مقابل 42 بالمئة)، وهو الأول في قائمة المرشحين المفضلين وبمسافة بعيدة عن بقية قادة فتح والسلطة...هذه حقيقة يتعين على إدارة بايدن أن تأخذها بنظر الاعتبار، إن هي قررت تعزيز مكانة السلطة، لمواجهة نفوذ حماس المتزايد، أو توطئة لحل الدولتين.

فصائلياً، لا يبدو أن للأرقام والنسب المئوية الخاصة بالانتخابات الرئاسية، دلائل مغايرة عن تلك المتعلقة بالانتخابات النيابية، فلو جرت الانتخابات اليوم بقوائم 2006 لفازت حماس بنسبة 41 بالمئة، وحصلت فتح على 30 بالمئة، وكافة الفصائل 12 بالمئة، مقابل 17 بالمئة لم يقرروا بعد...أما لو جرت الانتخابات بالقوائم الـ 36 الأخيرة، لفازت حماس أيضاً، ولكن بنسبة 36 بالمئة، 19 بالمئة فتح/عباس، البرغوثي/القدوة 9 بالمئة، دحلان 3 بالمئة، مبادرة مصطفى البرغوثي 2 بالمئة، وستجتاز نسبة الحسم (1.5 بالمئة) الشعبية وسلام فياض، وقائمتان أخريان للمستقلين (9 قوائم ناجحة فقط).

صحيح أن المزاج الشعبي بحكم طبيعته، متقلب ويخضع للتغيير والتبديل، بيد أن الصحيح كذلك، أن "مسلسل الفضائح" ما زال يطارد "حصان السلطة الهرم"، حتى بعد أن هدأت المواجهات وصمتت الصواريخ ... فالسلطة التي لم تنج بعد، من غضب الشعب على سوء إدارتها للأزمة الأخيرة، ستدخل مباشرة في فضيحة "لقاحات كورونا الإسرائيلية المشرفة على فقدان صلاحيتها"، مع كل ما أثاره هذا الملف، من سوء إدارة وتهم بالفساد، وتضارب في مواقف المسؤولين، وأحاديث عن صراعات محتدمة بين "مراكز قوى" في الحكومة والسلطة وحركة فتح، وباتت المسألة برمتها، عاملاً إضافياً، في تدمير ما تبقى من سمعة ورصيد للسلطة والرئاسة والحكومة، على حد سواء.

وليس بعيداً عن "ملف اللقاحات"، جاءت تصفية الناشط الفلسطيني المعارض نزار بنات، بعد سويعات من اعتقاله من قبل أحد الأجهزة الأمنية، وخضوعه لتعذيب وحشي حتى الموت، لتضيف إلى فشل السلطة، فشلاً جديداً، وإلى عوامل "مواتها" عاملاً إضافياً ... ونقول ليس بعيداً عن "ملف اللقاحات" لأن بنات كان من أبرز الذي تصدو لكشف فساد الصفقة مع الجانب الإسرائيلي، فضلاً عن مواقفه النقدية المستقلة والسلمية للسلطة والرئاسة والفريق المتفرّد بصنع القرار والسياسات الفلسطينية.

لقد أثارت تصفية المعارض نزار بنات، ومن قبلها ملف اللقاحات، موجة من التساؤلات إلى جانب أمواج الغضب، تركزت بالأساس حول دور إسرائيل في تشجيع السلطة على فسادها واستبدادها، والنتائج التي يحملها "التنسيق الأمني" بين الجانبين، على مستقبل الحرية والشفافية والديمقراطية في النظام السياسي الفلسطيني ... فما معنى أن تقدم إسرائيل لقاحات شبه منتهية الصلاحية، وهي التي امتنعت في البدء، حتى عن تطعيم العمّال الفلسطينيين الذين يأتونها من الضفة الغربية.

وكيف أمكن لدوريات الأمن الفلسطينية، أن تهاجم المنزل الذي كان يقيم فيه نزار بنات، والكائن في المنطقة (ج) وفقاً لتقسيمات أوسلو، الخاضعة أمنيا وإدارياً لإسرائيل، من دون موافقة أو تنسيق إسرائيليين ... وفي كلتا الواقعتين، تتكرس صورة السلطة، بوصفها "وكيلاً" للاحتلال، بدل أن تتعزز مكانتها كناطقة باسم شعبها وممثلة له ... في كلتا الواقعتين، يتماهى الغضب على السلطة برفض الاحتلال.

وإذا كنّا لا نريد المجازفة، واستباق تطور الأحداث، كأن يقال أن نزار بنات هو "بوعزيزي فلسطين"، إلا أنه من الواضح تماماً، أن السلطة تواجه تحديات مع شعبها، وقدرتها على قيادته وإدارته، قد لا تجعل منها "فرس الرهان" الذي يمكن التعويل عليه، لا على المدى الأبعد: حل الدولتين، ولا على المدى المباشر: إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية وتثبيت التهدئة الهشة.

يعني ذلك، أن إدارة بايدن، مطالبة وهي تعمل على ترجمة سياساتها الفلسطينية – الإسرائيلية، بحفز السلطة والضغط عليها لإجراء إصلاحات جدية وصولاً لإجراء جولة الانتخابات العامة بحلقاتها الثلاث: رئاسية، تشريعية ومجلس وطني، والتفكير بمقاربة جديدة حيال حماس، من نفس طبيعة مقاربتها لحركة طالبان في أفغانستان، كما أن الإدارة مطالبة بالضغط على إسرائيل، للإفراج عن الأسير مروان البرغوثي، الذي يبدو أنه أكثر القيادات الفلسطينية تأهيلاً، لقيادة عملية ترميم وإعادة بناء السلطة  واستحداث التوازن الضروري بين فتح والسلطة من جهة وحماس وحلفائها من جهة ثانية.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.