ما هي الرسالة التي تبعث بها المنظومة الدولية إلى اللبنانيين وإلى الشعوب العربية؟
ما هي الرسالة التي تبعث بها المنظومة الدولية إلى اللبنانيين وإلى الشعوب العربية؟

أثناء محاكمة الرئيس المصري الراحل حسني مبارك في العام 2011، كتب الصديق قدري حفني، الراحل أيضاً، ما يلي عن المحاكمة وأهميتها: "لا أحد ينكر أن جوهر المشهد هو رسالته المستقبلية: أن رئاسة البلاد لا تعني أن الرئيس فوق القانون، إنها رسالة تتجه أساسا إلى من سيتولون رئاسة مصر القادمة كما أنها توجه إلى الرؤساء والملوك والأمراء الذين تهتز الأرض تحت مقاعدهم وعروشهم ". ولكن وبما انه لاحظ سلبيات كثيرة أثناء المحاكمة، كتب محذرا: "الخشية كل الخشية أن تحمل تلك التفاصيل رسالة مستقبلية مضادة لكل رئيس قادم أو قائم: فلتطمئنوا. حتى لو أجرمتم، وحتى لو لم يمكنكم الإفلات من الاتهام والمحاكمة؛ فلن تكونوا متهمين كغيركم من المتهمين. ستظل المقامات محفوظة. ولترتفع أيديكم الطليقة بعلامات النصر، فسوف يظل الأمل في الإفلات قائماً".

استعدت كلماته تلك أمام قرار تجميد أعمال المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري مؤخراً. فهل سيقرأها المعنيون بأنها رخصة باستمرار القتل؟ خصوصاً في هذا الوقت الذي يجمع فيه المجتمع الغربي أن الوحيد المستفيد من انهيار لبنان هو حزب الله، ولو انهم لا يجرؤون على الاعلان عن ذلك صراحة، نظراً للتسوية الجارية من أجل اعادة إحياء الاتفاق النووي.

لن تكون المرة الأولى التي يغلبون فيها مصالحهم على العدالة الدولية. خصوصاً أن التعطيل مرّ بصمت من الدول ولم يثر أي رد فعل عند أي مسؤول في لبنان ولا أثار اهتمام الرأي العام سوى مجموعة سيدة الجبل وأصوات متفرقة. يحصل هذا في وقت لم يصدر فيه أي قرار بعد أو حكم، في جريمة كتفجير المرفأ، منذ أكثر من 10 أشهر، ولحقت به 4 جرائم قتل متصلة، آخرها الصديق المناضل والسياسي لقمان سليم.

ماذا يقول المجتمع الدولي لنا نحن من نعيش في منطقة أحد شعاراتها المأثورة: القتل لنا عادة!!

جعلوا القتل أقصر الطرق للتخلص من معارض سياسي أو كافر أو امرأة أقامت علاقة جنسية خارج الزواج، حتى ولو كانت اغتصاباً. والقتل هو الطريق الأسهل لاستلام السلطة او لتغيير السياسات او للبقاء في السلطة.

فهذه البلاد تعاني من وضع مأساوي عتيق، لم تتخلص من تاريخ العنف والنزاعات التي لا تعد ولا تحصى، وما زال سكانها يعانون القتل والتهجير بالملايين ويتم وطئ حقوقهم الإنسانية الأساسية بالنعال؛ دون أي ردة فعل أو محاسبة أو مقاضاة. هل يعقل كل هذه الجثث للضحايا من دون قاتل!!

لذا تفاءل اللبنانيون خيراً عندما أقيمت المحكمة الدولية للنظر في جريمة اغتيال الحريري والاغتيالات المرتبطة بها. واعتبرت كعلامة فارقة لوضع يكون فيه الاغتيال الوسيلة الفضلى للتحكم والهيمنة السياسيين ولترهيب الشعوب. فالمحكمة لم تكن فقط من أجل الحريري أو من أجل لبنان، بل من اجل العالم العربي ومستقبله ومن أجل ضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم المروعة على أنواعها من العقاب. كانت فرصة كي نقف بوجه تغيير الواقع السياسي بواسطة القتل، ولانطلاق حقبة تعلن بدء اتخاذ العدالة مجراها، وفرصة لتبني وتعميم مثالات ومرجعيات (بارديغم) جديدة تتغلب على ثقافة العنف والتآمر وفبركة الجثث المشوهة المرمية على الطرقات.

ترافق إطلاق المحكمة الخاصة بلبنان بإصدار المحكمة الخاصة بالسودان ودارفور مذكرة التوقيف الدولية بحق عمر البشير المتهم بجرائم إبادة جماعية. وحسبنا حينها أنهما خطوتان تؤشران إلى انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة تستحضر العدالة الدولية في معاقبة الجرائم الكبرى ضد الانسانية بعد غياب مديد. على أمل أن يكون ما بعد المحكمتين ليس كما قبلهما، وان لا تتغلب المصالح السياسية والصفقات الجانبية لتمرير تسويات تؤدي إلى الإفلات من العقاب. حينها وصف رئيس قلم المحكمة الخاصة فنسنت: "في نهاية المطاف لسنا هنا من أجل الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي بل من أجل لبنان... أن مجلس الأمن رأى انه من حق الشعب اللبناني أن يشعر بالأمان وأكد على ضرورة وضع حد لسياسة الإفلات من العقاب، فإذا استطاعت المحكمة الخاصة بلبنان أن تعيد إلى الشعب اللبناني الشعور بالأمان وإذا شعر المجرم أو المجرمون بأن سياسة الافلات من العقاب انتهت وانهم لا بد سينالون جزاءهم العادل، فتكون المحكمة أبدت خدمة تاريخية الى لبنان وأعادت للبنانيين الأمان والاطمئنان لأن بلدهم عاد يسود فيه حكم القانون".

فما هي الرسالة التي تبعث بها المنظومة الدولية إلى اللبنانيين وإلى الشعوب العربية الآن: لا يحق لكم الشعور بالأمان؟ خصوصاً في الوقت الذي تتهافت فيه المنظومة الدولية على التعاون والتهاون مع إيران التي تعبث في المنطقة والتي فرض خامنئي على شعبها "انتخاب" رئيسي، الملقب بقاضي الموت، رئيسا؟؟؟  

ألن يفسر النظام الإيراني ذلك كتصريح له بالقتل من المجتمع الدولي كي يستكمل اعتداءاته على حقوق الانسان الايراني واللبناني، والسوري والعراقي واليمني؟ 

كتب جاك اتالي مؤخرا: قمنا ببناء سوق عالمي. والكثيرون يرحبون، عن حق، بالعولمة. ومع ذلك، فإن عولمة التجارة بدون عولمة حكم القانون، أي بدون آليات كونية وعالمية لفرض الحقوق، ستؤدي إلى الفوضى. سيعطي هذا قوة متزايدة لأكثر الفاعلين إجرامًا وخيانة في المجتمع... أكثر تعبير مروّع عن الحرية الفردية هو عدم الولاء، للآخرين وللأجيال القادمة، تاركين بيئة مدمرة وديون هائلة".

وهذا يسري علينا وعلى حقنا بحكم القانون. ومن المؤسف أن يحصل هذا في ظل إدارة اميركية ترفع حقوق الانسان كشعار لها، ويكتب رئيسها في الواشنطن بوست بعد انتخابه: أميركا ستدافع عن قيم الديموقراطية التي تعدّ جزءاً من مصالحها".

فأي رسالة يتلقاها اللبنانيون وباقي الشعوب في المنطقة للمستقبل عند إغلاق المحكمة؟  

إن الهروب من مواجهة المشاكل الراهنة قد يتسبب بضرر قد لا يكون من السهل معالجته لاحقاً. 

يتساءل البعض: هل ستتصرف الإدارة الجديدة وموقعي اتفاق 2015 النووي كما تصرفت الديمقراطيات مع ألمانيا هتلر في معاهدة ميونيخ طلباً للمهادنة ما أوقعهم في الحرب العالمية الثانية !!

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.