أصبحت رواندا واحدة من أهم وجهات المستثمرين والسياح بالعالَم
أصبحت رواندا واحدة من أهم وجهات المستثمرين والسياح بالعالَم

ما أن تَحدث نكبة لِلشعب على يد الحكّام حتّى تُردد الألسن المقولة الآتية: (كَيفَمَا تَكُونُوا يُوَلَّىٰ عَلَيكُم)! وباتت هذه العبارة تبريراً جاهزاً يرتكن إليه المواطن عندما لا يجد تفسيراً مقنعاً للظلم والخراب الذي ينتشر في بلده، أو هو خطاب يتمّ تسويقه من قبل مَن هم في سدّة الحكم باعتبار أنه يبرر تسلطهم وبطشهم. وفي كلتا الحالتَين هو بقايا ترسبات الأساطير أو محاولة شرعنة التسلط والظلم في التفكير الديني حسب الزمان والمكان.

الجدل بشأن أصل فكرة الترابط بين الظلم وخطايا الإنسان أو المجتمع، قد لا نجد له تفسيراً منطقياً في نظريات العلوم الاجتماعية المعاصرة، ولكن قد نجده يتكرر في الطروحات السياسية التي تسعى لتبرير وظيفة السلطة من منظور ديني. إذ نقرأ في تاريخ الفكر السياسي المسيحي تفسيرات تبرر الترابط بين فكرة التكفير عن خطايا الإنسان وتمادي السلطات في استخدام العنف، وهذا ما يؤكده القديس أوغسطين (354- 440 ق.م) بقوله إن إثم الإنسان هو الذي يدفع السلطة الدنيوية إلى استخدام العنف، فعنف السلطة يُعد بمثابة دواء سماوي لعلاج الخطيئة الإنسانية. وفي القرن السادس عشر الميلادي، حاول أحد أهم رواد حركة الإصلاح الديني المسيحي الكاهن الألماني مارتن لوثر(ت: 1546م) ترسيخ فكرة وجود السلطة كعقاب على الخطايا الإنسانية من خلال تعريفه للدولة (باعتبارها وسيلة لردح الوقاحة الإنسانية)، ويعتقد لوثر إذا ما بدا الأمير طاغياً أو قاسياً أو دموياً، فإن الخطأ في ذلك يعود إلى الشَّعب الذي هو دائماً مذنب. فالنّاس لهم أمراؤهم الذين يستحقونهم.

لا أريد الاستغراق في مناقشة أصل هذه الرواية من حيث السند والدلالة، على أساس اعتبارها حديث نبوي أو مشهور، أو ارتباطها تاريخياً بأيديولوجيا الجبر الأمويّ. وإنّما أودّ مناقشتها من خلال أبعاد العلاقة بين المجتمع ونظام الحكم، ومن ثمَّ كيف يمكن أن تكون الدولة ناجحة أو فاشلة. ولذلك نستحضر هنا أنموذجَين: الأول من تشترك فيه جميع الدولة الأوربية المتقدّمة، والثاني من دول العالم الثالث الأفريقية.

الأنموذج الأوّل: بلدان العالَم المتقدم الذي تكون فيه معدلات التنمية والتطوّر في أعلى مستوياتها، وتحتل المراتب الأولى في تقرير التنمية البشرية 2020 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي صدارة الدول الأكثر تقدّماً هي كلّ من: النرويج وسويسرا وألمانيا والسويد وهولندا والدنمارك وفنلندا. ولو اعتمدنا مبدأ العلاقة بين ارتكاب المعاصي وتسلّط الظالمين وعموم الخراب في البلدان كمعيار تطبيقي لمقولة (كيفما تكونوا يولى عليكم)، فإن هذه الدول تنفي هذه العلاقة وفق منطق التبرير الديني لها. لأنَّ هذه البلدان تشرّع قوانين تسمح بزواج المثليين وتبيح الإجهاض وفق شروط محددة.

الأنموذج الثاني هو رواندا، فهذه الدولة الأفريقية تضمّ مجتمعاً منقسماً عرقياً بين الهوتو التي تشكّل أكثر من 80%، في حين تشكل التوتسي 20% من نسبة السكان المحليين. في بداية تسعينات القرن الماضي شهد هذا البلد حرباً أهلية بين الأقلية والأكثرية، خلّفت إبادة جماعية ذهب ضحيتها ما يقارب المليون قتيل، وتهجير مليونَي مواطن. وعلى الرغم من أن الحرب الأهلية انتهت بعد خمس سنوات في 1995، إلا أن البلاد غرقت بالفوضى التي خلّفتها الحرب حتّى عام 2000، وهو العام الذي وصل فيه بول كاغامي إلى رئاسة السلطة. إذ حدد هدفَين واضحين: أولهما توحيد الشَّعب، والثاني انتزاع البلاد من الفقر. وشرع الرئيس في خطة من محاور عدّة، في مقدمتها تحقيق المصالحة المجتمعية، وإنجاز دستور جديد حظر استخدام مسميات الهوتو والتوتسي، وجرّم استخدام أيَّ خطاب عرقي.

 وبعد أن نجحت حكومة كاغامي في تحقيق تلك الأهداف، توجهت نحو التخطيط للتنمية وتطوير الاقتصاد، وقدّم الخبراء والمختصون دراسات "رؤية 2020" الاقتصادية، وتشمل 44 هدفاً في مجالات مختلفة. بالنتيجة حقق اقتصاد رواندا، وخلال الفترة بين عامَي 2000 و2015، نموّاً في ناتجه المحلّي بمعدّل 9% سنوياً، وتراجع معدّل الفقر من 60% إلى 39%، ونسبة الأميّة من 50% إلى 25%، وارتفعت قيمة الناتج الإجمالي المحلّي إلى نحو 8.5 مليارات دولار في عام 2016 بينما كان نحو 2.6 مليار في عام 2005. وأصبحت رواندا واحدة من أهم وجهات المستثمرين والسياح بالعالَم. وباتت العاصمة كيغالي من أكثر المدن أماناً على مستوى القارّة الأفريقية، وتحتلّ مكانة متميّزة بوصفها واحدة من أنظف المدن وأجملها في القارّة.

فإذا كانت الحروب والقتل والفوضى والخراب في رواندا هي نتاج لخطايا وسوء أعمال المجتمع والبشر الذي يتعايش في هذه البلاد، فلماذا لم تبقَ الحروب الأهلية والصراعات هي السمة الغالبة لتلك الدولة؟ وقد يجادل البعض بقوله إنهم استفادوا من أخطائهم، فيمكن الرد على ذلك بسؤال ذات مضمون استنكاري مفادّه: هل كان تعلّم الدرس يستوجب أن يكون ضحيته مليون مواطن! ولذلك أصل الموضوع هو إصلاح نظام الحكم وتولّي قيادات سياسية تملك القدرةَ والحَزمَ على تنفيذ رؤيتها وتجاوز مكامن الخطر على النظام والمجتمع.

من زاوية أخرى، يمكن أن تكون مقولة (كيفما كنتم يولّى عليكم) متلائمة مع المبدأ الديمقراطي الذي يعتبر الشَّعبَ هو مَن يمنح الحكومات الشَّرعية. ومن ثمَّ، فالشَّعبُ مسؤولٌ عن اختياراته لِمَن يمنحهم الثقةَ بأن يكونوا حكّاماً. وليس كما يريد مَن يحكم بعنوان ديني أن يبرر الفوضى والفشل بأنّها انعكاس لطبيعة المجتمع أو هي عقوبة من الآلهة، فهذه التبريرات الدكتاتورية لا يمكن تمريرها إلّا على الشعوب الخاملة التي يُراد لها أن تتحمّل نتائج الفشل والظلم بدلاً عن الحكّام. والأمم الحَيّة هي التي تصنع مجدَها وتتجاوز محنها عندما تسلّم قيادتها إلى رجالات يحملون مشروعَ بناء دولة، وليسوا طامعين بحصّة من مغانم السلطة، ويجدون العملَ وفق رؤية وخطط تنموية حقيقية، وليست شعاراتية غير قابلة للتحقيق، ويتركون ثرثرة العجائز عن مؤامرات تحاك ضد حكمهم.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.