إسطنبول - مشهد عام
"مزيج من الملامة المُخففة وطلب للغفران وبذل لودٍ فائض وتعهد بإعادة إحياء تعاون وشراكة مُتجددة"

شكل العلاقة ونوعية النتائج التي خرجت بها تركيا من اجتماع القمة الأخير لدول منظومة حلف الناتو الذي عُقد في العاصمة البلجيكية، بروكسل، يشبه أنماط المصالحات التقليدية بين الآباء والأبناء المشاكسين.

مزيج من الملامة المُخففة وطلب للغفران وبذل لودٍ فائض وتعهد بإعادة إحياء تعاون وشراكة مُتجددة. لكن أولاً نسيان ما كان طوال شهور وسنوات قاسية بين الطرفين، حتى أن الآخرين من غيرهما قالوا إن الوصال بينهما صار مستحيلاً.

قيل ذلك، لأن تركيا خلال شهور كثيرة مضت، قد مارست ترسانة من السلوكيات والظواهر التي تدعي منظومة الناتو بأنه يُستحال أن تتقبلها في فضائها، فهي بالنسبة لها تهديد وجودي. لكنها ابتلعتها من تركيا، وليس من منطقٍ تراجع تركيا عنها، بل من بوابة تجاوز ما فعلته والبدء من جديد. 

خاضت تركيا خلال السنوات الثلاث الماضية أكبر عملية مزاحمة ومحاولة تعكير لفضاء الأمن القومي الأوربي مثلاً، بما في ذلك مدّ اليد إلى قلب المجتمعات الأوروبية، عبر استخدام خطاب الكراهية الدينية، وتهديد سلامة ووحدة أراضي دولة أوربية مثل اليونان.

كذلك تعاونت تركيا عسكرياً مع روسيا لسنوات، اشترت منها أكثر الأسلحة حساسية وتأثيراً على منظومة دفاع الناتو، ومهدت لتعاون عسكري مع دولة شديدة الولاء لروسيا وبالغة الشمولية وكثيرة التأثير على أمن شرق أوروبا مثل روسيا البيضاء. 

على أن الأكثر دلالة في هذه المستوى المريع من غفران الناتو وغض نظره لتركيا هي القيم العليا التي تدعي تبنيها ولا تتراجع عنها، الديمقراطية ودولة المؤسسات وحقوق الإنسان، تلك التي مزقها إردوغان والنظام السياسي التركي خلال السنوات الست الماضية، مثلما لم يفعل أي نظام شمولي آخر.

معتقلون سياسيون بعشرات الآلاف، دولة بوليسية تمارس أعتى أشكال الكراهية القومية، دمرت مدناً وبلدات وهجّرت سكانها بحجة مناهضة تنظيم مسلح. كذلك فإنها ذات علاقات تداخلية مع تنظيمات متطرفة تسلك دروب العنف الديني، ونظامها السياسي يميل لأن يكون منظومة حُكم الشخص الواحد، يتلاعب زعيمها بالدستور والقوانين والقضاء والبرلمان المنتخب كما كان يفعل مع كرة القدم حينما كان لاعباً رياضياً أيام صباه. 

لا يبدو التعامل "المفاجئ" الخاص الذي مارسته منظومة الناتو مع تركيا خلال القمة الأخيرة أمراً استثنائياً، بل يكاد أن يكون الموقع التركي التفاضلي ركناً تأسيسياً في بنية الناتو، منذ انضمام تركيا إليه عام 1952 وحتى الآن. 

وضخ الحلف من أجل الدعاية العظمى آلاف المليارات منذ تأسيسه عام 1949، والتي كانت تقول إن الحلف هو الوجه الآخر للشموليات اليسارية والقومية، وفي مرحلة لاحقة الدينية، وأن الحلف هو الخلاص النهائي للدول والمجتمعات من نيّر الأيديولوجيات المُتطرفة.

وهو أمر طبقته على دول كتلة شرق أوروبا –دول حلف وارسو سابقاً- حينما أرادت الدخول في حلف الناتو أوائل التسعينيات من القرن المنصرم، وطالبتها بمجموعة من المعايير والضوابط الداخلية والخارجية للاندماج في منظومة الحلف، لكن أبقت تركيا استثناء من كل ذلك. 

فخلال السنوات السبعين الماضية من عضوية تركيا في الحلف، حدثت على الأقل خمسة انقلابات عسكرية، أودى واحدها برئيس الوزراء المنتخب إلى حبل المشنقة، وآخر إلى رئاسة متطرف قومي ذو حالة هيستيرية ليكون زعيم البلاد، وتحالف النظام السياسي التركي مع أعتى العصابات الإجرامية المتطرفة، التي مارست قتلاً عاماً بحق الأشخاص والتنظيمات المعارضة في البلاد، والتي لغير صُدفة كانت تُطالب بنفس "قيّم" حلف الناتو، من ديمقراطية واحترام لحقوق الإنسان.

كذلك ذهبت تركيا للهجوم على دولة أخرى وتجاوز سيادتها، هي قبرص. وطبعاً كانت هيكلية الدولة التركية على الدوام تمزج فصل السلطات مع هيمنة قصوى من قِبل جنرالات الجيش وروح اليمين القومي المتطرف، الممزوج بدور بارز لرجالات مافيا العصابات المنظمة، هذه الهيكلية التي تمد بالصلة لكل شيء، خلا الخطاب الفوقي "الحقوقي والسياسي الديمقراطي" الذي يدعيه حلف الناتو. 

إذاً، في الأمر ما هو حاجة مركبة وعضوية، وغالباً وجودية، بين الطرفين. 

من جهة، تعرف تركيا هشاشتها الداخلية، المتأتية من أصالة المسألتين الكُردية والعلوية في البلاد، اللتين تهددان وحدة أراضيها وهيمنة العنصر التركي القومي المُسلم السُني على البلاد. كذلك ثمة تاريخ الدولة الدموي، المرتبط بذاكرة ما فعلته بالأرمن واليونان والسريان في الأمس القريب. هذا غير علاقاتها التاريخية القلقة مع جوارها اليوناني والروسي والأرمني والفارسي، وحتى العربي.

كل تلك الأدوات التي تؤسس للهاث التركي وراء مظلة حماية الناتو، التي هي في الأساس ليست مجرد معاضدة وحماية عسكرية، بل هي بالنسبة لتركيا فضاء رعاية سياسية، تستطيع أن تنتشل تركيا مما يحيط بها من مسببات الهشاشة. لكنها في الوقت نفسه يُستحال أن تُخرج تركيا من نهجها وسلوكياتها العمومية التي تمارسها منذ قرن، لأن ذلك يعني تفكيكها بالضرورة. 

من جهة أخرى، يعرف العقل الباطن لحلف الناتو أن احتواء تركيا كان ولا يزال يعني أن الحلف يستطيع الرد على أي ادعاء بكونه مُجرد "نادٍ عسكري وسياسي مسيحي"، ذلك الخطاب الذي كان له خلال سنوات الحرب الباردة أن يضم كامل العالم الإسلامي إلى المنظومة اليسارية/السوفييتية.

هذه الحاجة التي كانت تتعامد مع روابط عضوية للحلف مع الكثير من مناطق العالم الإسلامي، خصوصاً الآسيوية منها، فتركيا العضو في حلف الناتو تحمل ذاكرة آخر إمبراطورية/سلطنة إسلامية، وهي تعني الكثير بالنسبة للمشاعر الجمعية لغالبية واضحة من مسلمي العالم. الأمر الذي استخدمه الحلف مطولاً لمحاربة المد الشيوعي، ونجحت فيه بامتياز. 

لكن حاجة الحلف الأعمق لتركيا كانت عسكرية الهوية. فعلى العكس من غيرها من بلدان الناتو، فإن تركيا لم تكن دولة وشعباً يملك جيشاً مقيداً بمجموعة من المعايير، بل العكس تماماً كان صحيحاً، حيث أن الجيش التركي كان مالكاً وحاكماً مُطلقاً لتلك البلاد، وتالياً غير مقيد بمجموعة من القواعد والبيروقراطيات والخصائص التي كانت تمتاز بها جيوش الناتو، وعموماً كانت نقطة ضعف تقليدية في إمكانيات تحركات جيوش الناتو، التي تعرضت للفشل في مرات لا تُعد بسبب الضغوط الداخلية أو الطبيعة المؤسساتية لهياكل الدول، لكن تركيا كانت مغسولة بحكم طبيعة نظامها السياسي من تلك الضوابط. 

حربان شهيرتان خلال العامين الماضيين دلتا على ذلك بعمق. ففي ليبيا، تدخلت تركيا دون عقبات، بطلب وتفاهم مع الحلف، لتوازِن امتداداً روسياً متوقعاً في ذلك البلد، وهو أمر لم يكن لأي دولة أخرى في الناتو أن تفعله، مقيدة بقيم مراقبة البرلمان وتقديم المسوغات للرأي العام. كذلك فعلت تركيا في القوقاز، حينما ساهمت عسكرياً ومباشرة في كسر شوكة أرمينيا، لصالح دولة تسعى لأن تكون أقرب لمزاج الحلف هي أذربيجان، وفي أكثر مناطق السِوار الروسي حساسية، القوقاز. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.