القمة العربية - بيروت
"الحقيقة أن وراء صُوْرَتَي الرَّفض المشار إليهما آنفا، دوافعُ أو عوائقُ تمنع الوعي العربي من الاستجابة الطبيعية لمنظومة الوعي المعاصر"

رأينا في المقال السابق "الليبرالية المستعربة: تكيّف أم تزييف؟" كيف أن الليبرالية لا تُشَكِّل، بمقتضى روح العصر، الخيارَ الأنسب حضاريا فحسب، وإنما تُشَكِّل أيضا الخيارَ الوحيد القادر على انتشال العرب من "حالة التخلف" التي تطاول أمدُها، حتى ظنها أكثر المتفائلين، فضلا عن المتشائمين، قَدَرا لازما.

ثم اتضح لنا أن الليبرالية منذ بدايات ظهورها في العالم العربي، لاقت ممانعة على أكثر من مستوى، لا سيما على المستوى الأخطر، المتعلق بالتيار التقدمي، ذلك التيار الذي التفَّ عليها، واعيا أو غير واعٍ، بإعادة إنتاجها وفق مرتكزات وعيه الأول، لتتحول إلى مجرد شعارات جوفاء تستبطن مضامين تتعارض، بشكل أولي، مع جوهر المبدأ الليبرالي.   

لكن، إذا كانت الليبرالية هي منظومة الأفكار (ومن وراء ذلك التشريع القانوني والتأسيس الإداري) القادرة على تغيير "واقع الحال العربي"، هذا الواقع الذي يُقِرًّ الجميع بمأساويته، فلماذا كان نصيبها الرفض؟

الرفض تجلى بإحدى صورتين، الصورة الأولى التي ظهرت بتعمّد تبخيسها أو تجريمها أو حتى تكفيرها في سياق هجائي يمتزج الجهل فيه بمعادة الإنسان أصالة، أي برؤية تختزل الإنسان، بتجريده من جوهره التحرّيّاتي، إلى مستوى وجوده المادي.

والصورة الثانية التي ظهرت بتعمّد الاحتفاء بها شَكلا ورفضها مضمونا، جرّاء عملية "تزييف" مفهوماتي يدّعي مُمَارسُوها، في سياق تبريرهم لتزييفهم، أنها عملية "تكيّف" ضرورية لِمُوَاءَمتها مع "الواقع العربي" المختلف إلى حد كبير عن "الواقع الغربي"؟   

الحقيقة أن وراء صُوْرَتَي الرَّفض المشار إليهما آنفا، دوافعُ أو عوائقُ تمنع الوعي العربي من الاستجابة الطبيعية لمنظومة الوعي المعاصر: الوعي الليبرالي. وهي عوائق أو دوافع كثيرة، مُتواشِجة ومُتعاضِدة، غير أن أهمها، في اعتقادي، ما يلي: 

أولا: الجهل المُتَفشِّي في عالمنا العربي. فالغالبية الساحقة من الجماهير هي "أميّة قرائيا"، واطلاعها على مسار التاريخ الحديث، وقائعَ وأفكارا، يكاد يكون معدوما. وبالتالي، فوعيها بمستوى كارثية واقعها معدوم، ووعيها بمسارات التقدم معدوم أيضا. ما يعني أنها لا تدرك أبعاد المشكلة، كما لا تدرك طبيعة الحلول الممكنة أو المقترحة.

وحيث الليبرالية شيء طارئ وجديد ومغاير للسائد النمطي الذي اعتادت عليه، فهي تركن إلى ما اعتادت عليه وألفته، ويستلزم هذا الركون التأكيد على الوفاء للمعهود؛ رفضا ومعاداة للطارئ الجديد، خاصة وأن هذا الجديد ذو نسب غربي؛ بكل ما يحمله "العالم الغربي"، في التصور الشعبوي الجماهيري العربي، من خطر على الأنا (تُغذّيه نظرياتُ المؤامرة)، ومن تفوّق ساحق يُثيرُ مشاعرَ الغيظ الساخط المشوب بالحسد الحارق. وكل ذلك ينتهي بالرفض، بل وبالكره العدمي الذي يتحول في الشعارات الهجائية إلى آلية ساذجة، غير واعية، للدفاع عن الذات. 

ثانيا: الوعي الجمعاني العربي. وهذا له ارتباط بالعائق السابق، فبما أن الليبرالية حالة تطوّر أو تقدّم مفارقةٌ للحالات البدائية الأولى ذات الطابع الجمعاني، فإن التحول إليها يستلزم اكتساب وعي جديد غير جمعاني، أي يستلزم التحول عن الطبيعي أو التلقائي أو البدائي في الحياة الإنسانية، التي هي، في عمقها،  حيوانية، إلى ما هو أعلى: متجاوزٌ للحيواني.

والمقصود أن الحالة الجمعانية (التي تقف الفردانية الليبرالية على الضد منها) هي حالة فطرية أولية أو حيوانية. فالإنسان، ولِمِئات السنين، عاش بفطرته الحيوانية كإنسان قطيعي، أي ينتمي، واقعا ووجدانا وفكرا، إلى "قطيع" لا يختلف في قليل ولا كثير عن القطيع الحيواني.  

هذا ما يُشَكِّل طبيعة الإنسان الأولى، الطبيعة السائدة تلقائيا أو الفطرية. والخروج عنها، كما في نموذج التصور الليبرالي الذي يقف اليوم على قمة هرم التطور الإنساني، يعني تجاوز الطبيعي أو الفطري إلى مرحلة متقدمة أو متطورة، مرحلة ليست طبيعية ولا فطرية.

وهذا التجاوز الليبرالي المفارق تجاوز إرادوي واعٍ يتحدّى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نسقا ثقافيا عربيا له تمدّداته الحيويّة في مُتَعَيّنَات الواقع التي لن يسمح سدنتها المُتَرَبِّحينَ من تَشَكّلها الجمعاني بتفتيتها إلى المُتَعيّنات الفردانية التي يشترطها التحوّل الليبرالي. 

ثالثا: أن الظرف العربي طوال العصر الحديث الذي شهد اندياح النموذج الليبرالي في العالم، كان ظرفا مأزوما على مستوى القضايا المطروحة عليه. فهو كان يعيش ظرفَ هزائم ساحقة انتهت بالاستعمار، كما زامنت الاستعمار، ولم تنتهِ بنهايته.

كما يعيش ظرفَ تخلّفٍ ساحق، ارتسمت معالمه في الجهل والفقر والتشرذم وغياب التخطيط التنموي...إلخ صور التخلف. وهذا الظرف فرض عليه تحديد الغايات، وتحديدها يستلزم مواقف مبدئية من قضايا محددة، هي قضايا جانبية، ولكنها ساخنة، وقادرة على جذب الانتباه إلى أقصى درجة، بل إلى الدرجة التي تغيب معها بقية الغايات بوصفها مجرد مُلْهِيات. 

الفكر الليبرالي، كما يؤكد الباحث، أشرف منصور، هو فكر يتيح تعددا في الغايات، إذ يرفض أن يعطي لأي غاية قيمة مطلقة أو فضيلة على بقية الغايات (الليبرالية الجديدة، أشرف منصور، ص58). والظرف العربي قد فرض على العربي أن يضع غاياته أولا، فرض عليه أن يتخذ مواقفه التي توجه مسار تطوره قبل أن يفكر في مسار التطور ذاته. ومن حيث هي  قضايا وغايات مبدئية، وبالتالي، ذات قداسة ، فهي، بالضرورة، ذات طابع جمعاني، يَفُتُّ التوجهُ الفرداني الليبرالي في عضدها.  

وفي هذا السياق، وإذ لم تكن الأولوية للإنسان، وتحديدا الإنسان في وجوده المتعين: الفردي، بل الأولوية كانت لما هو عكس ذلك، فمن الطبيعي أن ينظر العربي إلى الليبرالية بوصفها لا تخدم قضاياه المصيرية أو أولوياته، هذا إنْ لم يَرَها تقف موقف الإيديولوجيا المناهضة لما يراه أولويًّا ومَصِيريًّا.   

رابعا: الأيديولوجيات الرائجة في التاريخ العربي أو الإسلامي الحديث كانت أيديولوجيات جمعانية كُلْيَانية بشكل واضح. وعلى وجه التحديد، فإن أكبر إيديولوجيتين: العروبوية والإسلاموية أو الأصولية (الإسلاموية بفرعيها: السلفي التقليدي، والسلفي الحركي)، وقبل أن يُعَادِيا التوجّهَ الليبرالي بشكل حاد وصريح، كانا على الضد والنقيض منه واقعا، فهما قد استثمرا في المسارات الجمعانية الرائجة فكريا ومجتمعيا، واندمجا فيها، وأعادا التأكيد عليها، بل لقد قاما بإنتاج هذه المسارات في صور كثيرة تتجاوز حضورها الأولي في الوعي العام.  

خامسا: العوائق المؤسساتية، المدنية والدينية، ذات التأثير النافذ في مُتَغيّرات الواقع. فكل هذه المؤسسات، إلا ما ندر، تقف عائقا ضد تمدد التصورات الليبرالية على مستوى الرؤية والمُتَغيّر النظري، كما على مستوى الفعل والمُتَغيّر العملي. وفي إعاقتها للحل الليبرالي نجد أنها تنقسم إلى قسمين من حيث دوافعها في هذا المجال:  

منها مؤسسات ترى أن الحل الليبرالي، بكل لوازمه الضرورية وبكل متتالياته المتوقّعة، ليس في صالحها، إما من حيث هي مؤسسات ذات مصالح عامة سَيُقَوِّضُها الحلُ الليبرالي، وإما من حيث هم أفراد مُتنفّذون في هذه المؤسسات، يدافعون عن مصالحهم الخاصة من خلال الدفاع عن المصالح العامة لمؤسسة ارتبطوا بها ماديا ومعنويا.  

ومنها مؤسسات تُعِيق الحلَ الليبرالي بعجزها، أي إعاقة سلبية؛ من حيث هي مؤسسات ذات بُنْية تقليدية. ومن حيث هي كذلك؛ فإنها غير قادرة، حتى لو أرادت، على أن تشتغل ليبراليا. ثم هي لا تكتفي بهذا الموقف السلبي، أي عدم الاشتغال على تفعيل الحل الليبرالي، بل نجدها تشتغل بالاتجاه المضاد، ما يعني إقصاءً واسع النطاق لكل صور التمدد الليبرالي في كل الدوائر التي يصل إليها نفوذ هذه المؤسسات وتأثيرها. 

سادسا: ينتج عن كل ما سبق من عوائق رأيناها في النفوذ الفكري والديني والاجتماعي والمؤسساتي...إلخ، أن تسود حالةٌ من طغيان القيم المناهضة للقيم الليبرالية في الواقع.

وحين يصبح الواقع على هذه الحال، وخاصة في مستويات التأثير الجماهيرية، فإن "الفاعل الاجتماعي" أيا كان نوعه، سيجد نفسه أمام إغراء شديد الجاذبية: إغراء استثمار رأس المال الأغلى في المجتمع، أي أنه سيستثمر، ماديا ومعنويا، في الرائج جماهيريا؛ لأنه هو، بالنسبة له، المجدي.

وفي المقابل، سيقطع مع كل مفردات الحل الليبرالي التي تُبْعِده عن الاستثمار المجدي. وحينئذٍ؛ سيزداد مستوى النفور من الحل الليبرالي لحساب الحلول المضادة: الجمعانية. ما يعني مزيدا من إغراء الاستثمار في الجمعاني على حساب الليبرالي؛ وهكذا دواليك؛ حتى تستحكم حلقات مَحْو الإنسان في مستوى وجوده الحقيقي: الفرد المُتَعيّن في الواقع والفرد الليبرالي. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.