فتوى من الأزهر بشأن قضية الطفل المتنازع عليه
الشيخ الصعيدي، الذي لم يجد حظه المقدر والمستحق من الشهرة والإنتشار، يعتبر أحد التلاميذ النجباء في مدرسة الإمام محمد عبده

نحن هنا بإزاء العديد من الأفكار الجريئة التي طرحها الشيخ الأزهري المجدد المستنير، عبد المتعال الصعيدي، في القضايا الفقهية المتعلقة بموضوع الحرية، وهي أفكار تهدف لتحقيق كرامة الإنسان والتخلص من قيود الجمود الفكري التي رانت على العقل المسلم منذ عدة قرون. 

الشيخ الصعيدي، الذي لم يجد حظه المقدر والمستحق من الشهرة والإنتشار، يعتبر أحد التلاميذ النجباء في مدرسة الإمام محمد عبده، وقد انصب نهجه الإصلاحي في تجديد الخطاب الديني حيث قدّم العديد من الأطروحات النقدية التي خالفت الشائع والثابت في حقل الفكر الإسلامي.

تعتبر قضية الحرية في جميع نواحيها من أبرز القضايا التي عالجها الشيخ الصعيدي بجرأة شديدة غير آبه بالآراء السائدة في زمنه ( 1894-1966)، وهو الأمر الذي دفع بالأزهر لمصادرة كتابه "الحرية الدينية في الإسلام" قبل أن يعود مجمع البحوث ليجيزه للنشر في وقت لاحق.

نظر الشيخ الصعيدي للحرية بوصفها حقا مطلقا منحه الخالق للمخلوق، فلا يحق لأحد أن يصادر حريته في الفكر والتعبير، ولا أن يكرهه على اعتقاد أو رأي، ولا أن يصادر حقه في الاعتراض والنقد. وهى عنده تنقسم لثلاثة فروع : حرية دينية وعلمية وسياسية.

أما الحرية الدينية فهى في نظره عبارة عن (حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية، فلا سلطان لأحد من الناس عليه في ما يعتقده. فهو حر في أن يعتقد ما يشاء أو لا يعتقد في شيء أصلا، كما أن له الحرية إذا اعتقد في شيء أن يرجع عن اعتقاده، وله أن يدعو من يشاء إلى اعتقاد ما يعتقده في حدود ما تبيحه حرية الاعتقاد من الدعوة إلى ما يعتقد بالتي هى أحسن).

موقف الشيخ الصعيدي من الحرية الدينية بوصفها حقا عاما في الاسلام لجميع الناس على اختلاف مللهم ونحلهم، من أهل كتاب، وممن لهم شبهة كتاب، ومن مشركين، ومن ملحدين، وممن يتفرع من هذه الأصناف بالغا ما بلغ أمرهم، جعله يطرح اجتهادا متقدما في عصره حول قضية "الردة"، حيث أتى برأي مخالف لرأي الجمهور الذي طالب بمعاقبة (قتل) المرتد أو استتابته أبدا.

في هذا الإطار يقول الشيخ الصعيدي (ولا شك أن القول بأن المرتد يستتاب أبدا ولا يقتل أنسب من غيره بما جاء به الإسلام من الحرية الدينية، وأنسب منه ما ذهبنا إليه من أن المرتد لا يكره على الإسلام بقتل ولا بسجن ولا بنحوهما من وسائل الإكراه، وإنما يُدعى إلى العودة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، كما يدعى غيره ممن لم يسبق له إسلام بهذه الوسيلة أيضا، فإن أجاب فبها، وإلا لم يكن جزاؤه إلا العقاب على ردته في الآخرة).

ويؤكد أن (القرآن قد نفى الإكراه على الدين نفيا عاما وصريحا في قوله تعالى "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، وقوله عز وجل: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، فهذا نفي مطلق للإكراه في الدين، فيجب أن يدخل فيه من أسلم ثم ارتد، كما يدخل فيه من لم يسلم أصلا).

أما الحرية العلمية فيعرفها الشيخ الصعيدي بأنها (إطلاق سلطان العلم فوق كل سلطان، لأنه يعتمد في سلطته على العقل، وقد خلق الله العقل ليميزنا به على جميع مخلوقاته، فإذا أهملنا الاعتماد عليه، لم يكن هناك معنى لخلقه فينا. وفعل الله سبحانه يتنزه عن العبث، فكل ما خلقه له حكمته التي لا بد من استعماله فيها، تحقيقا لمعنى هذه الحكمة، وتنزيها لفعله تعالى عن العبث).

نكاد نلمح في كلمات الشيخ الصعيدي أعلاه أثر المدرسة الإسلامية الأكثر إعلاءا لشان العقل – المعتزلة، إذ إن أهل العدل والتوحيد كانوا أول من اعترض على النقل الأعمى للنصوص وعدم إعمال العقل في قراءة القرآن والسنة والتفكر في العقيدة الإسلامية. وقالوا إن العقل والفطرة السليمة قادران على تمييز الحلال من الحرام بشكل تلقائي.

إن أكبر مشكلات الفكر الإسلامي التي أدت لخلق ومفاقمة حالة الجمود الحضاري تتمثل في وضع العقل في تضاد مع النقل، حيث دخلت الحضارة الإسلامية طور الغيبوبة منذ أن تم إحراق نتاج بن رشد الفلسفي، ابن رشد الذي شرح أسس منهج "الملاحظة والاستقراء" الذي بُنيت عليه العلوم الحديثة تم تجاهله والتشهير به. الفلسفة نفسها تم احتقارها وتحريم الاشتغال بها، ووضعت كتبها في مرتبة واحدة مع كتب التنجيم والشعوذة.

أما الحرية السياسية فإن الشيخ الصعيدي يعرفها بأنها (احترام رأي الفرد في التعبير عن ذاته، بحيث لا تضيع شخصيته في شخصية الحاكم، بل يكون لرأيه سلطان، فيما يراه ولو تعلق بشخص الحاكم نفسه، فيكون له الحق في معارضة اختياره ابتداء في إسناد الحكم إليه، وفي نقده بالوسائل النزيهة في النقد. ويجب أن يبرز سلطان الدين أيضا، فيقف بجانب الفرد في هذا الحق، حتى لا يكون للحاكم عنده سلطان فوق كل سلطان، بل يكون شأنه في ذلك شأن كل فرد، حتى لا يستبد وحده بالسلطان، وحتى لا يسير في الحكم بالظلم والطغيان).

انحياز الشيخ الصعيدي الواضح للفرد في مواجهة السلطان ومنحه الحق الأصيل في اختيار الحاكم ونقد ممارسته للحكم من شأنه أن يكسر حلقة الاستبداد الجهنمية التي ظلت تعاني منها المجتمعات الإسلامية لقرون متطاولة من الزمان، وهي الحلقة التي رسختها مفاهيم السمع والطاعة التي أنتجتها مؤسسة الفقه المنحازة للسلطان.

إن الرضوح المطلق للحاكم هو في حقيقته تصور عقلي أنتجته عقيدة "الجبر و الإرجاء" في الفكر الإسلامي، وهي العقيدة التي وضع عمادها الأول مؤسس دولة بني أمية معاوية بن أبي سفيان عبر ترسيخ مفهوم "القضاء والقدر"، وثبَّت ركنها الثاني الخليفة مروان بن الحكم عبر إرساء مفهوم "الطاعة".

تذهب عقيدة الجبر إلى أن جميع ما يقع من أفعال إنما هو بقَدَرِ الله تعالى، وأن الإنسان كالريشة في مهب الريح، لا فعل له على الحقيقة إلا الاستسلام لذلك القدر، وأن الملوك الظلمة هم عقابٌ من الله وإنما ظلمهم وبطشهم ما هو إلا شيء خارج عن إرادتهم.

ويرتبطُ الإرجاء إرتباطا وثيقا بالجبر، فهو يُفيد بأن الخلفاء والأمراء مهما استحلوا من المحرمات وفعلوا من الموبقات وارتكبوا من الانحرافات فإنهم لا يخرجون من دائرة الإسلام ما داموا يُقرُّون بالشهادتين، وأن حسابهم والحكم عليهم يجب أن يُرجأ إلى يوم القيامة.

رسخت هذه العقائد في عقول الناس، وشكلت قيمهم الأخلاقية طوال 88 عاما هي عمر الدولة الأموية، ومن ثم التقطها خلفاء بني العباس، وأضافوا إليها بعداً أعمق من القداسة الدينية. فما أن اعتلى "أبو جعفر المنصور" كرسي السُّلطة حتى خاطب الناس بالقول:

(إنما أنا سُلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على مالٍ أعمل فيه بمشيئته وإرادته وأعطي بإذنه، وجعلني قِفلاً إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم و قسمة أرزاقكم وإن شاء أن يقفلني أقفلني).

أحدث إقحام الشأن المُقدَّس في أمور الدنيا للدرجة التي أضحى فيها الخليفة يمثل سلطان الله في الأرض، بجانب شيوع الجبر والإرجاء، تحولات عميقة في بنية الأخلاق بحيث استقرت "الطاعة" كقيمة حاسمة و مُحددِّة لعلاقة الحاكم بالمحكوم، كما أضحت محاسبة الخلفاء أمرا متروكا ليوم القيامة واكتفى رجال الدين من الفقهاء بالمناصحة كسقف أعلى في مُجابهة انحرافات السلاطين والأمراء والخلفاء.

لا شك أن آراء الشيخ الصعيدي، ومن بينها نظرته لقضية الحرية، تمثل اجتهادا متقدما يركز على الإنسان بوصفه مناط الدين، وهى آراء لم تجد حظها اللائق من الذيوع بسبب الجمود الذي أصاب المجتمعات العربية والإسلامية ومؤسسات التعليم الديني ومن بينها الأزهر الشريف الذي ضاق بأفكاره الجريئة وشكل له لجنة للتحقيق طالب أحد أعضائها بتكفيره واستتابته كما يُستتاب المرتد.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.