إذ يعيش لبنان أسوأ أيامه، فإنه لم يبلغ الحضيض بعد. مدخرات اللبنانيين المودعة في المصارف ذهبت ولن تعود. اقتصادهم إلى انكماش، وظائفهم ضاع الكثير منها، والسعيد الذي لم يفقد وظيفته انخفض راتبه إلى أقل من عُشر ما كان عليه نتيجة انهيار العملة الوطنية. النظام الصحي كما النظام التعليمي عند آخر رمق، والخدمات العامة من كهرباء واتصالات ووقود وسلع غذائية أساسية وماء وصرف صحي وجمع نفايات، تتراجع وتتقلص إلى مستويات متدنية لم تنحدر إليها حتى في أعتى أيام الحروب، الأهلية وغيرها. المستأجرون في لبنان غير قادرين على تسديد إيجارات مساكنهم الشهرية، وأصحاب الملك مرتبكون دون ما كانوا يعتمدون عليه من دخل عقاراتهم.
الطبقة الحاكمة، الناهبة دون حرج، هي على طفيليتها وطفوليتها، وعلى خضوعها لقوة الأمر الواقع المؤتمرة بأمر الولي الفقيه في طهران، ولا يُرجى منها أي إصلاح البتة. والقوى الدولية، التي توافقت إلى أمس قريب على المحافظة على قدر من الاستقرار للبنان، أضحت غير مبالية لأحواله، بعد أن اكتوت بأكاذيب حكامه وجشعهم وسخافتهم، أو راضخة لأن ينهار لبنان، إقراراً بأن إنقاذه استثمار كبير بعائدات صغيرة، أو لأن يُسلّم بالكامل لوكلاء إيران فيه.
هذا الواقع الرديء ليس قعر الهاوية، بل الخشية المرتقبة هي أن لبنان مقدم على فصول أكثر ظلاماً، من الإجرام والفلتان الأمني مع تراكم العوز والجوع واليأس، ومن الانهيار الكامل لمؤسساته وبناه، والعودة القسرية إلى الإدارات الذاتية المحلية في الأماكن القادرة عليها، لا كسبيل للنجاة، بل كوسيلة لإدارة الانهيار، ريثما يتمكن القادر على الرحيل من أن يرحل، تاركاً الوطن لمن ليس بوسعه أن يغادره.
بمكن الاستفاضة والإمعان بالأسباب التي زجّت لبنان بهذا المصاب، وهي عديدة، ومعظمها داخلي ساهم باستفحاله اللبنانيون كافة، بمقادير متباينة حكماً. على أن مصائب لبنان الداخلية ما كانت لتتفاقم إلى حد الخروج عن السيطرة لولا تورطه بمآسي جواره.
القضية الفلسطينية المحقّة أنتجت احتلالاً فلسطينياً وظلماً فلسطينياً وتورطاً فلسطينياً استنزف لبنان، واستدرج تدخلاً سورياًِ سرعان ما أمسى بدوره احتلالاً قبيحاً، أساليبه القاتلة لا تزال متواصلة في سوريا اليوم، واستدرج أيضاً احتلالاً إسرائيلياً غبياً فاشلاً سمح بدوره لأذكى احتلال شهده لبنان من أن يتحقق، الاحتلال الإيراني، القادر على توظيف قسم من اللبنانيين أنفسهم لأغراضه المباشرة، في لبنان وخارجه، وعلى توريط الطبقة السياسية الحاكمة الفاسدة الناهبة بعلاقة تبعية، طوعية قسرية لا فرق، إزاء وجوده ومصالحه.
حزب الله، هذا الجيش التابع لإيران جهاراً، الطائفي جهاراً، هو نقيض لبنان جهاراً، وإن صمّت آذان اللبنانيين عن سماع الحقائق الصادحة، لأغراض آنية أو لمخاوف لها ما يبررها.
على أن حزب الله ليس تعبيراً عن المصلحة الموضوعية الطويلة الأمد للبنانيين الشيعة. فالمقايضة التي يقدمها لهم هي بعض الاستفادة المادية لقسم منهم، وقدر من العزّة المعنوية للعديد في أوساطهم، مقابل الولاء والوفاء والتسليم بأغراض وأهداف يجهلونها، وربما يجهل أو يتجاهل كثر بينهم جهلهم لها. الثمن الفوري للمقايضة هو استهانة من دونهم من مواطنيهم. ولا يبدل هذا الواقع عقد الذمة الذي وقّعه من زعم لاحقاً أنه «الرئيس القوي»، ميشال عون الضعيف المستقوي وحسب بسلاح الحزب، والمفاخر بأنه منذ بدء ذميته «لم يتعرض مسيحي لصفعة»، ولا «التسوية» الرئاسية التي ارتضى بها سعد الحريري، والتي ليست إلا حلقة من مسلسل الرضوخ التدريجي لأمر الحزب، بفعل عبثي هو تسليم الوطن لنقيضه بحجة العمل على إنقاذه.
المحكمة الدولية، وفق القيود والشروط التي أطّرتها، قدّمت لأسرى حزب الله ضمن الطبقة السياسية ما يمكنهم من فك قيدهم: أليست إدانة المسؤول الحزبي بالمسؤولية عن فعلٍ تطلّب تجييش المقدرات الحزبية، فيما الحزب يتمسك بهذا المسؤول دون تحفظ، هي بحد ذاتها إدانة للحزب، وإن كان التصريح بذلك خارج الصلاحيات المتاحة للمحكمة؟ أي دليل أوضح على ارتهان الطبقة السياسية لحزب الله من أن يعمد أصحاب القضية أنفسهم فعلياً إلى إعفاء حزب الله من المسؤولية ويكتفون بدعوة فارغة إلى تسليم المدان، دون عواقب ودون متابعة؟ ساسة لبنان يتحملون، من جملة ما هم مسؤولون عنه، تبعة المال المهدور على محكمة حقّقت المطلوب منها ليبعثره افتقادهم للشجاعة.
ذكاء الاحتلال الإيراني هو في إيجاده واعتماده الصيغة التي تتوافق مع المصلحة الآنية، المادية أو المعنوية، لقسم كافٍ من المواطنين اللبنانيين الشيعة، وتضع الطبقة الحاكمة أمام خيار الطاعة والاستفادة أو الرفض والخسارة. غير أن ثمن هذه المعادلة، المؤجل قليلاً بالنسبة للمستفيدين، والمعجّل لسائر اللبنانيين، هو خراب وطنهم، على رؤوسهم ورؤوس أولادهم وتركه حطاماً للأجيال المقبلة.
هي معادلة غير قابلة للاستمرار، وليست إيران بحاجة إلى بقائها أبداً. وهي بالتأكيد ليست شراكة وترابط وتآخي بين شعبين ومجتمعين. أين الحراك داخل إيران بعد كل تحطيم للبنان مدفوعاً بإرادة شاهنشاهية من الولي الفقيه؟ قد يقدم الآمر الناهي في طهران على منح أتباعه من اللبنانيين بعضاً من الأرصدة التي يتحكم بها. أما صوت المجتمع في إيران، فهو عندئذ لا الوقوف إلى جانب اللبنانيين في مصابهم، بل الاعتراض على صرف أموال إيران على الخارج. يترك لأهل الخليج وغيرهم من العرب، هؤلاء الذين أشبعهم حزب الله بشتائمه، أن يترجموا عاطفتهم إزاء شقيقهم المصاب دعماً وإمداداً.
إيران سوف تتخلى عن حزب الله، يوم يستنفد هذا الفصيل فائدته بالنسبة لها، يوم يتحقق الترتيب الذي تسعى إليه على مستوى المنطقة والعالم، أو يوم يعيد الحكم فيها النظر بمصالحه وسياساته. هو يوم يريده المنضوي تحت المظلة الإيرانية بعيداً، وقد لا يكون من الواقعي انتظاره في الغد القريب، ولكنه آت لا محالة. إذ المفارقة أن وجود حزب الله في لبنان، إذ يستنزف لبنان ويضاعف من قوة حزب الله فيه، فإنه يضيّع فائدة لبنان كغطاء للنفوذ الإيراني ويجعل منع وحسب موقعاً عسكرياً متقدماً، على إيران استعماله أو فقدانه.
أصحاب الآفاق القريبة من التابعين لإيران، أي الذين يعنون وحسب بالفائدة الآنية، من شأنهم الركون، تصديقاً أو رضاً شكلياً بالشبهة، إلى الخطاب التعبوي الخرافي حول «نهاية الكيان» و «انتصار محور المقاومة»، في خضم واقع الخراب والتفتيت التي تشهده كافة البلدان التي تورّطت في هذا المحور. غير أن ثمن هذا الحماس الشاطح والاطمئنان الكاذب هو اقتراب لبنان من الفناء.
على أن الأوطان لا تموت. ولبنان بدوره لن يموت. لا طائر «فينيق» هنا، ولا قيامة من الرماد، بل إعادة تشكيل، وإعادة إنشاء، على أنقاض ما تبقّى، وبعد أن ينتهي الاحتلال الإيراني، عند أقصى حد مع نفاد صلاحيته بوصول تناقضه مع لبنان إلى حالة لا تجني منها إيران الفائدة، أو عند نجاح اللبنانيين قبل هذا الأجل بإنقاذ ما يمكن استخلاصه، من خلال مقاومة الاحتلال، على صعوبة الأمر.
لبنان سوف يعود وينهض، دون ما يدهش العالم، ودون ما يعود به إلى مجده السابق، الحقيقي منه والمتخيل. شرط قيامته هو نهاية الاحتلال الإيراني، سواء من خلال إدراك من تورّط فيه لمقدار الأذى الذي يجلبه، وهو اليوم للأسف أمر مستبعد، أو من خلال نجاح معارضيه في تبيان حقيقته، وحظوظ هذا النجاح لا تزال ضئيلة، أو من خلال استنفاد إيران لفائدتها منه.
مقومات القيامة متوفرة، ولا سيما في التلاقي المصلحي للجيل الحالي، والذي دفع ولا يزال ثمن أوهام الأجيال السابقة وأطماعها. والواقع أن أجيال لبنان المتعاقبة ورثت من تاريخه ما طبعها وميّزها زمانياً، بقدر يفوق ما ضختّه طوائفه من خشية وعصبية وتنافر على أبناء هذه الأجيال عامودياً، ويتعدّى الترتيب الذكي للاحتلال الإيراني.
عوائق القيامة كذلك عديدة، جلّها مرتبط باستيعاب ضياع الأفضليات التي كانت للبنان في مراحله السابقة.
في القسم الثاني، الأسبوع المقبل، استعراض لهذه الأفضليات وضياعها.

