مدخرات اللبنانيين في البنوك فقدت قيمتها
مدخرات اللبنانيين في البنوك فقدت قيمتها

إذ يعيش لبنان أسوأ أيامه، فإنه لم يبلغ الحضيض بعد. مدخرات اللبنانيين المودعة في المصارف ذهبت ولن تعود. اقتصادهم إلى انكماش، وظائفهم ضاع الكثير منها، والسعيد الذي لم يفقد وظيفته انخفض راتبه إلى أقل من عُشر ما كان عليه نتيجة انهيار العملة الوطنية. النظام الصحي كما النظام التعليمي عند آخر رمق، والخدمات العامة من كهرباء واتصالات ووقود وسلع غذائية أساسية وماء وصرف صحي وجمع نفايات، تتراجع وتتقلص إلى مستويات متدنية لم تنحدر إليها حتى في أعتى أيام الحروب، الأهلية وغيرها. المستأجرون في لبنان غير قادرين على تسديد إيجارات مساكنهم الشهرية، وأصحاب الملك مرتبكون دون ما كانوا يعتمدون عليه من دخل عقاراتهم.

الطبقة الحاكمة، الناهبة دون حرج، هي على طفيليتها وطفوليتها، وعلى خضوعها لقوة الأمر الواقع المؤتمرة بأمر الولي الفقيه في طهران، ولا يُرجى منها أي إصلاح البتة. والقوى الدولية، التي توافقت إلى أمس قريب على المحافظة على قدر من الاستقرار للبنان، أضحت غير مبالية لأحواله، بعد أن اكتوت بأكاذيب حكامه وجشعهم وسخافتهم، أو راضخة لأن ينهار لبنان، إقراراً بأن إنقاذه استثمار كبير بعائدات صغيرة، أو لأن يُسلّم بالكامل لوكلاء إيران فيه.

هذا الواقع الرديء ليس قعر الهاوية، بل الخشية المرتقبة هي أن لبنان مقدم على فصول أكثر ظلاماً، من الإجرام والفلتان الأمني مع تراكم العوز والجوع واليأس، ومن الانهيار الكامل لمؤسساته وبناه، والعودة القسرية إلى الإدارات الذاتية المحلية في الأماكن القادرة عليها، لا كسبيل للنجاة، بل كوسيلة لإدارة الانهيار، ريثما يتمكن القادر على الرحيل من أن يرحل، تاركاً الوطن لمن ليس بوسعه أن يغادره.

بمكن الاستفاضة والإمعان بالأسباب التي زجّت لبنان بهذا المصاب، وهي عديدة، ومعظمها داخلي ساهم باستفحاله اللبنانيون كافة، بمقادير متباينة حكماً. على أن مصائب لبنان الداخلية ما كانت لتتفاقم إلى حد الخروج عن السيطرة لولا تورطه بمآسي جواره.

القضية الفلسطينية المحقّة أنتجت احتلالاً فلسطينياً وظلماً فلسطينياً وتورطاً فلسطينياً استنزف لبنان، واستدرج تدخلاً سورياًِ سرعان ما أمسى بدوره احتلالاً قبيحاً، أساليبه القاتلة لا تزال متواصلة في سوريا اليوم، واستدرج أيضاً احتلالاً إسرائيلياً غبياً فاشلاً سمح بدوره لأذكى احتلال شهده لبنان من أن يتحقق، الاحتلال الإيراني، القادر على توظيف قسم من اللبنانيين أنفسهم لأغراضه المباشرة، في لبنان وخارجه، وعلى توريط الطبقة السياسية الحاكمة الفاسدة الناهبة بعلاقة تبعية، طوعية قسرية لا فرق، إزاء وجوده ومصالحه.

حزب الله، هذا الجيش التابع لإيران جهاراً، الطائفي جهاراً، هو نقيض لبنان جهاراً، وإن صمّت آذان اللبنانيين عن سماع الحقائق الصادحة، لأغراض آنية أو لمخاوف لها  ما يبررها.

على أن حزب الله ليس تعبيراً عن المصلحة الموضوعية الطويلة الأمد للبنانيين الشيعة. فالمقايضة التي يقدمها لهم هي بعض الاستفادة المادية لقسم منهم، وقدر من العزّة المعنوية للعديد في أوساطهم، مقابل الولاء والوفاء والتسليم بأغراض وأهداف يجهلونها، وربما يجهل أو يتجاهل كثر بينهم جهلهم لها. الثمن  الفوري للمقايضة هو استهانة من دونهم من مواطنيهم. ولا يبدل هذا الواقع عقد الذمة الذي وقّعه من زعم لاحقاً أنه «الرئيس القوي»، ميشال عون الضعيف المستقوي وحسب بسلاح الحزب، والمفاخر بأنه منذ بدء ذميته «لم يتعرض مسيحي لصفعة»، ولا «التسوية» الرئاسية التي ارتضى بها سعد الحريري، والتي ليست إلا حلقة من مسلسل الرضوخ التدريجي لأمر الحزب، بفعل عبثي هو تسليم الوطن لنقيضه بحجة العمل على إنقاذه.

المحكمة الدولية، وفق القيود والشروط التي أطّرتها، قدّمت لأسرى حزب الله ضمن الطبقة السياسية ما يمكنهم من فك قيدهم: أليست إدانة المسؤول الحزبي بالمسؤولية عن فعلٍ تطلّب تجييش المقدرات الحزبية، فيما الحزب يتمسك بهذا المسؤول دون تحفظ، هي بحد ذاتها إدانة للحزب، وإن كان التصريح بذلك خارج الصلاحيات المتاحة للمحكمة؟ أي دليل أوضح على ارتهان الطبقة السياسية لحزب الله من أن يعمد أصحاب القضية أنفسهم فعلياً إلى إعفاء حزب الله من المسؤولية ويكتفون بدعوة فارغة إلى تسليم المدان، دون عواقب ودون متابعة؟ ساسة لبنان يتحملون، من جملة ما هم مسؤولون عنه، تبعة المال المهدور على محكمة حقّقت المطلوب منها ليبعثره افتقادهم للشجاعة.

ذكاء الاحتلال الإيراني هو في إيجاده واعتماده الصيغة التي تتوافق مع المصلحة الآنية، المادية أو المعنوية، لقسم كافٍ من المواطنين اللبنانيين الشيعة، وتضع الطبقة الحاكمة أمام خيار الطاعة والاستفادة أو الرفض والخسارة. غير أن ثمن هذه المعادلة، المؤجل قليلاً بالنسبة للمستفيدين، والمعجّل لسائر اللبنانيين، هو خراب وطنهم، على رؤوسهم ورؤوس أولادهم وتركه حطاماً للأجيال المقبلة.

هي معادلة غير قابلة للاستمرار، وليست إيران بحاجة إلى بقائها أبداً. وهي بالتأكيد ليست شراكة وترابط وتآخي بين شعبين ومجتمعين. أين الحراك داخل إيران بعد كل تحطيم للبنان مدفوعاً بإرادة شاهنشاهية من الولي الفقيه؟ قد يقدم الآمر الناهي في طهران على منح أتباعه من اللبنانيين بعضاً من الأرصدة التي يتحكم بها. أما صوت المجتمع في إيران، فهو عندئذ لا الوقوف إلى جانب اللبنانيين في مصابهم، بل الاعتراض على صرف أموال إيران على الخارج. يترك لأهل الخليج وغيرهم من العرب، هؤلاء الذين أشبعهم حزب الله بشتائمه، أن يترجموا عاطفتهم إزاء شقيقهم المصاب دعماً وإمداداً.

إيران سوف تتخلى عن حزب الله، يوم يستنفد هذا الفصيل فائدته بالنسبة لها، يوم يتحقق الترتيب الذي تسعى إليه على مستوى المنطقة والعالم، أو يوم يعيد الحكم فيها النظر بمصالحه وسياساته. هو يوم يريده المنضوي تحت المظلة الإيرانية بعيداً، وقد لا يكون من الواقعي انتظاره في الغد القريب، ولكنه آت لا محالة. إذ المفارقة أن وجود حزب الله في لبنان، إذ يستنزف لبنان ويضاعف من قوة حزب الله فيه، فإنه يضيّع فائدة لبنان كغطاء للنفوذ الإيراني ويجعل منع وحسب موقعاً عسكرياً متقدماً، على إيران استعماله أو فقدانه.

أصحاب الآفاق القريبة من التابعين لإيران، أي الذين يعنون وحسب بالفائدة الآنية، من شأنهم الركون، تصديقاً أو رضاً  شكلياً بالشبهة، إلى الخطاب التعبوي الخرافي حول «نهاية الكيان» و «انتصار محور المقاومة»، في خضم واقع الخراب والتفتيت التي تشهده كافة البلدان التي تورّطت في هذا المحور. غير أن ثمن هذا الحماس الشاطح والاطمئنان الكاذب هو اقتراب لبنان من الفناء.

على أن الأوطان لا تموت. ولبنان بدوره لن يموت. لا طائر «فينيق» هنا، ولا قيامة من الرماد، بل إعادة تشكيل، وإعادة إنشاء، على أنقاض ما تبقّى، وبعد أن ينتهي الاحتلال الإيراني، عند أقصى حد مع نفاد صلاحيته بوصول تناقضه مع لبنان إلى حالة لا تجني منها إيران الفائدة، أو عند نجاح اللبنانيين قبل هذا الأجل بإنقاذ ما يمكن استخلاصه، من خلال مقاومة الاحتلال، على صعوبة الأمر.

لبنان سوف يعود وينهض، دون ما يدهش العالم، ودون ما يعود به إلى مجده السابق، الحقيقي منه والمتخيل. شرط قيامته هو نهاية الاحتلال الإيراني، سواء من خلال إدراك من تورّط فيه لمقدار الأذى الذي يجلبه، وهو اليوم للأسف أمر مستبعد، أو من خلال نجاح معارضيه في تبيان حقيقته، وحظوظ هذا النجاح لا تزال ضئيلة، أو من خلال استنفاد إيران لفائدتها منه.

 مقومات القيامة متوفرة، ولا سيما في التلاقي المصلحي للجيل الحالي، والذي دفع ولا يزال ثمن أوهام الأجيال السابقة وأطماعها. والواقع أن أجيال لبنان المتعاقبة ورثت من تاريخه ما طبعها وميّزها زمانياً، بقدر يفوق ما ضختّه طوائفه من خشية وعصبية وتنافر على أبناء هذه الأجيال عامودياً، ويتعدّى الترتيب الذكي للاحتلال الإيراني.

عوائق القيامة كذلك عديدة، جلّها مرتبط باستيعاب ضياع الأفضليات التي كانت للبنان في مراحله السابقة.

في القسم الثاني، الأسبوع المقبل، استعراض لهذه الأفضليات وضياعها.


 

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.