شعرتُ في الأسبوع الماضي ومن خلال قراءات مواقع التواصل الاجتماعي والتعليقات "الممنهجة" ودكاكين المواقع الصحفية الأردنية أن هناك مشهدين خياليين متخمان بالفانتازيا متقابلان لا بد أن يكونا كالتالي:
الأول، مشهد الأردني المنتمي لما يسميه "هويته الأردنية" فيستيقظ صباحا على تنبيه موسيقى القوات المسلحة، وقبل موعد قهوته التي يشربها من دلة نحاسية وفناجين عربية "كلها مصنوعة في الصين" يرفع العلم الأردني على سارية منصوبة على طرف درابزين شرفة منزله.
والثاني، هو مشهد الأردني الآخر، "شريك المواطنة افتراضا" من أصول غرب النهر، والذي صار مطلوبا منه "بدرجات متفاوتة حسب المزاج الأمني" ومنذ أيلول عام ١٩٧٠ أن يصحو صباح كل يوم ليبتكر طرقا جديدة يقدم فيها أوراق اعتماده كمواطن في الدولة التي وضعت كل هويته ومواطنته تحت "المتابعة والتفتيش" بإدارة رسمية تحمل نفس الاسم.
وعلى هذا المواطن "الغريب" أن يحب شرب القهوة بالدلة النحاسية "التي قد لا يشربها شريكه من شرق النهر إلا في المناسبات الاجتماعية " وعليه أن يفرح لرفع العلم على سارية ربما عليه أن ينصبها في وسط غرفة جلوسه ليثبت مواطنته المشكوك بأمرها باستمرار.
هذا المشهد الخيالي الحاضر بكل ثقله في الأجواء، دفع كثيراً من أردنيي غرب النهر أن ينكفئوا نحو بؤس أدبيات منظمة التحرير الفلسطينية بكل أوهامها وأكاذيبها، التي تجسدت مخاضا بفأر السلطة الفلسطينية في رام الله.
فعلياً، الأردن على عتبة مئويته الثانية، لا ينتمي لأي من المشهدين الغريبين والمتخيلين، وغالبية الأردنيين، بشتى أصولهم ومنابتهم ومشاتلهم، مغرمون بالقهوة التركية أو الأمريكية ضمن تقسيم اجتماعي معقد التركيب.
فالأردني، عموماً، من شرق النهر أو غربه، من امتداده الشمالي في بلاد الشام أو من مناطق ما بعد انقطاعه الصحراوي حتى سلاسل الشراة، ومن كل جغرافيات الأرض التي لجأ إلى تلك الأرض منها، هو مواطن يبحث عن لقمة عيشه في ظل فساد سياسي وإداري واقتصادي ونخب حكم تكاثرت مراكز القوى فيها وتصارعت حد الفجور بهذا المواطن الذي فقد مؤسسات دولته، وحضور دستوره وهيبة منظومة قوانينه، فتوزع وتشتت نحو هوياته التي لا تحتمل اللمس لهشاشتها فاعتقد "واهماً" أنه مكلف بتعظيمها وتقديسها.
لننتهي بفانتازيا المشهدين وما بينهما من مس جنون.
أتشرفُ بزمالة عريب الرنتاوي في موقع الحرة، وأتشرف بمعرفةٍ تُلامس حدود الصداقة والاحترام المتبادل، وقد بدَأتْ فعلياً مطلع الألفية حين كنت أزور عريب الرنتاوي في مكتبه الذي يدير منه مركز القدس للدراسات السياسية، وهو مركز أخطبوطي العلاقات وفاعل، وشخصيا أعتبره أهم خزان أفكار في تاريخ الدولة الأردنية الحديث.
وأنا على زمالتي له ككاتب محترف أعتبر نفسي من قرائه المتابعين، وأحترم فيه رزانته الشخصية والفكرية واستقلاليته، وهذا بالنسبة لي كاف على المستوى الشخصي في الدفاع عنه، وهو الشخصية القوية القادرة على أن تفرض احترامها وتدافع عن نفسها وقد فعل الرجل ذلك في كل أزمته، و"أزماته".
الناشطة "ديما علم فراج"، التي لا أعرفها شخصياً ولا أتفق مع كثيرٍ مما تذهب إليه، وصفت تلك الأزمة بسخرية صادقة، أنها دامت خمسة أيام، مما يجعلها أكثر طولاً من معركة الكرامة نفسها التي دامت أقل من يوم.
لقد بدأتِ القصة بإدراج عريب الرنتاوي على صفحته على الفيسبوك مقال رأي لمركز القدس الذي يدير، والذي تناول قراءة ضيقة في مسارات الشأن الفلسطيني واستحضر تاريخ المنظمة، وحركة فتح تحديداً في معركة الكرامة، وكانت ملاحظته قاسية وناقدة لفتح وعرفات والمنظمة برمتها.
كما ذكر أن عرفات أخذ قراره بخوض معركة الكرامة، وهذا كله في سياق حديثه الفلسطيني الداخلي، وفعلياً "وتقنياً أدعي أنا ككاتب مقال" لم يكن هناك حديث عن معركة الكرامة نفسها، بل حديث عن قرار فتحاوي داخلي قرأ فيه عريب مفصلاً مهما في تاريخ ونقد حركة التحرير الفلسطينية "رحمها الله بواسع رحمته".
لقد غمز الرجل في ذات المقال وبسطر قصير جدا من زاوية "التمثيل الشرعي والوحيد للقضية الفلسطينية" والتي أراها أنا، أمّ النكبات في القضية. وعريب المولود بالمناسبة في سحاب من ضواحي عمان، هو ابن تلك الحركة في أوج تفرعاتها وفصائلها وتناقضاتها وقفزاتها القصيرة أو التي استخدم فيها "أبوعمار" الزانة الإقليمية للوثب العالي.
لكن، في الأردن، هناك حالة تثوير ممنهجة تحمل عدسات مكبرة تحدد بؤرة الحرق بدقة كل أسبوع تقريبا لتشعل الحرائق وتثير الجدل وتزيد من زوايا "التخندق"، وأجرؤ أن أقول: تحرج عمدا وقصدا الملك والعرش!
الهدف هذه المرة كان صيداً ثميناً، هو عريب الرنتاوي، والاستهداف أحرق برأيي الشخصي كل حضور موضوعي "محتمل بالحد الأدنى" للجنة الملكية للتطوير والتحديث، وخرج عريب الرنتاوي من اللجنة باستقالة مشرّفة أنقذته من كمين "الفصل" كما وأوقفته "بخوف أمني" عن الكتابة فيها جريدة الدستور التي يبلغ عمر عريب المهني فيها أكثر من قيادتها الثلاثية.
ومن خبرتي الشخصية وقراءتي للمشهد من الخارج فإن صوت عريب كإصلاحي نوعي وحقيقي سيكون الآن أكثر علواً وأكثر استماعاً من مجمل ضجيج اللجنة التي أستغرب ألا يستقيل منها (أو لا يحتج علناً على الأقل) من يحمل آراءً تتقاطع مع آراء عريب في قضايا الإصلاح والدولة المدنية والمؤسسات والقانون والمواطنة والدستور. وهي القضايا التي تعرضت لانتهاك فاضح بخروج عريب من اللجنة.
لقد كتب عريب الرنتاوي ما كتبه ولكن التصيد جاءه من "لاقطات حساسة" تجد في التخندق الإقليمي الضيق مساحاتها للظهور، وبدأت كرة الثلج تتدحرج كعادتها في الصيف الأردني، فتبدأ كملاحظة لاقطة تنتقد إغفال عريب ذكر دور الجيش العربي الأساسي في معركة الكرامة وقراءة "غبية أو خبيثة " لكن خاطئة لعريب بأنه يقرر أن ياسر عرفات هو من اتخذ قرار المعركة ضد إسرائيل عام ١٩٦٨، وتنتهي بأن عريب أهان شرف الجيش العربي" مع إضافات الوصف البلاغي لزيادة المؤثرات التحريضية مثل المصطفوي والهاشمي" وأنه أهان الأردنيين "المقصود طبعا شرق النهر" والعشائر "بحكم أن الجيش حكر عليها افتراضاً، لا مؤسسة دولة".
فعليا وعلى أرض الواقع، كنت أقرأ تحشيدا ضد الملك نفسه، لأني أعرف أن عريب الرنتاوي يتفق كثيراً، وكثيراً جداً مع ما ينادي به الملك في أحاديثه الخاصة، وأن عريب في مقالاته عن الإصلاح في الدولة كان الأفضل في تفسير الأوراق النقاشية حتى قبل أن تتم كتابتها، وهو المتهم، حتى اليوم، بأنه غريب "أو غربي" الانتماءات والولاءات، وأنا شخصيا أراه رجلا متخما بالتجربة الثرية التي عركته وعجنته في تاريخ الثورة الفلسطينية، ببعض ما لها وكل ما عليها، مثله مثل أردنيين "من شرق النهر" حملوا السلاح في بيروت كما حملوه في عمان، لكن عريب "مثله مثل أردنيين كثر" أدرك بقساوة ومرارة خيبة المشروع العرفاتي والفتحاوي والفصائلي، فألقى سلاحه وانضم طوعاً وبكل ثقل تجربته إلى مشروع الدولة الأردنية.
في الدولة الأردنية التي تدخل مئويتها الثانية بخطى مرتبكة ومتعثرة، لا تزال المعركة محتدمة بين الإصلاحيين (على اختلاف تفاصيلهم ورؤاهم ومدارسهم السياسية والاجتماعية) وبين خصومهم من مستفيدين ببقاء الوضع الراهن، بقيادة عقل أمني يشعر بخطر تآكل دوره في إدارة الحياة السياسية في الدولة، عندما تدار في إطار الدستور وضمن سيادة القانون، وبآلية المؤسسات، لا مزاجية الأشخاص.
أحب أن أعتبر نفسي من مطالبي الإصلاح، وهو معسكر أول شروط الانضمام إليه، الإيمان بمشروع الدولة تحت الدستور وضمن القانون، الدولة التي تسعى بعقل وازن ورشيد أن تعيد تشكيل نفسها، بإعادة صياغة الحياة السياسية ضمن تيارات تعكس رغبات وتطلعات أهم مكوناتها (المواطنون) فتنتهي إلى تفعيل الرؤية الدستورية، بمنطق النيابية التي تسبق الملكية الوراثية، ويكون رئيس وزرائها منتخباً برؤية برامجية، لا بمزاج اجتهادي غالبا ما يخطئ، أو بخضوع أمني دوما يخطئ.
هذا المعسكر يتطلب مني أنا المنحدر "بالصدفة القدرية" من سلالة عائلة شرق النهر، أن أخلع عباءة الانتماء الوجاهي والجغرافي والقبلي والعائلي وأتسلح بكل ما أملك من وعي، برؤية دولة المواطنة الدستورية على مسطرة القوانين التي لا يعلو عليها أحد، وهو معسكر يجمعني بعريب الرنتاوي وكثيرين "أكرههم أو أحبهم، فذلك لا يهم" وهو معسكر لا يمثل أقلية مكسورة بقدر ما يمثل طموحات أغلبية صامتة ومقهورة ويائسة، وآخرين من دونهم لا نعلمهم، يرزحون تحت ألم القهر الاقتصادي، غير مدركين أن قهرهم منبعه ببساطة أن أساس الدولة ألا يحدث ذلك كله.
الدولة التي نحلم بحضورها ليست مستحيلة التحقق، وهي رؤية واقعية تكاد تتجسد عند الملك نفسه في حديثه الذي سمعته منه شخصياً في قصر "الحسينية" وهو يحاور عريب الرنتاوي في فكرة حياة سياسية حزبية وبرلمانية قائمة على التعددية، وكانت متعة الاستماع إلى الحوار يومها مدهشة بين رأس الدولة والكاتب المفكر، دفاعا عن مشروع تلك الدولة.
دولة فيها الجيش له مكانته السامية كما هو في كل دولة تحترم مؤسستها العسكرية، لكن لا يتم جره إلى معارك سياسية هو أرفع منها كما أثبت دوماً بتاريخه. وما فعله المتشنجون العصبويون "وقد شعروا بدنو أجل مكاسبهم" أنهم أقحموا الجيش في معركة سياسية غير محترمة بتركيبتها.
وقد علمت من مصادر أثق بها أن جهاز استخبارات الجيش، أدرك برزانة، دون غيره من أجهزة الدولة، مآلات كل ذلك العبث، فتدخل (وتواصل واتصل) بهدوء شديد لا للتسويات، بل لتحييد الجيش عن ذلك كله.
لقد تعرض المواطن الأردني، والكاتب المثقف الثري بالمعرفة والوعي، عريب الرنتاوي إلى ما يتجاوز التنمر السياسي، لقد كانت هجمة تحاول خلق الردع والخوف والرعب في قلب كل من يحمل الرؤية الإصلاحية الجريئة، وكانت الشتائم والاتهامات الملفقة التي قرأتها، جارحة لي شخصياً وقد شعرت بأنني "مثل غيري في معسكر الإصلاح" مستهدفٌ بها.
ولعلي أختم بمشهد حضرته في حياة سابقة عشتها في الأردن في النصف الأول من الألفية وفي انتخابات الرئاسة الأميركية، عام ٢٠٠٤، تم دعوتي وزملاء صحفيين إلى جلسة حوارية لفهم أجواء الانتخابات في السفارة الأميركية في عمان، وكان المتحدث سياسياً أميركياً من قيادات الحزب الجمهوري.
وفي الاجتماع كان السياسي الأميركي يتحدث بعجرفة واضحة جداً، وبقسوة عن العراق وسياسات "جورج بوش الابن" آنذاك في المنطقة، وحين حاول عريب الرنتاوي مقاطعته زادت نسبة العجرفة الأميركية بالرد، فما كان من عريب إلا أن قاطعه بقسوة وحزم أشد، وبإنكليزية واثقة وغاضبة.
لقنه درساً في أصول الحوار المحترم واعتذر للباقين عن استكمال الحوار مع سياسي متعجرف كما وصف الرجل وأمامه، وانسحب عريب من الجلسة ووجدتني بتوافق صامت، وفرح طفولي بالانتصار المعنوي، أسير خلفه منسحباً أيضاً، ولا أعرف من انسحب فيما بعد، وبصراحة لا أتذكر من حضور ذلك اليوم إلا عريب الرنتاوي، الذي دعاني ونحن نخرج من مبنى السفارة إلى تناول فنجان قهوة في مكتبه فكانت باكورة اللقاءات والمعرفة والاحترام. تلك قصة مهمة عندي، لا أهدف من خلالها إلى الرد على ترهات "الويكليكس الأردني" الذي لا علاقة له بالويكليكس ولا التسريبات بقدر ما هو صناعة محلية "أمنية" رديئة المحتوى.
تلك التهم والتلفيقات والتجريحات التي ترفَّع عنها الأستاذ عريب الرنتاوي كما يليق برجل واثق من وعيه كما يجب، لكنه لم يخف وجعه، كما أسرَّ لي وأسمح لنفسي بالبوح الآن، حين قال له أحدهم: "يا غريب خليك أديب". تلك عبارة خنجرية اخترقت خاصرتي، وهي بحد ذاتها على كل انحطاطها، تلخص مسعانا بدولة يجب ألا يحدث فيها "ذلك كله".

