من يعيش في لبنان يدرك ويتحسس أن البلاد أمام نهاية
من يعيش في لبنان يدرك ويتحسس أن البلاد أمام نهاية

"تهريب البنزين من لبنان إلى سوريا فعل غير مُدان. لا بل هو مستحب ومطلوب"! بدأ مسار تقريب الفكرة إلينا يشق طريقه إلى القبول. رجل دين مقرب من حزب الله يلمح إلى ذلك، ثم يعود ويصوب قوله، إلا أن وظيفة التصويب طرح الفكرة واختبارها، ذاك أن في سوريا نظام معاقب من قبل أميركا والغرب، وفك الحصار عنه مهمة جليلة على قوى المقاومة المباشرة فيها، ومَنْ غير لبنان جدير بهذه المهمة.

والحال أن لبنان يؤدي هذه الوظيفة منذ اليوم الأول من الحصار، ولا يقتصر الأمر على مادة البنزين التي يدفع المودعون اللبنانيون قيمة دعمها من حساباتهم المجمدة في المصارف. الموانئ اللبنانية تتولى تعويض النظام في سوريا ما ألم به جراء مقاطعة السفن لموانئه، ومطار بيروت صار محطة ثابتة للطائرات المدنية السورية المتهربة من العقوبات الدولية، والعالم كله بدأ يتحسس ذلك وباشرت العقوبات بالوصول إلينا بوصفنا جزءاً من منظومة التفلت من العقوبات الدولية. أما الثمن الذي باشرنا بدفعه، فيتمثل بانضمامنا إلى هلال الدول المارقة صاحبة الحدود المفتوحة لأي خارج عن القانون. دولة لا قانون فيها يجزم بعدم شرعية السلاح، أي سلاح، وبعدم قانونية التهريب، وبضرورة الاكتراث لما يمليه وجود الدولة من التزامات حيال الدول الأخرى. دولة لا نعرف فيها من أرسل الكبتاغون من موانئها إلى اليونان وإلى السعودية، ومن المسؤول عن تحويل المرافئ إلى ملاذ للمهربين. كل هذا ليس مهماً طالما أن المهمة الوحيدة المنوطة بها هي الوفاء لأهل المحور والإخلاص لهم.

في لبنان ليس الفساد وحده محرك العجلة السياسية، بل العمل المافياوي أيضاً، ذاك أن كل عناصر المافيا متوفرة في تشكيلاتنا السياسية. التصدير يتقدمه الكبتاغون، والاستيراد يشمل مواداً متفجرة شطبت وجه المدينة في ليلة ظلماء، والاقتصاد صار جزءاً من دورة المراوغة على القوانين الدولية، والزراعة موظفة في خدمة شبكات التهريب. هذا ما يعنيه تماماً أن نكون حلقة في محور الممانعة، أما الوظيفة المعلنة لهذا المحور، والمتمثلة في الصمود في وجه "المشروع الامبريالي" فلا يبقى منها إلا ذلك الظهور الإعلامي لأمين عام الممانعة يشرح لنا فيه كيف أن حزب الله ليس جزءاً من منظومة الفساد وأنه يريد تشكيل الحكومة سريعاً، وأن المؤامرات هي وحدها من يصور بأن للحزب يد بكل ما يجري.

لا بأس علينا، ويجب أن نقبل بما كُتِب لنا من ليال مظلمة، فما نعيشه في لبنان هو تماماً ما يعنيه أن نكون رعايا هذا النموذج من الدول. لا شيء يمكن الاحتكام إليه إلا دفع الحقيقة عن أذهاننا والركون إلى المؤامرة. تصدير الكبتاغون مؤامرة وانفجار المرفأ مؤامرة وتهريب البنزين مؤامرة ومراكمة السياسيين الثروات في الخارج مؤامرة، وهذه كلها قد تنقلب في لحظة أخرى إلى ضرورات لا يستقيم دحض المؤامرة من دونها، وأي اقتراب من النظام الذي يحتضن كل هذه الموبقات سيكون محاولة للانقلاب على المقاومة ستواجه بالقتل وبالتخوين وبمعادلة شارع في مقابل شارع.

في لبنان لم يعد من مجال أمام النظام سوى بإشهار قبحه بوصفه قدراً على اللبنانيين قبوله كما هو. بالأمس أعلن جبران باسيل أن لا دليل على فساده الذي اتهمته به الإدارة الأميركية وبنت على أساسه العقوبات التي فرضتها عليه، وأنه لم يلجأ إلى القضاء الأميركي لدفع التهمة عن نفسه لأنه لا يملك القدرة المالية على الانفاق على هذه الدعوى القضائية! هذا التصريح خلف موجة من السخرية، وسمعت على أثره قهقهات اللبنانيين منبعثة من شرفات منازلهم. جبران يعرف أن ما قاله هراء لا يقنع أقرب الناس إليه، لكن هذا ليس مهماً، ولا قيمة تبادلية له طالما أن الحياة العامة جرى اختزالها بمعادلة المؤامرة، وطالما أن تهريب البنزين إلى سوريا هو فعل مقاوم.

من يعيش في لبنان يدرك ويتحسس أن البلاد أمام نهاية، وأمام زوال لا مفر منه، وأن الجهد الذهني منصب اليوم على ما بعد النهاية وما بعد الزوال. فنحن الآن حيال بلد بلا حدود وبلا اقتصاد وبلا حكومة وبلا قيم مجمع عليها. قد تجد من يرتاب بك لأنك طالبت بتحقيق شفاف بانفجار المرفأ، أو من يعتبر ضبط الحدود خيانة، وأن الدعوة للحياد عمالة. بلد منتظر من يأتي ليعلن النهاية ويشير على الناس بما عليهم أن يفعلوه في أعقابها. وهذا الفعل لن يقدم عليه أهل المحور طالما أنهم في موقع المستفيد من تعليقنا في هذا الفراغ الذي تشغله موبقاتهم. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.