Demonstrators take part in a protest following the death of Nizar Banat, a Palestinian parliamentary candidate who criticised…
هذا العمل الإجرامي يُعيد مسلسل الاغتيالات للشخصيات المعارضة المنحازة لحقوق الإنسان والشعوب

كلمات قليلة كتبها المعارض الفلسطيني نزار بنات على صفحته على منصات التواصل الاجتماعي كانت سببا كافيا لمقتله على يد الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

كان بنات مُعرّضا للتهديدات بسبب انتقاداته المتواصلة للسلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، ولكنه لم يدر بخلده أن الحروف التي كتبها عن صفقة أو فضيحة لقاحات كورونا التي وقعتها السلطة مع إسرائيل ستُنهي حياته، وستدق مسمارا جديدا في نعش السلطة المتهاوي قبل ذلك.

كتب بنات "فضحية اللقاحات ليست سلوكا جديدا، فهناك أشخاص متنفذون ومرتزقة في السلطة يريدون ترك البلاد خرابا قبل الخروج منها"، هذه الكلمات التي كشفت فضيحة اللقاحات التي أوشكت صلاحيتها على الانتهاء أثارت غضبا، وعلى ما يبدو فتحت "عش الدبابير" عليه؛ فكان الرد حاسما وفوريا أن داهمت قوة أمنية تضم 25 عنصرا فجرت أبواب بيته، واعتدت عليه بالضرب بالهراوات على رأسه، ولم تكتفِ بذلك، بل عرته من كل ملابسه ونقلته إلى جهة مجهولة.

وما هي إلا ساعات قليلة حتى شاع خبر وفاة بنات، ولم تستطع الحكومة الفلسطينية بتشكيلها لجنة تحقيق التنصل من الجريمة التي لاحقت أجهزة الأمن، وسلطت المؤسسات الحقوقية الضوء عليها حتى لا يفلت مرتكبوها من العقاب.

شعوان جبارين مدير مؤسسة الحق لحقوق الإنسان علّق الجرس، واعتبر وفاة بنات ليس حدثا عابرا، وإنما استمرار لحوادث مشابهة سُجلت على مدار السنوات الماضية، وفريد الأطرش عضو الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان وصف ما جرى بأنه يوم أسود في تاريخ الشعب الفلسطيني. 


ولم تسلم السلطة الفلسطينية من ملاحقة المؤسسات الدولية لهذه الجريمة، فطالبت منظمة العفو الدولية بتحقيق مستقل وشفاف، وأدانت "102" مؤسسة حقوقية فلسطينية وعربية قتل بنات، وانتهاك الأجهزة الأمنية للحق في التعبير والتجمع السلمي، واعتبرت هذه المؤسسات ما حدث "تصفية جسدية"، وهذا العمل الإجرامي يُعيد مسلسل الاغتيالات للشخصيات المعارضة المنحازة لحقوق الإنسان والشعوب.

وحتى الأمم المتحدة، والدول الكبرى دخلت على خط الأزمة، فالمنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام، تور وينسلاند، طالب بتحقيق فوري، مؤكدا أن الضحية توفي بعد تعرضه للضرب من الأمن الفلسطيني، أما أميركا وعلى لسان نيد برايس المتحدث باسم وزارة الخارجية، فقد أبدت انزعاجها، ودعت لضمان المساءلة والشفافية في التعامل مع القضية.

سحبت معركة "سيف القدس" التي خاضتها حركة حماس مع إسرائيل البساط من تحت أقدام السلطة الفلسطينية، وجاء مقتل نزار ليُفقدها مزيدا من الشرعية الشعبية، فخرجت التظاهرات والاحتجاجات التي تطالب بإسقاط السلطة، وبرحيل الرئيس محمود عباس عن الحكم.

لم يخرج الرئيس الفلسطيني، أبو مازن، معتذرا لشعبه عن جريمة ارتكبتها أجهزته الأمنية، وبالتأكيد لم يتنحَ عن كرسي الرئاسة، رغم أن آخر انتخابات أجريت كانت في عام 2005، ولهذا سرعان ما تداول النشطاء في فلسطين فيديو قديم للرئيس إبان "الربيع العربي" يؤكد أنه لو خرج الشعب بمظاهرات تُطالب برحيله لما بقي يوما واحدا في الحكم، لكنه الآن لم يفعل!

لا جدال أن السلطة الفلسطينية في مأزق، وشرعيتها تتآكل، وأن محاولات إنقاذها من الانهيار تحتاج إلى معجزة، وحتى الدعم الأميركي والأوروبي والعربي ما لم يقترن بمبادرة تُرسي وقائع جديدة، وتُحدث اختراقا حقيقيا في جدار عملية السلام الميتة، فإن محاولات إنقاذ السلطة لن تُجدي نفعا.

هذا ما تقوله استطلاعات الرأي، وليس الانطباعات المتولدة من حركة الشارع المنتفض، فالمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية يؤكد في آخر استطلاع أن 53 بالمئة من الفلسطينيين يرون أن حماس هي الأجدر بقيادة الشعب الفلسطيني، و70 بالمئة يرفضون قرار السلطة بتأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية، ويطالبون بإجراءاها رغما عن إسرائيل، و77 بالمئة ينظرون إلى أن حماس خرجت منتصرة في معركتها الأخيرة دفاعا عن القدس.


ما تكشفه استطلاعات الرأي عن تآكل شرعية الرئيس أبو مازن وضعف السلطة، تؤشر له صحيفة هآرتس في مقالة تحت عنوان "وضع عباس بائس وجيل قادم لا يؤمن به" كتبها شاؤول إريئيلي وأرنون رغولر، حيث يشيرون إلى أن الفعل العسكري في غزة سيقود إلى تقويض نهائي للسلطة ومكانة محمود عباس، وسيدفع للواجهة جيلا جديدا لا يؤمن بالتسوية مع إسرائيل.

كثيرة هي التابوهات التي سقطت بعد معركة "سيف القدس"، فقيادة حماس لم تتوقف عن حصد مزيد من المكتسبات والشرعية ليس في الداخل الفلسطيني فحسب، بل خارج حدود غزة المحاصرة، فقيادتها اليوم تُستقبل في العواصم العربية استقبال الأبطال، بعد أن كان الفيتو الأميركي إبان حكم الرئيس الأميركي السابق ترامب يُقيد حركتها، ويكاد يصيبها في مقتل بعد تمدد مسار التطبيع العربي.

المعادلات بعد معركة "سيف القدس" تغيرت، وموسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج يتحدث بكل ثقة أنه "لولا تعطيل الرئيس أبو مازن للانتخابات لمارس شعبنا حقه في اختيار ممثليه في المجلس الوطني، ولأصلح شعبنا منظمة التحرير وجعل منها منظمة حقيقية له لا شعارات فقط"، وهو هنا يراهن أن حماس كانت ستكتسح وستتصدر الانتخابات التشريعية، مما سيؤهلها لأن تحصد ما يماثله من عضوية في المجلس الوطني، وستكون أقرب للإطاحة بزعامة وحكم الرئيس أبو مازن.

في المقابل فإن الصراعات داخل فتح تترسخ، وربما تداعيات معركة القدس المستمرة، والعدوان على غزة عمّقت الجروح، وما لم تنتفض حركة فتح على قيادتها، وتُجبرها للعودة لصناديق الانتخاب كخيار وحيد للتوافق على قيادة شرعية فلسطينية جديدة، فإن كل الرهانات على الدعم الخارجي لإنقاذ السلطة ستبوء بالفشل، وستسقط مهما طال الوقت.

باختصار وعود الرئيس الأميركي بايدن بحل الدولتين لا تكفي لإنقاذ السلطة، وحتى سقوط نتانياهو، ومجيء حكومة إسرائيلية متطرفة ومراوغة لا يكفي أيضا، فأوراق الحل والحسم فلسطينية، والدمقرطة للسلطة، واجتثاث فسادها أول الخطوات وأهمها إذا ما ترافقتا مع صعود قيادة جديدة يتصدر لائحة أسمائها مثلا الأسير مروان البرغوثي، أو أي من الأسماء التي عُرفت بنضالها، ونزاهتها، ودفاعها عن قضيتها، لا المقايضة عليها في مزادات المجتمع الدولي.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.