"انتصار غزة" لا يمكن قياس الإنجازات التي تلته لأن مستوى معيشة فلسطينيي غزة سيكون بنفس مستوى سوء معيشتهم قبل "الانتصار"
"بفضل حركة حماس وغيرها من الجماعات أصبح قطاع غزة مكانا غير صالح للحياة وسوف يظل كذلك وربما أسوأ"

لبنان بلد منكوب وقطاع غزة منطقة منكوبة وكذلك سورية وإيران واليمن وهناك بلدان ومناطق شبه منكوبة مثل العراق والأردن والضفة الغربية. ما الذي يجمع بين هذه البلدان؟ هو شيء واحد: عقلية المقاومة والممانعة، أما الأمور الأخرى فهي مجرد تفاصيل.

هناك علاقة طردية ما بين هذه وتلك. فكلما ارتفع منسوب المقاومة والممانعة وغيرها من الشعارات "الخرنقعية"، كلما أسرع الخراب والدمار إلى هذه البلدان والمجتمعات.

ولو سألت ماذا يقاوم هؤلاء في نهاية الأمر، لما وجدت شيئا حقيقيا، وإنما هو التخفي وراء شعارات ودعايات مضللة من أجل السلطة والمال والنفوذ ولا شيء غير ذلك. بينما المقاومة الحقيقية هي إصلاح الإنسان، ومقاومة الفساد والطغيان السياسي والاستبداد الديني وانهيار منظومة الأخلاق والتجهيل وانتهاك حقوق المرأة والطفل والأقليات والمخالفين في الرأي والمعتقد.

المقاومة الحقيقية هي التي تكرس ثقافة الحياة وليس ثقافة الموت واستغلال المعاناة. وهي التي تغرس ثقافة الصدق والاستقامة واحترام القانون بدلا من ثقافة الكذب والتدليس والمراوغة.

هذا النوع من المقاومة لا يجد له الإنسان أي أثر في تلك البلدان. بل هو من النوع المحظور الذي يقتل الناس إن هم حاولوا أن يطالبوا به أو يدعوا إليه.

لا يمكن أن تكون مقاومة حقيقية تلك التي تضحي بالإنسان الحالي من أجل إنسان متخيل في المستقبل، أو تهمل الواقع الحالي من أجل آخر لا يزال في رحم الغيب. هذه مجرد خدع نفسية وأيديولوجية يستخدمها النرجسيون والمسكونون بجنون العظمة من أجل تحويل الناس الحاليين إلى حطب نار ووقود من أجل مشاريعهم وعقائدهم الفاسدة.

بالضبط مثلما فعل هتلر، حينما جعل من الألمان حطبا لنار جنونه وأوهامه التي انتهت بمقتل ملايين منهم ومن غيرهم، ودمار ألمانيا. وكان أمام الألمان بعد الحرب العالمية الثانية خياران: إما العيش في نفس الثقافة التي أنتجت هتلر ورفعها هو إلى مصاف هوية الأمة، أي ثقافة المظلومية والضحية وأن الأوروبيين اقتطعوا أجزاء من أراضي ألمانيا وتآمروا ضدها، وإما القطيعة مع كل ذلك، وبدء صفحة جديدة، خالية من الثأر والانتقام والكراهية والرغبة في إعادة أمجاد الماضي.

من حسن حظ الألمان أن الولايات المتحدة كانت إلى جانبهم وهي التي ساعدتهم على الخروج من النفق المظلم وبناء دولة عصرية بنظام ديمقراطي ودستور متقدم وعقلية متقبلة للآخر.

ولست أشك بأن الولايات المتحدة راغبة في مساعدة الدول العربية والإسلامية المنكوبة على الخروج من أزماتها، لكن المشكلة هي أن هذه الدول لا تزال مصرة على العيش في فقاعة المقاومة والممانعة. والأرجح أنها ستظل في هذه الوضعية إلى ما شاء الله.
بالطبع فإن النموذج الألماني له وضعيته وظروفه وسياقاته، لكن المغزى يظل نفسه بالنسبة لأية منطقة في العالم وهو القدرة على الاختيار: إما التمسك بالأفكار والتصورات والاعتقادات التي لا تعمل وثبت عقمها وضررها، أو خلق أفكار وتصورات واعتقادات وطرق حياة جديدة.

ولنأخذ قطاع غزة على سبيل المثال. يقال بأن غزة محاصرة وهذا صحيح، فإسرائيل وكذلك مصر تعملان على تنظيم علاقة هذا القطاع بالعالم الخارجي.

ولكن ما هو سبب هذا الحصار؟ إسرائيل انسحبت من قطاع غزة عام 2005 وسلمت إدارته للسلطة الفلسطينية، لكن هذا القطاع تحول في عام 2007 إلى إمارة إسلامية تحت سيطرة حركة حماس، وبات مأوى كبيرا لمختلف الجماعات الإرهابية وأصبح غالبية سكانه مثل الرهائن في أيدي هؤلاء.

لو رفعت إسرائيل حصارها عن القطاع ولو تخلت عن جميع القيود التي تفرضها عليه، لاجتاحت جحافل الإرهاب مدنها وشوارعها، ولشاهدنا عودة العمليات الانتحارية والمفخخات والهجمات المسلحة التي تطرب لها قناة الجزيرة.

في المقابل لو أعطي قطاع غزة لشركة دولية كي تديره، بدلا من حماس، وترك لها حرية التصرف الكامل، لتحول القطاع في غضون سنوات قليلة إلى سنغافورة أخرى تنافس المناطق الإسرائيلية المجاورة في تقدمها وازدهارها ولانتقل سكانه الطيبون من فاقة العوز والحرمان والبطالة إلى رحاب الحياة الحرة الكريمة.

لكنه بفضل حركة حماس وغيرها من الجماعات أصبح مكانا غير صالح للحياة وسوف يظل كذلك وربما أسوأ.

والحال أن الجماعات الإرهابية لا تصنع دولا أو تطور مجتمعات، هي مجرد أدوات للدمار والخراب والعبث بمصائر البشر.. وهي تفعل ذلك بعد أن تخدرهم بشعارات المقاومة والممانعة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.