فتاة الفستان أثارت جدلاً كبيراً في مصر وعبر شبكات التواصل الاجتماعي
فتاة الفستان أثارت جدلاً كبيراً في مصر وعبر شبكات التواصل الاجتماعي

أثارت قضية فتاة الفستان جدلاً كبيراً في مصر وعبر شبكات التواصل الاجتماعي. فقد كشفت الطالبة المصرية "حبيبة طارق" التي تدرس بالفرقة الثانية بكلية آداب جامعة طنطا، أنها تعرضت للتنمر من مراقبي الامتحانات نهاية العام الدراسي بسبب ارتدائها فستاناً بدلا من "البنطلون". 

وقالت حبيبة في تصريحات لوسائل إعلام محلية "دخلت إلى اللجنة وبعد تأديتي للامتحان، خرجت لاستلام بطاقتي فوجدت مراقبة، سألتني (انتى نسيتي تلبسي بنطلونك ولا إيه؟)"، مشيرة إلى أن المراقبين تمادوا في السخرية منها. 

وأضافت حبيبة طارق: "لم يكن فى رأسي أن هذا الكلام كله يخصني، أو أن كل هؤلاء ينظرون إلى بسبب فستاني، ولكن إحدى المراقبتين قالت لي.. إنتى نسيتى تلبسى بنطلونك ولا إيه؟!، وظلتا تتحدثان مع بعضهما البعض عني وأنا لم أر أي سبب للحديث عني بهذا الشكل، والمراقبتان واحدة كانت ترتدي النقاب والأخرى ترتدي الخمار، ووجهت إحداهما حديثها إلى الأخرى قائلة: دي مسلمة وقلعت الحجاب وقررت تبقى مش محترمة وقليلة الأدب وزمان كانت محجبة ومحترمة.. وأنا لم يكن فى مخيلتي فكرة عن هذا الهجوم ضدي."

وأحب أن أشكر هذه الفتاة الشجاعة ومن دعمها لأن قضيتها في حقيقة الأمر أثارت وأظهرت أمورا في غاية الأهمية تحدث في العالم الإسلامي وفي مصر. 

والأمر الأول هو كيف حول المتطرفون الإسلام من عبادة مخلصة لله إلى وسيلة للتدخل في حريات الآخرين. فقد أعطى المتطرفون وفقه التطرف الحق للمتشددين الدينيين أن يفرضوا فكرهم على الآخرين بعد أن يحكموا عليهم بأنهم ضالين بالرغم من وضوح القرآن أنه ليس من حق أحد أن يحاسب الآخرين أو أن يحكم عليهم (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ- سورة الأحقاف آية 9).

ومن الواضح هنا أن المتطرفين والمتطرفات يضربون عرض الحائط بآيات صريحة في القرآن تمنع إكراه الناس في الدين (لَآ إِكْرَاهَ فِي اٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ اٱلرُّشْدُ مِنَ اٱلْغي- سورة البقرة آية 256).

فعند هؤلاء حديث "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " هو أهم - بل وينسخ الآية المذكورة أي "يلغي حكمها" كما جاء في فقههم.

أما الأمر الثاني فقد أوضحت قضية فتاة الفستان  الدور الرائع للإنترنت في مقاومة التطرف. ففي لحظات كانت المشكلة منتشرة في جميع شبكات التواصل الاجتماعي مما أعطى الفرصة لم يدعمون "فتاة الفستان" أن يلقوا بظلال رأيهم - بل أقول بنور فكرهم - على الحدث مما أشعر الإسلاميين أن من يرفضونهم ويرفض أسلوبهم كثيرون.

والرائع في الأمر أن تعرض حبيبة للتنمر بسبب أنها لا ترتدي "الحجاب" أثار عند البعض ذكريات مصر الجميلة في الماضي حينما كانت أناقة المرأة وشياكتها جزءا من واقع مصر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي قبل ظهور ظاهرة الحجاب كجزء من الصحوة "الإخوانية" أو"السلفية" أو كما يحلو للبعض أن يسميها "الصحوة الإسلامية" فظهرت صور حبيبة بفستانها  الجميل والراقي في صور مصنوعة على  "فوتوشوب" بجانب سيدات مصر في عصورها الذهبية قبل ظهور صحوة التطرف والتعصب في أواخر السبعينيات من القرن الماضي.

أما الأمر الثالث في هذا السياق فقد أثارت قضية الفستان موضوع "الحجاب" مرة أخرى وكيف تم تحجيب مئات الملايين من النساء في العالم الإسلامي كجزء رئيسى من مخطط منظمة الإخوان المسلمون بالرغم من أن حديث الحجاب المشهور باسم حديث "الوجه والكفين" حديث مرسل رواه خالد بن دريك عن عائشة بالرغم أنه لم يرها مطلقاَ لأنه ولد بعد وفاتها.

ولذا فإن الحديث يعتبر ضعيفاً  تبعاً لعلم الحديث نفسه! وأظهرت قضية "حبيبة" كيف تحول الحكم على الآخرين من حكم على طباعهم ومدة رحمتهم بالآخرين ودرجة إنسانيتهم إلى تقييم للإنسان فقط بما يلبس.

وفي نهاية الأمر فإن قضية فتاة الفستان لم ولن تقف عند الفستان بل تعدتها لتظهر خللاً عميقاً في الفكر عند المتطرفين وانشقاق في المجتمع لابد أن يتم علاجه بعدة وسائل مثل التعليم وتطوير المفاهيم الدينية وتغير طرق التفكير المتسببة في التطرف.

وأخراً وليس آخرا ... شكراً لـ"فتاة الفستان" حبيبة طارق فقد أثارت بشجاعتها عدة أمور هامة تحتاج المجتمعات العربية بشدة إلى مناقشاتها في وقتنا الحالي!

وللحديث بقية

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.