وزير الخارجية الإسرائيلي ونظيره الإماراتي.
وزير الخارجية الإسرائيلي ونظيره الإماراتي.

زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى الإمارات العربية المتحدة هذا الأسبوع تعكس حجم وعمق التحولات السياسية والإقليمية التي هيأت لوصول يائير لبيد إلى أبوظبي، ولترسم خطوطا جيواستراتيجية جديدة في المنطقة.

الإمارات ليست الدولة الخليجية أو العربية الأولى التي يزورها مسؤول إسرائيلي، إذ سبق ذلك زيارات إسحق رابين وبنيامين نتانياهو إلى سلطنة عمان قبلا، وعدة إلى الأردن ومصر وبسبب معاهدة السلام مع كليهما، وإلى المغرب والبحرين كما هناك حديث عن زيارات سرية قام بها مسؤولون إسرائيليون لعواصم عربية أخرى. إنما محطة أبوظبي تتمايز عن سابقاتها بسبب الجو العلني الذي يصاحبها، والتغييرات الجمة التي طبعت العلاقة الإسرائيلية-الإماراتية منذ توقيع الاتفاق الإبراهيمي في سبتمبر الفائت.

على عكس اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في 1978 واتفاق السلام مع الأردن في 1994، لم يأت هؤلاء بمصالحة بين شعوب البلدين، لا بل كان بروتوكوليا مبنيا على مصالح ومساعدات ركيزة تلقتها الدول الثلاث من الولايات المتحدة فيما حال العداء لم تتلاش بين الشعوب. ما جرى مع الإمارات يعكس واقعا مختلفا تماما ويسهله بطبيعة الحال بين عدم وجود نزاع جغرافي وحدودي بين الجانبين. إذ تبع الاتفاق احتضان شعبي للعلاقات الإسرائيلية-الإماراتية، لناحية بدء الزيارات السياحية، تبادل سريع للسفراء والتعاون السينمائي والموسيقي وفي حقول التكنولوجيا بين الطرفين. 

هذا الاحتضان مبني على البعد الاستراتيجي لمقاربة البلدين للعلاقة بينهما وللصورة الإقليمية. فإقدام الإمارات ينسجم مع مقاربة مختلفة لأزمات المنطقة وبعد مراجعة لمواقفها من الصراع مع إسرائيل. فهناك قناعة إماراتية راسخة بأن أسلوب المواجهة العسكرية ضد إسرائيل فشل بشكل ذريع منذ العام 1948 وأن عسكرة النزاع زادت من الخسائر بعد حربي 1967 و1973 والانتفاضتين، من دون أن تعيد للفلسطينيين حقوقهم وأراضيهم.

هذه النظرة تتوازى معها قراءة مختلفة للتهديدات الاقليمية في القرن الواحد والعشرين عن تلك التي كانت بعد انهيار السلطة العثمانية وبعد مرور حقبة الانتداب ونشوء دولة إسرائيل في 1948. الصورة الجيوسياسية تغيرت إقليميا وداخل الإمارات التي شهدت داخليا نهوضا اقتصاديا وتكنولوجيا وأمنيا ما جعلها لاعبا اقتصاديا في العقدين الأخيرين وأعطى الاستقرار، تقوية الدولة المركزية، نبذ الاسلام السياسي والتطرف، والرخاء الاقتصادي أولوية في نهجها السياسي. 

في هكذا ملعب، إسرائيل ليست تهديدا للإمارات فيما دول أخرى مثل تركيا وإيران المنفتحة على الإسلام السياسي، لمد النفوذ الإقليمي تشكل تحديا لأبوظبي. 

وعليه، فإن قرار الانفتاح والسلام الكامل مع إسرائيل مبني أولا وأخيرا على أولوية الإمارات بطوي صفحة 1948 من دون التخلي عن حل الدولتين، وترسيخ خطوط اقليمية جديدة. فاليوم هناك تعاون خليجي-إسرائيلي يفوق التعاون الخليجي-التركي إذا أخذنا بعين الاعتبار مواقف البحرين والإمارات والسعودية من أنقرة، وطبعا يفوق أي واقع بين دول الخليج وإيران. في مقابل ذلك، هناك محور إيران المرتكز على ميليشيات تقودها من مأرب إلى غزة، ومحور تركيا المبني أيضا على تحالفات سياسية وعسكرية وأوراق اقتصادية تستخدمها أنقرة ببراعة في الإقليم.

بالنسبة للبيد، فهو ضيف حضوره ألطف من نتانياهو الذي سرب أربع مرات بأنه سيزور الإمارات وجرى قطع الطريق أمامه. فلبيد لا يحمل صعوده السياسي الخلفية المعادية للسلام التي أوصلت نتانياهو فوق جثة رابين في 1996 إلى الحكم، ووزير الخارجية الجديد كان صاحب مواقف تنبذ العنصرية والاعتداءات ضد العرب والفلسطينيين داخل إسرائيل في مايو الفائت. استراتيجيا، هذا التحول هو مكسب واضح لإسرائيل كونه يمنح تل أبيب اعترافا إقليميا ويزيد من عزلة السلطة الفلسطينية التي دخلت في مواجهة مع الشباب الفلسطيني لانتقادهم رئيسها محمود عباس. 

أميركيا، زيارة لابيد الإمارات تسجل له نقاطا مع إدارة جوزيف بايدن كما تفيد أبوظبي في علاقتها مع الفريق الجديد. وهي ترسخ توجه واشنطن بعيدا عن الشرق الأوسط وباتجاه آسيا، وتبني نوع من الاستمرارية في نهجها هناك بدعم اتفاقات السلام بين إسرائيل والعرب وضمان بعض الوجود العسكري في المنطقة، ومنع التسلح النووي.

زيارة لبيد تفتح أفق تعاون أكبر وفوق الطاولة مع أبوظبي وتطوي على الأقل خليجيا صفحة ما بعد 1948 بين هذه الدول وإسرائيل، بدخول مرحلة التعاطي المشترك مع تهديدات مشتركة لهؤلاء مثل إيران بغض النظر عما سيؤول إليه الملف الفلسطيني.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.