ناخبة تدلي بصوتها في انتخابات  المغرب (أرشيفية)
ناخبة تدلي بصوتها في انتخابات المغرب (أرشيفية)

كلما اقتربت مواعيد الانتخابات في المغرب كثر الحديث والكلام عن العزوف الانتخابي. فالناخبون المسجلون في القوائم الانتخابية المحصورة من قبل وزارة الداخلية، لا يذهبون للإدلاء بأصواتهم في يوم الاقتراع. لكن العملية الانتخابية تمر بسلام، ويتم النفخ دائما في نسبة المشاركة. 

العزوف يسبب قلقا مستمرا للمسؤولين في البلاد وللأحزاب السياسية المشاركة في اللعبة الديمقراطية. بل بلغ الأمر مرة بأحد قادة الأحزاب أن طالب بفرض عقوبات مالية ضد من ينأون بأنفسهم عن الذهاب إلى مكاتب الاقتراع، واقترح إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مبلغ 500 درهم (حوالي 60 دولار)عقوبة مالية لــ "المتهرب" من التصويت. 

لكن جميع الأساليب التي جربت حتى اليوم لإقناع المواطنين بضرورة التراجع عن عزوفهم الانتخابي فشلت، وهي أساليب متشابهة شكلا ومضمونا. كما أن المرشحين الذين يقدمون رشاوى للناخبين من أجل كسب أصواتهم يفاجأون بأن فلوسهم ذهبت سدى، فالناس تأخذ الفلوس ولا تفي بالتزامها بأنهم سيصوتون لمن منحهم الورقة "الزرقاء"، ويسمونها "الزَّرْقلافْ"، وهي الورقة النقدية من فئة 200 درهم (حوالي 25 دولار). علما أن بورصة الرشوة الانتخابية تتفاوت بين مرشح وآخر. وضمن هذا الإطار تروج بين المواطنين قصص وحكايات ونكت وتعابير زجلية مع رسومات تسخر من الانتخابات ومن الأحزاب ومن مرشحيها الانتهازيين. 

أحزاب أخرى تشجع الناخبين على أخذ "الزَّرْقلافْ" والأكل في الولائم الانتخابية التي يفوق بذخها أعراس الأغنياء، ويقترحون عليهم معاقبة المرشحين الانتهازيين، من يستصغرون الشعب البسيط ويستغلون فقره وحاجته، مستهدفين بطنه:  

"- أينما وجدتهم الوليمة والورقة النقدية لا تتردوا في قبولها، لكن لا تنسوا التصويت على شعارنا الانتخابي"... 

أو تجد مرشحين في نهاية الولائم الانتخابية يحجزون ضيوفهم لحلف اليمين، وإلزام الناخب المرتشي أداء القسم على المصحف: 

"- لا تنسوا أنكم أديتم القسم وستحاسبون غدا أمام الله عز وجل إذا لم تفوا بالعهد. إن  حبات الطعام الذي قدمناه لكم ستقف في مفاصل ركبكم".  

بمثل هذا الأسلوب المضلل قد يضمنون الولاء الانتخابي، خاصة أن الوازع الديني منتشر بشدة وبشكل واسع بين الطبقات الشعبية الفقيرة.  

غياب الإبداع السياسي: 

ليس هناك إبداع وتجديد في اللعبة الديمقراطية، التي أساسها الانتخابات. نفس الشعارات والوجوه ذاتها، ونفس اللغة والمفردات والقاموس. لذلك لا غرابة إذا أجابك من التقيهم وسألتهم عن رأيهم بصدد الانتخابات من دون تردد وبيقينية بأنهم سوف لن يذهبوا لمكاتب التصويت يوم الاقتراع.  

ومن التعابير التي تتداول بين المواطنين: 

(- زهقنا من هذه اللعبة الممجوجة.  إن المرشحين يعدون ولا يفون. منذ عقود ونحن هنا نتابع كيف اغتنى أكثر من منتخب مر علينا على حسابنا. كلهم كذابون وانتهازيون...). 

وسيعترف لك عدد آخر من الشباب والكهول بأنهم لم يذهبوا مرة في حياتهم للمشاركة في الانتخابات. 

 أما لحسن سين (54 سنة)، وهو سائق تاكسي بالدار البيضاء، فتطلع مليا إلى الزبون الجالس جنبه في المقعد الأمامي قبل أن يجيبه على سؤاله: 

"- لم يسبق لي أن شاركت في الانتخابات إلا مرة واحدة ولن أكررها. وكانت لما وثقت بغباء في الخطاب الإسلامي لحزب العدالة والتنمية، لكن خاب الأمل مما رأيناه من هذا الحزب الذي افترسنا بخطاب ديني، يبدو لي أنهم فعلوا بنا ما هو أفظع وأخطر مما فعلته باقي الأحزاب عبر العقود والأعوام". ويزكي أحمد. ج. أستاذ بالتعليم الثانوي، رأي السائق: 

"لقد نجح كثير من قادة حزب العدالة والتنمية الإسلامي بممارساتهم في البروز كأشخاص فاسدين سياسيا وأخلاقيا، ناهيك عن عدم درايتهم بالتسيير وإدارة شؤون السياسية والاقتصادية للبلد". 

فشل الأحزاب من فشل النموذج التنموي: 

 لكن الأحزاب السياسية ماضية في حملتها الدعائية لحث الناس على التسجيل في القوائم الانتخابية، وتتسابق في حملات سابقة لأوانها، ورهانها الظاهر منكب على استقطاب العازفين، خصوصا من فئات الشباب للمشاركة في الانتخابات، الذين تتزايد أعدادهم باضطراد وصاروا يمثلون نسبة 40 في المئة من الكتلة الناخبة.  

بهذا الصدد تحاول الأحزاب أن تطور آليات تواصلها وتوحي بأنها تجدد دمائها. لكن الأزمة أكبر من الوصف لاتصالها بأزمة أكبر، يعيدها بعض المحللين السياسيين إلى الأدوار التي قامت بها الأجهزة في الدولة منذ عهد الحسن الثاني ومساعدوه، لا سيما كل من الوزراء أحمد رضا اغديرة والجنرال محمد أوفقير وإدريس البصري، في مخطط منهجي استهدف "إفساد النخب والحياة السياسية وتمييعها، بخلق أحزاب موالية واختراق أحزاب المعارضة وزرع الفتن الداخلية بها وتشجيع الانشقاقات، والتحكم في الخريطة السياسية". وكانت الحصيلة: انعدام الثقة في الأحزاب وفي الجدوى من العمل السياسي، كما تفيد دراسات ميدانية أصدرها أحمد الحليمي المندوب السامي للتخطيط. وهي دراسات مذهلة بأرقامها المخيفة: 70% لا يثقون في العمل السياسي، و5% فقط من يؤمنون بالعمل الحزبي. 

لذلك سبق للملك محمد السادس أن أشار إلى أن الأحزاب غدت "عقيمة وغير قادرة على إنتاج نخب وبرامج". قبل أن يعلن عن فشل النموذج التنموي في البلاد، وهو فشل يعني وفي السياق فشل الأحزاب أيضا، لكن هاته الأحزاب التي صفقت طويلا للخطاب الملكي، نسيت أن تدرك أنها ليست في موقف يمنحها مهمة التقييم والتصفيق. فالمشهد الحزبي منخور ويزداد تآكلا من الداخل، كما أفصح مرة نبيل بنعبد الله الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية.  

اتساع الفجوات: 

ما أن أطلت مواعيد الانتخابات التي ستجرى بعد أسابيع (سبتمبر 2021)، حتى انطلق السباق المحموم بين الهيئات الحزبية، وانتعش سوق "الترحال السياسي" بانتقال عدد من المنتخبين إلى أحزاب أخرى للترشح باسمها بدل أحزابهم الأولى التي سبق لهم الفوز باسمها في الانتخابات الماضية. كما انتعشت بورصة منح "التزكيات" بحثا عن كائنات انتخابية، مواصافاتها من الأعيان النافذين ومن الأثرياء ورجال أعمال، دون أية مراعاة لقواعد أخلاقية تستند على أسس الكفاءة والشفافية والمصداقية والنزاهة. ولا مجال للاستثناءات هنا، لقد أضحت أحزاب اليسار لا تختلف عن أحزاب اليمين، بعد أن تم إفراغ الشعارات النضالية من مضامينها، ليتحول المشهد السياسي إلى ما هو عليه اليوم من تشويه ومسخ. وبالتالي اتسعت الفجوة ما بين الأحزاب والمواطنين، وفي مقدمتهم فئات الشباب. وهي فجوة سياسية أكبر وأعمق لكون الأحزاب جزء من النظام. وهذا هو الأخطر. لذلك سيتواصل الغضب والاستياء الشعبي من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدنية. وسيستمر انتشار نعت الأحزاب بــ"الدكاكين السياسية" التي يسعى أصحابها إلى الاغتناء غير المشروع، وإلى سلطة المجالس الاستشارية والبرلمانية والوزارية بمباركة من النظام وبرضاه. 

تين وزعتر...!: 

في الأسبوع الماضي خرج مسؤول كبير في الدولة، هو عبد اللطيف الجواهري والي (مدير) بنك المغرب بتصريح مثير خلال مؤتمر صحافي ردا على سؤال: لماذا فقد المواطنون الثقة في السياسيين؟ فهاجم فيه الأحزاب، واصفا إياها بــ"الباكور والزعتر". (التين والزعتر). ما جعل الأحزاب الرئيسية تبدي استغرابها وتستبعد الجواهري عن الخوض في قضايا سياسية، وبكون تدخلة يساهم في تقوية العزوف الانتخابي، و"يزرع التشكيك في عمل الهيئات السياسية وقدرتها على أداء مهامها كاملة"، وفق ما جاء في تنديد حزب التجمع الوطني للأحرار. 

من جانبه، قام حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالرد على الهجوم الصادر عن عبد اللطيف الجواهري، رغم ما تسرب حول اعتذار هذا الأخير. ووصف تصريحات والي بنك المغرب بأنها "تعد من بقايا تيار كان موجودا في البلاد يعادي الأحزاب الوطنية ويعمل من أجل تهيء التربة لتقويض الديمقراطية وخلق شروط الانتكاسة، وهو توجه صار من الواضح أنه بلا راهنية ولا مستقبل". 

كما لم تتأخر تشكيلات حزبية أخرى عن الانضمام للغاضبين من الجواهري، من بينها حزب العدالة والتنمية الذي يقود حاليا التحالف الحكومي. 

في المقابل لقيت تصريحات عبد اللطيف الجواهري استقبالا حسنا من القواعد الشعبية ونشطاء مواقع التواصل، بل إن أحدهم احتج على تشبيه الجواهري، وطالبه بالاعتذار للتين وللزعتر. 

انفراط عقد اليسار: 

قبل أشهر من الانتخابات، اتهم عضو قيادي في الاتحاد الاشتراكي هو حسن نجمي، إدريس لشكر المسؤول الأول في الحزب بالمتاجرة في تزكيات الترشيح للانتخابات، وبكون "الاتحاد يطرد ويهمش المثقفين، وفي الآن ذاته يحتضن الانتهازيين والوصوليين والمنافقين". معتبرا أن "خطاب الاتحاد في عهد إدريس لشكر صار يتماهى مع خطاب الدولة تماما، ولم يعد في خطابه ما يميزه. وهذا الأمر بات عاما في المشهد السياسي المغربي ومشكلته أنه يمس بنبل ومصداقية ونزاهة العمل السياسي في بلادنا". لذلك بعد صعود إدريس لشكر إلى قيادة الاتحاد الاشتراكي كف العديد من المتتبعين والمحللين السياسيين على اعتبار الاتحاد الاشتراكي ضمن صفوف أحزاب اليسار. 

لكن بعض الأمل لدى جزء كبير من المتعاطفين مع اليسار، ظل قائما مع "فيدرالية اليسار الديمقراطي"، وهو تحالف ثلاثي لأحزاب معارضة، ذات منشأ بيولوجي واحد (تقريبا) من صلب الاتحاد الوطني/ الاشتراكي للقوات الشعبية (الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي والمؤتمر الوطني الاتحادي). وكان المرتقب أن يتقدم التحالف بلوائح موحدة في الانتخابات، قبل أن تفاجئ د. نبيلة منيب، الأمينة العامة للاشتراكي الموحد، الرأي العام بسحب توقيع حزبها من الاتفاق المشترك لخوض غمار الاستحقاقات الانتخابية من داخل تحالف الأحزاب اليسارية الثلاثة. 

 قرار وصف بالانفرادي، وقوبل بالرفض من قياديين بارزين في الاشتراكي الموحد. لكون منيب بقرارها "تهدم ما تم تحقيقها طيلة السنوات الماضية، وكان الهدف منه الاندماج بين الأحزاب الثلاثة في حزب يساري واحد". 

ويأتي هذا الخبر في خضم صراعات داخلية وسط الاشتراكي الموحد، كما يتزامن مع إصدار نداء أطلقه رحمان النوضة وعبد الغني القباج (معتقلان سياسيان سابقا من اليسار السبعيني)، وحصل على مجموعة من الإمضاءات، حيث دعا "النداء" إلى تجديد  قيادات قوى اليسار، طبقا لقوانين مؤتمراتها الداخلية. إذ أن "كثيرا من المناضلين أصبح اقتناعهم يزداد يوما بعد يوم بأن مستوى بعض قيادات قوى اليسار غير مرض". 

الخلاصة هي أن لا جديد في الساحة المشهدية للحياة الحزبية في المغرب. انتخابات تمضي وأخرى تأتي، ووجوه سياسية وكائنات انتخابية تتكرر وعزوف مستمر، ولا شيء يتغير في الأفق السياسي لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وبالتالي تستمر حالة الجمود الانتخابي منذرة بتعمق الأزمة أكثر. 

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.