بطل الفيلم إيفو الذي فقد ولده في الحرب ورفض مغادرة بيته مستمراً في صنع الصناديق الخشبية
بطل الفيلم إيفو الذي فقد ولده في الحرب ورفض مغادرة بيته مستمراً في صنع الصناديق الخشبية

أعظم الأفكار التي صاغتها البشرية ضمن أشكال أو نصوص أو حتى التي تبادلتها شفاهة، هي تلك التي ولدت من بيئتها بشروطها الظرفية والمكانية الخاصة، لكنها تمكنت عبر قوة أصالتها من كسر أطر خصوصيتها والتحرر منها لتصلح لجميع الهويات والجغرافيات والأزمنة، كمثل بذرة صالحة تؤتي ثمارها في ترب مختلفة، وهو ما منحها صفة الأفكار الخلاقة العابرة للحدود.

تتطابق هذه الصفة مع الفكرة الآسرة التي حملها الفيلم الأستوني الجورجي الذي حمل اسم (مندرين Tangerines) أو ما يعرف بثمرة اليوسفي أو يوسف أفندي عربياً. وهو فيلم من إنتاج 2013 لمؤلفه ومخرجه زازا أروشادزي، حصد في جولاته العالمية العديد من الجوائز القيمة، ورشح لجائزة أفضل فيلم أجنبي في حفل توزيع جوائز الأوسكار 87، كما تنافس مع الأفلام الخمسة التي رشحت لجائزة غولدن غلوب في دورتها الثانية والسبعين.

الفيلم الذي هدف إلى إيصال رسالة تتعلق بالخير الذي يمكن أن يفتح أبواب الغفران والمصالحة وصولاً إلى صنع السلام، لم يحصر معناه بمحدودية الرؤية الهادفة إلى إيقاف حرب أو نزاع بين دول أو جماعات أو أفراد فقط، بل شمل ماتقدم منطلقاً من شرطية الخطوة الشجاعة الأولى، وهي إمكانية صنع سلام النفس الداخلي للفرد أولاً وسط ظروف معقدة، القادر بالتالي على الانعكاس والـتأثير في المحيط المنغمس في العنف والاقتتال.

قدم المخرج قصته البسيطة التي تدور أحداثها خلال حرب أبخازيا 1992-1993، وهي الحرب التي دارت بين القوات الحكومية الجورجية والقوات الانفصالية الأبخازية  قبل وقت قصير من انهيار الاتحاد السوفياتي، ضمن بيئة أكثر بساطة تهيمن فيها الطبيعة الخصبة المهجورة من أهلها الفارين من الحرب، مانحاً الأرض معناها الوجداني والسامي رغم مجازفة التشبث بالبقاء فيها في ظروف غير مستقرة مشابهة.

بطله إيفو الذي فقد ولده في هذه الحرب ورفض مغادرة بيته مستمراً في صنع الصناديق الخشبية التي تساعد جاره في تعبئة المحصول الوفير الذي تطرحه أرض المندرين، لم يتوحش أو يفقد إنسانيته، بل سيبلور الصراع دوره داخله ليواجه مسؤولياته الأخلاقية التي ستلزمه واجب دفن القتلى من الجانبين والتأسف على مقتلهم ووصفهم بأسى شديد بالأولاد كدلالة على عبثية الحرب، وإنقاذ حياة اثنين منهما ورعايتهما كولدين له في بيته. 

الأول مسلم شيشاني مرتزق يقاتل لصالح القوات الأبخازية، والآخر جورجي مسيحي، سيجربان رغم إصابتيهما البالغتين نقل صراعهما إلى داخل بيت مضيفهما إيفو. عند هذه المواجهة التي تكشف خلفيتيهما وبعض تفاصيل الصراع، سيبرز دور لاعب السلام، صاحب الدار، الكريم والعطوف والحازم بشدة، الذي لن يلجم عنفهما ويطهر ما علق في روحيهما من آثام الحرب فقط، بل سيمنحهما بهدوء ودون مباشرة فرصة اكتشاف معنى رونق شبابهما الذي يمكن أن تهدره الحرب مجاناً كضحايا لها، ويحرضهما على تلمس مشاعر إنسانيتهما الغائبة، ليحولهما في نهاية المطاف إلى صديقين يدافع أحدهما عن الآخر.  

لو تم عرض مثل هذا الفيلم بفكرته النبيلة على أصحاب الصراعات-المختلفة في طبيعتها- التي تشهدها العديد من بقاع العالم، هل سيتأثرون ويذرفون الدموع ويعلنون توبتهم ثم يقبّلون شوارب بعضهم البعض ويسعون بجدية وندم إلى المصالحات وصولا إلى السلام؟. بالتأكيد لن يحدث مثل هذا الأمر الخيالي وهم في ذروة الاقتتال والعصبيات المختلفة، وفي الأساس لم يوجه الفيلم خطابه لصنّاع الحرب من الكبار، بل لضحاياها من المقاتلين والمدنيين معاً.
ومايتوقع أن يحدث، أو مايؤمل به من خلال تعميم مثل هذه الأفكار الداعية للسلام وتأثيرها، هو أن يقع في هوى بعض الأفراد السلميين الرافضين للانغماس في الحروب جملة وتفصيلاً، غير المتورطين بالاصطفاف مع أسباب أحد الجانبين القتالية، لكنهم بالوقت ذاته يمتلكون الحس الانساني القادر على التعاطف مع الضحايا، لإعادة حساباتهم وطرح  الأسئلة على أنفسهم من مثل:" ونحن، ماذا فعلنا؟".

سؤال أخلاقي يكمن جوابه في سلوكيات جميع الأفراد، وبشكل خاص شهود الحروب، الذين ربما حرضوا عن دون انتباه أو قصد بكلمة أو بموقف طرفاً ضد الآخر، بمثابة دعوة مفتوحة لتحمل مسؤولياتهم الانسانية وإعادة النظر والبدء في صنع سلامهم الداخلي، ثم الانطلاق منه عبر كل الوسائل المتاحة، لمساعدة الآخرين على صنع السلام الشامل والمستدام. 

صناعة هذا الفيلم بحد ذاته، وعرضه، وتعميمه، ومشاركته، والكتابة عنه، مهام تقع جميعاً ضمن هذا الواجب الأخلاقي والانساني وتخدم مناخات السلام الذي يفرض علينا كبشرية أن نصنعه ونخدمه بشتى الوسائل كلما استطعنا، مهما وقفت العوائق أمام مثل هذه المهمة، ومما بدا صعباً للساعين لأجله، ومهما تعثر أو بدا ضبابياً أو مستحيلاً إلى حين. 

لم يختر المخرج عنواناً لفيلمه من أحد مفردات الحرب التي تحدث عنها أو قومياتها أو طوائفها أو أي من أسماء أبطالها، بل أراد من اختيار اسم "مندرين" التذكير أن ثمار الحمضيات اليانعة والوفيرة التي ظلت معلقة على الأشجار رغم مقتل أصحابها، هي الشاهد الصامت النبيل والأزلي للبيئة التي يدمرها الأفراد بحروبهم وحماقاتهم، وصناع السلام وحدهم من يمكنهم جنيها وإنقاذها، وهو مافعله إيفو ببقائه، رغم رحيل الجميع عن المشهد.  

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.