برع بشار، باسم سلطته "الشرعية"، بزعم إيران وروسيا ، في بناء معسكرات تعذيب مثل سجن صيدنايا
برع بشار باسم سلطته "الشرعية" بزعم إيران وروسيا في بناء معسكرات تعذيب مثل سجن صيدنايا

حزب الله حزب متدين، يشهر عقيدة الحسين والإمام علي، المعروفان بدفاعهما عن الحق ولو كلفهما ذلك الاستشهاد. إنه حزب مقاوم لم يترك طريقا إلا وسلكها لتحرير القدس.

وهو فوق ذلك يحارب الإرهاب والدواعش وكل ما يهدد سلامة لبنان. لكنه لا يسمح للحرب  بأن تلغي فائض إنسانيته. لذا وضع خطاً أحمر أمام الجيش اللبناني الذي أراد القضاء على فتح الإسلام، إخوة داعش؛ بداعي الرأفة بأهالي مخيم نهر البارد!! ولذا ستغفرون تأمينه باصات مكيفة للداعشيين وعوائلهم لنقلهم من جرود عرسال إلى مقراتهم الآمنة في صحارى بشار الأسد.

إضافة لفعله المستحيل لتحرير سمير القنطار ولو تعرّض لبنان للدمار، فحقوق الإنسان مقدسة والفرد أساس الجماعة أليس كذلك؟

وهو يحفظ العهود، التي تناسبه طبعا، فأمام الخدمات والرعاية التي تلقاها من النظام السوري أيام الأب، وجب عليه أن يحمي خلفه. لذا ما كان يعقل أن يترك وريث الأسد فريسة رعاع وبلطجية ما سمي ثورة 2011 . فكان أن هبّ بشهامة للنجدة، إذ تراءى له أن المنتفضين إرهابيين وداعشيين. 

كل ذلك مسلمات قبلها جمهور واسع من اللبنانيين. فالأسد، طبيب عيون (حضرته)، مسالم وبدأ حكمه بربيع دمشق؛ وامرأته إنكليزية راقية؛ زهرة صحراء هبطت على حين غرة كقطرة ندى منعشة. وسوريا، قلب العروبة النابض، طالما ساهمت بمحاربة الإرهاب والاستبداد لدرجة فتح قنوات مع الشيطان الأكبر فقط لمحاربة صدام المستبد ولتسليم مطلوبين إرهابيين وشبكاتهم.

فوجب على الحزب الغرق حتى أذنيه في الحروب السورية. للضرورة أحكامها. 
إلى أن اندلعت ثورة 17 أكتوبر وتبعها انفجار المرفأ، فبدأت تظهر بعض الحقائق أمام أعين اللبنانيين الغافلين حتى حينها، لانشغالهم كأقليات بالبحث عمن يحتمون به للدفاع عنهم. والحزب شغله نجدة المظاليم.

فآخر نداء استغاثة، مغلف بالصداقة، باسم حقوق المسيحيين، وجّهه القائم بأعمال رئاسة الجمهورية جبران باسيل:" اليوم أستعين بصديق هو سماحة السيد حسن نصر الله ، أريده حكما وأمينا على الموضوع، لأنني أثق به وبصدقه وائتمنه على موضوع الحقوق... يا سيّد حسن أعرف أنك لا تخذل الحق، أنا جبران باسيل.. أقبل بما تقبل به أنت لنفسك". 

وكيل الجمهورية ألغاها ودستورها، وطلب "كشيخ ربعة" صغير، الحماية من شيخه الأكبر. لكن إياكم الظن أنها الذميّة بعينها، إنها ندّية الصداقة فقط.
علّق أحد الظرفاء: "معظم الشعب اللبناني يعتبر جبران باسيل إنسانا فاسدا وحرامي و و ، إلا زعيم أكبر حزب لبناني ديني مدّعي محاربة الفساد يعتبره صديقا".

وعلى نفس المنوال، معظم دول العالم ومعظم المواطنين العرب يعتبرون بشار الأسد ونظامه مجرم حرب وتعذيب وإبادة، إلا الحزب إياه وشيخه، يعتبره أكثر من صديق، إنه حليف.

كُتب الكثير عن نظام الأسد وتنكيله بالسوريين، وتكفي في هذا المجال آلاف الصور التي أخرجها قيصر وعلى أساسها نظمت عقوبات قانون قيصر. 
لكن للكتاب الحديث الذي أصدرته دار الجديد بعنوان "الفظيع وتمثيله"، خصوصيته. فلقد أهداه كاتبه، ياسين الحاج صالح، إلى زوجته سميرة التي خطفت وأخفيت مع رزان زيتونة، وإلى المغدور لقمان سليم الذي كان يعدّه للنشر. 

يقارن فيه الكاتب بين نظامي الأب والابن وخصوصية التعذيب فيهما. 
التعذيب هو فعل انتهاك عنيف يزيل الحدود كالاحتلال. تموت الضحية حين تفقد حدودها كلها مع العالم الخارجي. يمكن التمييز بين 3 أصناف من التعذيب و3 انتهاكات للحدود في سوريا: تعذيب استجوابي، تعذيب إذلالي، وتعذيب إبادي.

التعذيب التحقيقي ينتهك حدود المعذَّب، ويهدف إلى إثارة "حرب أهلية" في داخله، نزاع بين غريزة البقاء الفردي والتزامات الفرد حيال جماعة ما. الخيار بين تضحية المعذّب بنفسه أو بالآخرين. هذا ما كان يتعرض له أعضاء المنظمات السياسية المعارضة التي يريد النظام إبادتها كمنظمات دون إبادة أعضائها بالضرورة.

المقرات الأمنية التي تقوم بالاعتقال والتعذيب هي بمثابة مصانع. والمنتوج هو السلطة.

سبق لأغامبن أن ساءل التجارب البيوسياسية للرايخ الثالث في معتقلات التعذيب النازية: كيف توصلت الحياة لأن تصبح موضوعاً للسياسة؟ ما هي العلاقة بين السياسة والحياة، كي يصبح بالإمكان نزع كل قيمة عنها بواسطة قرارات سياسية؟  ذلك بسبب القيمة المعطاة للحياة بالتحديد.

ما يقترحه أغامبن يشكل استعادة لسؤال السلطة كما طرحه فوكو وإعادة تعريفها على مستويين مترابطين يتعلقان بنمط ممارسة السلطة وبنمط الاستيلاء عليها. فبرأيه ما يمنعنا من ضبط آلية عمل السلطة، هو تحديدا تقديمها تحت عنواني القانون والسيادة التي لا تطال الأفراد من الزاوية القانونية، لكنها تطال "الحياة عارية" بشكل خفي، فتعرّضها بواسطة السلطة الاستثنائية المفروضة للعنف بذريعة قراراتها السيادية التعسفية وتخضعها وتصنفها وتحدد قيمتها، جاعلة إياها بلا قيمة. فتمارس سلطتها السيادية على "الجسد البيو- بوليتيكي" لتحافظ على استمراريتها. 

برع بشار، باسم سلطته "الشرعية"، بزعم إيران وروسيا ، في بناء معسكرات تعذيب مثل سجن صيدنايا. القصد منه صنع ذاكرة لا تنسى، تتجاوز المعذَّب نفسه لردع وترهيب جميع السكان.

التعذيب بهذا المعنى أداة سياسية. سوريا الأسد هي دولة اعتقال وتعذيب منذ قيامها مطلع سبعينيات القرن العشرين. 

سجن صيدنايا هو معسكر اعتقال ومعسكر قتل في آن. السؤال الذي يثار في هذه الحالة لماذا يجري تعذيب وإذلال من يُرجّح أن يعدموا بعد حين؟

التعذيب في هذه الحالة موجه نحو الجلادين، بهدف إشراكهم في الانفصال التام عن المعذَّبين والتماهي التام بالقاتل. الغرض هو "التشريط" المناسب لمن يقومون بالإذلال كي يستطيعون القيام بما يفعلون، ولضمان تحولهم إلى محض معذِّبين. ما من شأنه اأن يشد وثاقهم بمن يوفر لهم الأجساد اللازمة للقيام بما هم مرصودون له.

يجب الحط من شأن المعذَّبين قبل قتلهم من أجل تخفيف الشعور بالذنب عند القاتل. علاقة التعذيب لا تقتصر على تفريغ المعذَّب من ذاتيته، بل هي تفرغ الجلاد أيضا، لانتصار وكالة التعذيب العامة: الدولة.

التعذيب علاقة ثلاثية: المعذَّب والمعذِّب ووكالة التعذيب. دولة سورية للتعذيب تمارس سلطتها منذ نصف قرن على الأجساد مباشرة، فتنزع ملكيتها من أصحابها وتبيحها لمديري وكالة  احتكار العنف "الشرعي"، التي لا تتطلع إلى غير البقاء في الحكم "إلى الأبد".

هذا هو النظام الذي يستميت من أجله شيعة الحسين الجدد ويميتون لبنان في سبيله وفي سبيل نصرة إيران توأم سوريا. والذي يستميت العهد للتطبيع معه.

وهذا هو النظام الذي تطلب روسيا من العرب إعادته إلى الجامعة العربية، لولا معارضة الإدارة الأميركية.  

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.