أعلام الدول العربية أمام مقر جامعة الدول العربية
أعلام الدول العربية أمام مقر جامعة الدول العربية

لم يكن العرب في يوم من الأيام "أمة واحدة"، لا في جاهليتهم الأولى، ولا في إسلامهم الأول، ولا في إسلامهم المتأخر، ولا في عصرهم الحديث. كانوا في جاهليتهم الأولى قبائلَ متناحرة، متمايزة في أمداء المكان، تتبادل ـ بالقتل والسلب والإفقار ـ جدلية الحضور والغياب، لا على سبيل التبادل المتشارِك، وإنما على سبيل الرؤية الذئبوية الافتراسية التي تصل بالإلغاء إلى غايته في ثنائية صارمة: إما قاتل أو مقتول، إما سالب أو مسلوب، إما سيّد مُتألّه "يَرِدُ الماءَ صفوا؛ ويرده غيرُه كدرا وطينا"، وإما عبد ذليل لذاك السيّد المُتأله، الذي هو "أخوه العربي" !  

وعندما أسلم العربُ، أو عندما استسلم أكثرهم ـ كارهين ـ للإسلام؛ لم يُوحّد الإسلامُ بينهم إلا في الظاهر، أي في المشهد العام الذي يبدو كخضوع للأمر الواقع: للسلطة المركزية ذات الطابع القبلي/ القرشي. فَمَن ينظر للصورة من بعيد، يجد "الجيش الإسلامي" يتحرك مُوَحَّدًا في هذا الميدان أو ذاك الميدان. ومن ينظر إلى الصورة من قريب، يجد هذا "الجيش الإسلامي" لا يشتغل إلا مُفَكّكا إلى قبائل، خاصة في اللحظات الحاسمة الفاصلة، أي عندما يصرخ قائدُ الجيش ساعة الخطر قائلا: تمايزوا أيها الناس؛ لِيُعْرَف بَلاءُ كُلِّ أحد، ولنعرف من أين نُؤتى. أي يطلب من القبائل المنتظمة في الجيش أن تستقل، وأن تكون كل واحدة منها في مكان خاص بها، ومقابل عدو محدد؛ ليدفعها الحماس القبلي إلى البلاء في القتال؛ استشعارا منها لقيمة القبيلة كوحدة مستقلة؛ إذ لم تستطع أن تستشعر قيمتها في الجيش الإسلامي الموحّد. 

قد يبدو غريبا ومستغربا أن "جيش المسلمين" لم يشتغل بأعلى كفاءته حال توحّده، بينما هو يشتغل حال تفككه إلى قبائل. لكن، من يقرأ ما خلف مشهد التوحّد الظاهري، التوحّد القسري؛ من فرقة أصيلة، عابرة للزمان، لا يستغرب ذلك؛ لأن العربي لا يعي نفسه إلا من خلال قبيلته أولا وأخيرا، ودخوله مشهدَ الوحدة العامة المتجاوزة لِمُكَوِّنه القَبَلي، يعني ـ في تصوره ـ أنه في سياق الوحدة العامة دخل مجالا مزيفا، وأنه خرج بهذا الدخول من الحقيقة (= تَمايُزِه وتَميّزه القبلي) إلى الباطل (= وجوده كفرد مقاتل في جيش الإسلام). وبهذا، فهو ـ حال الوحدة الظاهرية ـ يشعر أنه ليس هو، أنه في سياق لا يُؤمن به/ سياق باطل، وبالتالي؛ لا يستحق التضحية من أجله. بينما هو ـ حال التمايز القبلي ـ يشعر أنه في سياق يؤمن به/ سياق حق وحقيقة، وأن مجده في قبيلته، ومجد قبيلته بين القبائل، هما ما يستحق التضحية له بالنفس في ساحات القتال.

إن غياب الوحدة على مستوى التصور، كما على مستوى الواقع، يعني غياب الوحدة على مستوى الأحلام. حتى الانتصارات الكبرى الخارقة في عصر الفتوحات (ورغم كل ملامح الانتشاء العربي بها، ورغم تمدّد أيديولوجيا الدين الجديد كحقيقة مطلقة بقوة السلاح...إلخ)، لم تستطع مَحْوَ حقائق الافتراق الراسخة، بلا ولا حتى التقليل منها. ففي أشد فترات الزهو الإمبراطوري العربي/الإسلامي (= الوحدة المتوهمة)، كانت افتراقات وصراعات شهيرة: "المُضَرية"، و"القيسية"، و"الربيعية"، و"المَعدّية"، و"القحطانية"، ثم الفروع، من "تميمية"، و"أزدية"، و"بكرية"، و"أسدية"...إلخ، هي سيدة الأمر الواقع، وما سواها مجرد خيالات وادعاءات وشعارات، إن اشتعلت في هذا المنعطف التاريخي أو ذاك؛ فسرعان ما تنطفئ، تاركة لحقيقة الافتراق والتشرذم أن تأخذ مكانها في صدارة تاريخ العرب/ المسلمين.   

بعد الزمن الإمبراطوري: الراشدي، الأموي، العباسي، كشفت الحقيقةُ: حقيقةُ الافتراق/ الاختلاف عن نفسها في أكثر من مجال، بل وتردّت إلى حضيض اقتياتها اللصوصي على تخوم دُوَيْلات البويهيين والسلاجقة والمماليك. وعندما جاء الاستعمار التركي فإنه لم يستعمر أمة عربية واحدة، وإنما استعمر قبائل وحواضر قبلية عربية أو شبه عربية، إضافة إلى أقطار لشعوب استعمرتها قبائلُ العرب من قبل، ونسبتها إليها على سبيل الاحتلال ! وكذلك فعل الاستعمار الغربي الذي يَنسِبُ إليه العربُ المعاصرون "جريمة" افتراقهم، فهذا الاستعمار إنما احتل المحتل، واستعمر أقطارا مُفَكَكة منهكة، بل إنه أسهم في لملمتها، وتوحيد ما كان مقسما من هذه الأقطار. ولدي يقين أنه لولا الاستعمار الغربي الذي هَيْكَلَ ـ سياسيا/ إداريا واجتماعيا ـ كثيرا منها باستعماره؛ لكانت البلاد (المنسوبة عربيا بلسانها) ليست 21 دولة فقط، بل لكانت مئات الدول المتشظية المتصارعة التي لا تستطيع التأسيس حتى للحد الأدنى من هيكلها الإداري المستقل القادر على إدارة اليومي من شؤون الحياة والأحياء.

كل هذا يعني أن الأحلام المعلنة في شعارات "العرب" إبان الاحتلال/ الاستعمار، وفي مرحلة ما بعد الاستعمار، لم تكن إلا شعارات/ أحلام مصطنعة، على سبيل التوهم، أو على سبيل الزعم الكاذب. فذاك التقارب الذي فرضه المشترك اللغوي والتاريخي/ التراثي، إنما كان نوعا من الحلم بالائتلاف القبائلي/ الأقطاروي العربي، لا لأن ثمة إيمانا حقيقيا بهذا الائتلاف الذي يُراد له أن يجمع العراقي بالتونسي، والجزائري بالسوري، والمغربي باليمني...إلخ، وإنما نشأ الحلم تحت وقع حقيقة أن "المصائب يجمعن المُصَابينا". فكما أن مناهضة المصيبة/ الاستعمار الغربي انتظمت دول من أمريكا الجنوبية بدول من شرق آسيا ومن الشرق الأوسط ومن أفريقيا، فليس غريبا أن تجمع/ تُوَحِّد المتجاورين مكانيا، والمتشابهين لغويا ودينيا، دون أن يتعدى هذا التجمّع/ التوحّد لحظته الهامشية العابرة، المُسَبَّبَة بضرورة صَدّ العدو المشترك: الاستعمار الغربي.   
    
إن أولئك الذين قفزوا إلى السلطة في دول ما بعد الاستعمار: الاستقلال، رأوا أن من مصلحتهم استمرار ذلك الحلم (الظرفي الهامشي العابر المُسَبَّب بِسَببِه المباشر) فاعلا في أيديولوجيا الدولة المستقلة حديثا، ليتحول إلى حلم كبير يحمل إغواءً جماهيريا هائلا لأناس ليسوا أكثر من بقايا حطام تاريخ مسحوق. فمن رحم تلك اللحظة التاريخية الخَدُوج، تسلّل حلمُ "الوحدة العربية" الكاذب؛ ليتلقّفه "أرَاجُوزات الوهم القومي"؛ لا عن قناعة منهم به، فهم أول الكافرين به، وإنما عن قناعة منهم بعوائده ـ داخليا وخارجيا ـ في سياق التحريض الايديولوجي البيني لأحفاد "البسوس" و"داحس والغبراء". 

كان حُلم "الوحدة العربية" هو أكبر حلم، وهو ـ في الوقت نفسه ـ أكذب حلم. كان ـ على مستوى التوهم ـ حلمَ الأغلبية الساحقة من العرب، ولكنه ليس ـ على مستوى الحقيقة ـ حلمَ أحد من العرب !. والغريب أن هذا الحلم الكاذب كان يسقط باستمرار في كل تفاصيل التجربة الواقعية، منذ لحظة تشكله وإلى اليوم، وكان سقوطه أحيانا على نحو حاد وكارثي/ مأساوي، ومع هذا كان يتعزّز ـ شعاراتيا ـ باستمرار، وكأنه حقيقة متعالية لا علاقة لها بالواقع !

مؤخرا، وخاصة في عصر الإنترنت الذي صنع جيلا يقطع ـ إلى حد ما ـ مع أوهام الأجيال السابقة، تضاءل هذا الحلم الوحدوي، أو ارتد ـ في وعي الجيل الحالي ـ إلى حقيقة كونه مجرد حلم، مجرد شعار، مجرد مفردة لغوية منزوعة الدلالة، لا تُسْتخدم إلا لمجرد الالتهاء العابث ـ أو الهازئ ـ بها من هذا الطرف أو ذاك؛ لتأكيد معنى مضاد، مُتَضمّن في السخرية ومفارقاتها، أو ـ في لَهْوٍ ضَحِكُه مَشُوبٌ بِبُكَائه ! ـ لِتَأبِينِ عصرٍ كان مُتوهّجا بجنون المراهقة وسخافاتها وحماقاتها التي بقيت تتراءى ـ رغم كل ذلك ـ كـ"زمن جميل" ! 

يمكن القول إنه ابتداء من الهزيمة الساحقة الماحقة عام 1967م بدأت منظومة الأحلام العربية في "التحوّل"، و"التباين"، و"الاضمحلال". كما قلنا: اضمحل الحلم الوحدوي تدريجيا، وانفجرت فقاعته في السنوات العشرين الماضية. وكان هذا الاضمحلال ـ في جانب منه ـ نتيجة وعي بـ"تباين الأحلام"، بدأ يتشكّل على أنقاض ذلك الحلم الوحدوي. أقصد: بداية تشكّل وَعْي ذي طابع قُطْرِي/ دَولتي، بأن أحلام/ تطلّعات العراقي مثلا، تختلف عن أحلام/ تطلعات المغربي، وعن أحلام/ تطلعات العماني، وأحلام/ تطلعات كل واحد من هؤلاء تختلف عن أحلام/ تطلعات السوداني...إلخ. 

حتى "الحلم الديمقراطي" الذي بدا في بعض الفترات وكأنه حلم جامع، ليس هو الآن حلم الجميع في كل الأقطار، بل ولا هو حلم الجميع داخل القطر الواحد. حتى في الدول المتداخلة جغرافيا وعرقيا ثمة تباين شديد في الأحلام الرئيسة؛ نتيجة الاختلاف الشديد في الظروف. فأحلام الكويتي ليس منها: الحد الأدنى من الأمن الداخلي، ولا الحد الأدنى من الكهرباء، فهذا مُتَحقق في الواقع، بينما هي حلم العراقي في البلد المُجاوِر، في الوقت الذي ليست هي حلم المصري أو المغربي...إلخ أولئك المشتغلين بأحلام أخرى.

زيادة على كل ذلك، اتضح ـ في فترات كثيرة؛ طوال السنوات العشرين السابقة: سنوات الانكشاف بفعل عولمة الإعلام ـ ليس فقط أن أحلام هذا العربي تختلف اختلاف كبيرا عن أحلام ذلك العربي، وإنما أيضا، وبصورة صادمة أحيانا، أن أحلام هذا العربي تتضاد ـ مصلحيا ـ عن أحلام ذلك العربي. فإذا كان حلم الوحدة السياسية أو الاقتصادية يُراوِد مُخَيلّة هذا العربي، فإن ذاك العربي ليس فقط يستخف به كحلم، أو حتى يرفض الاقتناع به، بل إنه قد يعده حلما مضادا لمصلحته الخاصة. وهنا من الطبيعي أن يؤدي تصادم المصالح إلى تصادم الأحلام، والعكس صحيح. ما يعني في النهاية محدودية الطاقة المتضمّنة في الأحلام.      

أخيرا، من الملاحظ تسارع اتساع المسافة بين أحلام السلطة وأحلام الجماهير في العالم العربي. فإذا كانت سنوات المراهقة القومية ـ وباستنزاف واستغلال انتهازي مقصود لمشاعر الجماهير ـ هي سنوات تطابق الحلم الجماهيري مع الحلم السلطوي، فإن سنوات ما بعد هزيمة 1967م كانت هي سنوات انفصال الحلم الجماهيري عن الحلم السلطوي. 
وبهذا، لم تعد الأحلام في العالم العربي مُتعدّدة ومتنوعة بتعدّد وتنوّع واختلاف السلطات فيه فحسب، بل هي أيضا متعددة ومتنوعة بتعدد وتنوع واختلاف أطياف المُكَوّنات الاجتماعية التي يستحيل التقاؤها وتضافرها على حلم واحد؛ فما بالك بجملة من الأحلام المتكاثرة المتناثرة، التي هي ـ في حقيقتها ـ ليست أكثر من أوهام.
 

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.