في مقدمة الفيلم الوثائقي الشهير "The Life and Times of Donald Rumsfeld"، الذي يعرض سيرة وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد، وواحد من أهم صقور تيار المحافظين الجدد الأميركيين، حيث وافته المنية منذ أيام قليلة، في تلك المقدمة، يقوم الوزير بقراءة واحدة من أدق وأعمق وأعقد العبارات السياسية التي اشتهرت في الولايات المُتحدة وكامل الأدب السياسي العالمي خلال العقدين الماضيين.
يقول: "ثمة أشياء نعرفها، ونعرف أننا نعرفها، وثمة أشياء نعرفها، ولا نعرف أننا نعرفها، وثمة أشياء لا نعرفها، ونعرف أننا لا نعرفها، وثمة أشياء لا نعرفها ولا نعرف أننا لا نعرفها".
كانت تلك العبارة بمثابة آلية تفكير ومفتاح لسيرة حياة وأعمال وذهنية رامسفيلد، الشخص الذي بقي عضواً في نادي النخب الأميركية الحاكمة لقرابة نصف قرن كامل، منها مرتين وزيراً للدفاع، بفاصل ربع قرن بين كل مرة، وواحد من صناع سياسة وإيديولوجية "أميركا الإمبراطورية" والمنفذ الفعلي لتطلعاتها. حتى أن تلك العبارة جعلت رامسفيلد يُعنون مذكراته حسبها "The Unknown Known"/"المعروف المجهول".
قياساً لتلك العبارة، التي تختصر سيرة الوزير ومعه سيرة حيز زمني وسلوكي وفير من تاريخ الولايات المتحدة الأميركية الحديث، ومقارنة بمحصلة مشاريعه العالمية في لحظة رحيله، يبدو أن الربع الأخير منها فقط هو الذي صح، بالرغم من بُعدها المأساوي "ثمة أشياء لا نعرفها، ولا نعرف أننا لا نعرفها".
فبعد مرور عقدين من أحداث الحادي عشر من أيلول، والحروب الأميركية الشهيرة التي نُفذت بعدها، في أفغانستان والعراق، والتي صُنفت كتنفيذ عملي لسياسة "أميركا الإمبراطورية"، ثمة مشهد تراجيدي يختصر كل ذلك، وفي لحظة وفاة رامسفيلد نفسها.
فالقوات الأميركية تنسحب من أفغانستان باستعجال استثنائي، في مشهد يُعيد للأذهان لحظة الانسحاب السوفييتي من ذلك البلد عام 1989، أو ما شابهه من انسحاب أميركي من فيتنام. وفي وقت تقول الأنباء إن حركة طالبان المُتطرفة صارت تُسيطر على أكثر من ثُلث مساحة البلاد، بما في ذلك ثمانين مقاطعة إدارية من أصل 300 مقاطعة، وتُهدد بالوصول إلى العاصمة كابول قريباً، واقتلاع الحكومة المُنتخبة وكل مؤسساتها ومؤيديها وطبقاتها التي نمت خلال عقدين من "الهيمنة الأميركية".
على الدفة الأخرى، فإن فصائل الحشد الشعبي العراقية، التي تهاجم مصالح الولايات المُتحدة ومراكز وجودها في العراق كل يوم تقريباً، وتعلن صراحة عداءها ومناهضتها لـ"القيم الأميركية"، أو تلك التي تؤمن بها الولايات المُتحدة على الأقل، كالديمقراطية وحقوق النساء وفصل السلطات وسيادة القانون، ومع ذلك تنظم عرضاً عسكرياً احتفالياً، يحضره رئيس الوزراء، ويُصدر قرارات وأوامر عسكرية تتجاوز كل مؤسسات وشرائع حُكم البلاد، ويحذر من أي تجاوز لخياراتها السياسية والعسكرية. فالفصائل المذكورة، وبكل تلك الأفعال، هي النواة الصلبة للسلطة الفعلية في البلاد.
كان رامسفيلد، ومعه نُخبة حُكم أميركية مطابقة له في الإيديولوجية والسلوك والمنطق السياسي، هُم من أطلقوا الربع الأخير من العبارة السحرية "ثمة أشياء لا نعرفها، ولا نعرف أننا لا نعرفها"، وادعوا أنها قيمة عُليا في تطلعاتهم السياسية، لكن مزيجاً من سطوة القوة الأميركية مع الثقة الفائضة بالذات، وحضور استثنائي للمعتقدات الليبرالية الرسمية حول المشاريع والمجتمعات، جعلتهم الضحية الأولى لتلك "البداهة"، والطرف الأقل يقظة تجاه سحرها البالغ.
فالمثاليون الأميركيون، حيث كان رامسفيلد واحداً من أشهرهم، كانت تأخذهم أحلام إعادة تأسيس الدور الرسولي للولايات المُتحدة، بالذات الذي كان في أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم. فخلال سنوات قليلة من ذلكم العقدين، تمكنت الجيوش الأميركية من تحطيم "قوى الشر" الثلاث، في ألمانيا إيطاليا واليابان، وأسست مشاريع تاريخية سمحت بـ "دمقراطة" فضاءات واسعة من العالم، بالذات في أوروبا وشرق آسيا.
كان المثاليون الأميركيون مأخوذين بإعادة أمجاد من مثل تلك، لكنهم لم يكونوا يعرفون، ولا يعرفون أنهم لا يعرفون، أن البنية المجتمعية والذهنية والروحية والتاريخية التي ساندت تلك المغامرات الأميركية في كُل من ألمانيا وإيطاليا واليابان وكوريا، وسمحت لها بالنجاح، غير متوفرة بتاتاً في دول مثل أفغانستان والعراق وما يحيط بها من بلدان، بل ومضادة تماماً لمثل تلك التطلعات، في المدى المنظور على الأقل.
لا يتعلق الأمر بتوجه عنصري يرى الأمور في "جوهرانية المجتمعات" بل بمنظور موضوعي يعتبر التجارب التاريخية المديدة والمتراكمة نواة الوعي والشخصية الراهنة لأي جماعة أو مجتمع. فالشعوب الألمانية والإيطالية واليابانية، وبكل كبواتها الفظيعة في إنتاج الشموليات الفاشية وقتئذ، إلا أنها، وبالإضافة لذلك، كانت تنتمي لسلسلة عصور الأنوار والنهضة العلمية والمنتجات الفكرية العظيمة.
تلك المداخل التي لم تكن متوفرة في عوالم المغامرة الأميركية الثانية، مثل أفغانستان والعراق وما حولهما، وما كان للعقل الجمعي لجماعة المثاليين الأميركيين أن تُدرك مثل تلك البداهة، انسياقاً وراء عبارة مثالية أخرى "الإنسان هو الإنسان"، التي ربما تكون صحيحة تماماً في المجالات الحقوقية والبيولوجية، لكنها مُجرد خديعة لفظية ودعوة للاستفزاز في مجال علم الاجتماع السياسي.
فالمثاليون الأميركيون لم يكونوا يعرفون شيئاً عميقاً عن الروح العميقة للمجتمعات التي نفذوا مغامراتهم في جوانبها، ولم يكونوا يعرفون أنهم لا يعرفون. بل كانوا متأكدين بأن رؤيتهم الرسولية ستبهر كل متعامل معها، أياً كان وكيفما كان.
كذلك سمحت "سطوة القوة" لطبقة رامسفيلد السياسية والإيديولوجية بأن ينخدعوا، ولا ينتبهوا للربع الأخير من العبارة الساحرة المذكورة سابقاً.
كان الأميركيون يعرفون جيداً أن الدول المحيطة بأفغانستان لن تتهاون في التعاون فيما بينها من أجل تحطيم المشروع الأميركي هناك.
لكن إيمانهم بسطوة القوة التي يكتنزونها، كانت تدفعهم للاعتقاد بأن مساومة ما مع الإيرانيين بشأن أفغانستان هنا، أو إرسال رسالة تهديدية للنظام السوري عبر الوزير كولين باول وقتها من هناك، وبين الأمرين وضع أكياس الخش في رؤوس الجنود الأتراك الذين قُبض عليهم في العراق، سيدفع هذه الأنظمة السياسية للتعاون مع المشروع الأميركي، كما فعلت فرنسا وبريطانيا أبان الحرب العالمية الثانية، وأعادت تشييد عدوتيهما ألمانيا وإيطاليا عبر إنجاح المشروع الأميركي فيهما.
كان ذلك إيماناً "ساذجاً" بالقوة فحسب، وتحطيماً لكل معرفة وحقيقة خاصة بالأنظمة السياسية الشمولية في منطقتنا، المبنية والمفطورة على معتقدات فطرية مُطلقة، ترى في تحديث لأي نظام سياسي ما، مجرد عداء كلاني ومطلق لها.
لم يكن المثاليون الأميركيون يعرفون ذلك، ولم يكونوا يعرفون أنهم لا يعرفون، لكنها كانت سطوة القوة، التي تخادع كل معرفة.

