جانب من لقاء الرئيس الأميركي جو بايدن مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين
جانب من لقاء الرئيس الأميركي جو بايدن مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين

عندما التقى الرئيس بايدن بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في قمة جنيف في منتصف الشهر الماضي، كانت الهجمات السيبرانية من أبرز القضايا الخلافية التي أثارها الرئيس الأميركي، في مؤشر هام حول تغير طبيعة المواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية في القرن الحادي والعشرين، بعد انحسار المنافسة العسكرية النووية التي كانت تطغى على مثل هذه القمم خلال الحرب الباردة. 

وقال بايدن إنه قدم لبوتين قائمة بأسماء 16 قطاع أو صناعات محددة أو بنى تحتية حيوية من قطاع الطاقة إلى شبكات مياه الشفة  وغيرها التي يجب أن تبقى في مأمن من الهجمات السيبرانية. باين هدد بأنه إذا استمرت الهجمات ضد الأجهزة الأميركية الحكومية أو الشركات الخاصة من داخل الأراضي الروسية – من قراصنة حكوميين أو مجرمين عاديين – فإن الولايات المتحدة سوف ترد بالمثل إلكترونيا.  استخدم عبارة هجوم سيبراني كترجمة لعبارة cyber attack أو هجوم إلكتروني.

وجاءت قمة جنيف بعد أسابيع من تعرض قطاع الطاقة في الولايات المتحدة لأكبر هجوم الكتروني من نوعه وادى إلى تعطيل العمل في أحد  أطول خطوط أنابيب النفط في شرق الولايات المتحدةColonial Pipeline ما تسبب في رفع اسعار المحروقات، وخلق صفوف طويلة أمام محطات الوقود في عشرات الولايات الأميركية. وخلال عطلة عيد الاستقلال الأميركي، تعرضت آلاف الشركات الأميركية والعالمية لهجوم سيبراني بعد أن كشفت شركة Kaseya الأميركية التي توفر خدمات تكنولوجيا المعلومات لما وصفته "هجوما سايبيريا متقدما" ضد برامجها المصممة لرصد أجهزة الكومبيوتر، وقالت إنها أعلمت 40 شركة تتعامل معها تعرضت مباشرة لهذه الهجمات. ولكن بما أن برامج شركة Kaseya تستخدم في أكثر من 40 ألف شركة مختلفة، فقد طلبت من هذه الشركات تعطيل برامجها مؤقتا للانتهاء من التحقيقات. 

في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، طرأت تغييرات جديدة ونوعية على طبيعة الحرب بين الدول، وبين جماعات مسلحة أو إرهابية ودول أقوى منها بكثير عسكريا وتقنيا، ولكن هذه الدول لا تزال غير قادرة على تحصين نفسها كليا ضد الهجمات الإلكترونية، أو التقنيات المتطورة التي يمثلها الآن جيل جديد من الطائرات دون طيار، أو المسيرات ذات الحجم الصغير، والقادرة على التحليق لمسافات بعيدة ويتم توجيهها بدقة ضد أهداف عسكرية أو اقتصادية. 

في السنوات الماضية تعرضت الأجهزة الحكومية الأميركية، وأيضا شركات القطاع الخاص العملاقة لهجمات الكترونية فعالة قامت بها دول من مختلف الأحجام والقدرات، وأبرزها روسيا والصين، وكذلك كوريا الشمالية وإيران، ولكنها جميعها أقل تطورا من الولايات المتحدة في مجال القدرات السيبرانية. هذه الهجمات طالت وزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات وشركات الطيران، وشركات الطاقة، وشركات إلكترونية ضخمة مثل شركة سوني (التي تعرضت لهجوم الكتروني من قبل كوريا الشمالية لأنها انتجت ووزعت فيلما يسخر من زعيم كوريا الشمالية). أبرز هذه الهجمات هي التي تعرضت لها الولايات المتحدة من الناحية السياسية هي تلك التي استهدفت الحزب الديموقراطي الأميركي وشبكة اتصالاته خلال انتخابات الرئاسة في 2016 وأيضا في 2020.  

قبل أيام من الهجوم الإلكتروني الذي عّطل خط أنابيب Colonial Pipeline حذّر المسؤول السابق عن الأمن الالكتروني في وزارة الأمن القومي كريستوفر كريبز، من أن العالم  يتعرض الآن "إلى جائحة من نوع مختلف" وذلك في إشارة إلى البرامج الإلكترونية التي يستخدمها القراصنة لاقتحام أجهزة الكومبيوتر التي تستخدمها المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة والمصممة  لتلويث هذه الأجهزة أو تعطيلها مؤقتا إلى حين حصول القراصنة على الفدية المالية المطلوبة. وتعرف هذه البرامج ب ransomware . وانتشار هذه التقنيات الخطيرة في أيدي القراصنة الذين يملكون مهارات سيبرانية متفوقة، ( مثل العصابات الإلكترونية التي تنشط في روسيا بعلم الحكومة الروسية) وفي أيدي الحكومات المنافسة أو المعادية للولايات المتحدة، وضعف الدفاعات الإلكترونية وخاصة في الشركات العملاقة التي يملكها القطاع الخاص في الدول الرأسمالية، يعني أن القطاعات الرئيسية والمحورية لأكبر الاقتصاديات في العالم، معرضة  لسرطان القرصنة الإلكترونية. 

التقدم الإلكتروني النوعي للولايات المتحدة لا يعني بالضرورة أنها ستفوز بسهولة نسبية في أي مواجهة سيبرانية مع روسيا أو الصين، أو حتى ضد خصوم أضعف منها بكثير مثل كوريا الشمالية أو إيران. وهذا ما يفسر حتى الآن تردد الولايات المتحدة بالرد بشكل مماثل على الهجمات الإلكترونية الروسية ( إن كان من الحكومة في موسكو أو من القراصنة الآخرين). المحللون والأخصائيون يقولون إن الولايات المتحدة تشن هجمات سيبرانية ضد أهداف في روسيا، ولكنها لم تستهدف قطاعات محورية مثل قطاع الطاقة وما يتفرع عنه مثل المصافي وخطوط الأنابيب، لأنها لا تريد تعريض قطاع الطاقة على سبيل المثال في الولايات المتحدة لهجمات مضادة لأن قطاع الطاقة الأميركي لا تملكه الحكومة الأميركية بل الشركات الخاصة، وهذا يشمل مختلف الخدمات الحيوية مثل الطاقة الكهربائية وقطاع المواصلات وغيرها. ولذلك بعد كل هجوم تتعرض له الشركات الأميركية نرى أن الحكومة الأميركية تحض هذه الشركات على ضرورة تحصين وتطوير دفاعاتها الالكترونية ضد القراصنة في الخارج. القطاعات المحورية في روسيا والصين يملكها القطاع العام الحكومي والقادر بموجب قرارات مركزية رسمية على حمايتها. 

قدرة دول مثل كوريا الشمالية وإيران، وحتى جماعات وعصابات تنشط من مناطق غير خاضعة لسلطة مركزية قوية على شنّ هجمات الكترونية ضد أجهزة حكومية في الدول الغربية، أو شركات عالمية ضخمة، يعني أن هذه القدرات الإلكترونية أصبحت السلاح التخريبي الأفضل في أيدي "الضعفاء" في العالم، إن كانوا حكومات غير ديموقراطية، أو عصابات منظمة، في حربهم ضد الدول ذات الأنظمة الحكومية الديموقراطية والمفتوحة. هناك شركات أميركية وغربية عديدة تتعرض لابتزاز الكتروني، وتضطر لدفع الفدية دون أن تعلن عن ذلك. ولذلك ليس من الواضح ما هو الثمن الذي تدفعه هذه الشركات للقراصنة الإلكترونيين. وإذا لم تتوصل الدول الصناعية والمتطورة تقنيا إلى اتفاقات دولية لاحتواء هذا النوع الجديد من المعارك غير الدموية ولكن المكلفة كثيرا تقنيا وسياسيا، سوف تزداد حدة المواجهات والتوترات بين واشنطن وحلفائها الديموقراطيين من جهة والائتلاف الاوتوقراطي الذي تمثله روسيا والصين، والذي يواصل الرئيس بايدن التحذير من خطورته. 

وإضافة إلى التقنيات الإلكترونية الجديدة التي غيرت من طبيعة المواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا، فإن تطور تقنيات الطائرات دون طيار والمسيرات الجديدة، التي لم تكن متوفرة قبل عقدين من الزمن خارج الولايات المتحدة، غيّر من طبيعة العمليات العسكرية في الحروب الأخيرة. وأفضل تعبير عن ذلك كانت الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، والتي شهدت استخداما مكثفا، للطائرات دون طيار وغيرها من المسيرات، وعلى الأخص من قبل أذربيجان، الأمر الذي أدى إلى انتصارها في هذه الحرب بعد أن استثمرت مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة على شراء هذه الطائرات والمسيرات من تركيا. وكانت تركيا في العقد الماضي قد طورت طائرات دون طيار من بينها طائرات مسلحة بالمدافع الرشاشة، وليس فقط بالصواريخ، واستخدمتها بفعالية في سوريا وليبيا. وكان أول استخدام فعال وجديد للطائرات دون طيار، من قبل الولايات المتحدة ضد التنظيمات الإرهابية وخاصة تنظيم القاعدة في أعقاب هجمات أيلول الإرهابية في 2001. الآن هناك عشرات من الدول التي تطور هذه الطائرات والمسيرات. 

استخدمت إيران طائرات دون طيار من صنع محلي في قصفها لمنشآت النفط السعودية في أبقيق في سبتمبر 2019. كما يستخدم الحوثيون في معاركهم ضد السعودية طائرات دون طيار ومسيرات  (إضافة إلى الصواريخ الباليستية غير الدقيقة) تزودهم بها إيران، ضد أهداف سعودية مدنية واقتصادية . بطاريات الصواريخ المضادة للصواريخ من طراز باتريوت التي نشرتها الولايات المتحدة في السعودية، ليست مصممة للتصدي لمثل هذه الطائرات والمسيرات التي تحلق على علو منخفض. خلال الأسابيع الماضية سحبت الولايات المتحدة عتادا عسكريا  من العراق والسعودية بما في ذلك بطاريات صواريخ باتريوت، لأن المواقع العسكرية الأميركية في العراق تعرضت مؤخرا لهجمات من قبل مسيرات أطلقتها الميليشيات التي تمولها وتسلحها إيران، بعد أن اكتشف الأميركيون أن هذه المسيرات مزودة بتقنيات حديثة زادت من دقتها في ضرب اهدافها.  

في السنوات الاخيرة لم تعد إسرائيل الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تصنع طائرات دون طيار متقدمة للغاية، بل ايضا تركيا وإيران . إيران زودت الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان بمثل هذه التقنيات. هذه التقنيات الحديثة، حين تضاف إلى الصواريخ التي يملكها حزب الله، أو تنظيم الحوثيين في اليمن، والصواريخ القصيرة المدى والبدائية التي تصنعها حركة حماس في غزة، أو تحصل عليها من إيران، يظهر أن هذه التقنيات تعزز كثيرا من قدرة هذه التنظيمات غير الحكومية أو الإرهابية على الدخول في معارك غير متكافئة مع دول تملك ترسانات عسكرية كبيرة، ولكنها قادرة على تحييد هذه الترسانات الكبيرة، كما هو الحال في المواجهات بين الحوثيين، ومن ورائهم إيران، والسعودية التي تملك ترسانة عسكرية ضخمة. صواريخ  ومسيرات الحوثيين وحماس، قد لا تحقق انتصارات عسكرية هامة ضد السعودية أو اسرائيل، الإ أنها ستزداد فعالية مع مرور الوقت وتصبح أكثر دقة بحيث تقلص من نوعية الأسلحة التقليدية التي تملكها الدول، وسوف تغير من طبيعة الحروب والمواجهات بين تنظيمات عسكرية غير حكومية أو إرهابية ودول تملك قدرات عسكرية كبيرة.  ومن المرجح أن تؤدي هذه التقنيات الجديدة إلى إلغاء تكتيكات أو أنظمة عسكرية تقليدية، وتغيير وجه الحرب في القرن الحادي والعشرين.   

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.