لبنان - رفيق الحريري - السعودية
"الدعم السعودي والخليجي للبنان كان مدفوعاً بأبعاد عاطفية معنوية تتجاوز المصلحة المادية"

كلام أنقله، بالمعنى من الذاكرة لا بالحرف، من أحد الشيوخ من الوجهاء الخليجيين، سمعته منه قبل قرابة العقد من الزمن: "للبنان مكانة خاصة في قلوبنا، نحن الجيل الذي شهد انتقال بلادنا من الشظف إلى الرخاء. أوطاننا كان فيها القليل، بادية، صحراء، تنمية في أول عهدها، ومجرد براعم للازدهار. لبنان في طفولتنا كان صناديق الفواكه الشهية التي تصلنا مع أولى الطائرات. ثم كانت رحلاتنا خارج ديارنا، إليه قبل غيره، للاصطياف، للطبابة، للدراسة. ما شهدناه هناك لم يكن مألوفاً أو متوقعاً لنا كأطفال. جبال وتلال خضراء، أشجار وأنهار، وناس تطفح بالأناقة واللطف والجمال. كل هذا ما كان معتاداً في حياتنا اليومية، ولكنه كان يحاكي ما يحدثنا به أهلنا عن جنان الخلد. لبنان كان لنا جنة من هذه الجنان".

أن يوشك الجيل الذي شهد لبنان كجنة من الجنان أن ينقضي هي سنّة الحياة. في لبنان من يحفظ لهذا الجيل مودّة توازي العطف الذي أبداه تجاه لبنان في محنته التي ابتدأت متخفية عام 1969، ثم انفجرت عام 1975 واستمرت باستنزافه إلى العام 1990، قبل أن تخمد، بنارها لا بجمرها، في الطائف، في السعودية، حيث ولدت الجمهورية الثانية.

بل أن هذه الجمهورية الثانية ما كانت لتحظى ببعض إمكانيات النهوض لولا المساهمة الخليجية عامة، والسعودية خاصة، في دعم لبنان ومدّه بأسباب النجاح، وإن تعثّر.

هي فرصة، خارجة عن السياق المنتظر بعد حروب داخلية مدمّرة كالتي عاشها لبنان، تلك التي تشكلت في العلاقة الخاصة التي جمعت رفيق الحريري، الرجل التاريخي الذي سعى إلى بناء لبنان ودفعه قدماً، والملك فهد بن عبد العزيز، إذ وضع ثقته بالحريري، وأتاح له التعويل على دعم سعودي سخي، وعلى مصاحبة خليجية صادقة، كويتية طبعاً (أما كادت العلاقة بين الكويت ولبنان  قبل حروبه أن تبلغ حد التوأمة) ثم بحرينية وقطرية وإماراتية فعُمانية، ليداوي لبنان جراحه ويسعى إلى الشفاء.

طبعاً كان للسعودية وسائر دول الخليج مصالح موضوعية في لبنان، ولا شك أنه كان في سياسة استقطاب الاستثمارات حوافز للعديد من أصحاب الأعمال الخليجيين للعودة إلى لبنان. 

على أنه من الإجحاف إنكار الحقيقة التي يراد لها اليوم أن تغيّب، وهي أن الدعم السعودي والخليجي للبنان كان مدفوعاً بأبعاد عاطفية معنوية تتجاوز المصلحة المادية، إلى أن أمعنت الأقدار في تغييب جيل "لبنان الجنة" الخليجي، وإلى أن قتلت يد السوء رفيق الحريري.

لبنان، يوم يحين أجل قيامته، بعد انقضاء الانهيار المتواصل الذي يشهده، وزوال عبء الاحتلال الرازح على صدره، عليه أن يواجه واقع ضياع أفضليات عديدة كانت له في مراحله السابقة.

طبيعته الجميلة انتهكت واستبيحت ليمسي "لبنان الأخضر" بلد النفايات والكسارات. لبنان الأمن والنظام بذل الجهود للعودة بعد الحرب، على أن عودته تبقى مستحيلة بوجود قوة قاهرة غير خاضعة للمساءلة وتابعة دون تورية لقرار خارجي. الحصيلة كان تشكل منظومة التعايش بين النهب والاحتلال تحت مسمّى الدولة، مع فقدان معيب لمقومات الحياة الكريمة.
هي وقائع تنفّر اللبنانيين المقيمين في الخارج أنفسهم من زيارة وطنهم، ولا تسمح البتة باستعادة لبنان لدوره كمقصد للسياحة الراقية.

أفضليات لبنان في القطاع المصرفي والجامعات والمستشفيات، والإعلام والصحافة ودور النشر والانتاج الفني والحركة الفكرية، والضيافة والاصطياف، والتي كانت الأساس البنيوي لازدهار لبنان ما قبل الحرب، كلها انكفأت وتآكلت خلال سنوات الأذى، ولم تتمكن من استعادة أدوارها السابقة مع بروز مراكز منافسة تتجاوزها بخطوات ثم بأشواط في دول الجوار، ولا سيما في الخليج، ولاحقاً مع غياب أي محاولة جدية لاستنهاضها في خضمّ التناحر والتناكف طوال أمد الجمهورية الثانية.

حتى مشروع استنهاض لبنان، والذي قاده رفيق الحريري في العقد الأخير من القرن الماضي، إذ اهتم فائق الاهتمام ببناء قلب تجاري ومعماري يعيد إلى لبنان بعض رونقه وجاذبيته، فإنه تخلّف عن تحضير الأرضية للانتقال إلى اقتصاد المعلومات، رغم ما كان متبقياً للبنان في التسعينيات من إمكانيات لتحقيق هذا الانتقال، ولا سيما على مستوى الطاقات البشرية.

حروب لبنان جرّدته من الكثير من أوجه تفوقه، على أن سوء الاعتبار بعد الحرب أضاع فرصة لن تعود. 

بدلاً من أن يتبوأ لبنان مكانة كان أهلاً لها، بأن ينهض كمركز المعلومات والتشبيك والابتكار والإبداع في عالم يجتمع افتراضياً، جرى تقنين ولوج اللبنانيين إلى منصات التواصل والابتكار المستجدة، لدوافع آنية مختلفة، منها تحقيق مدخول جديد للدولة وعدم التفريط بتحصيلها من شبكة الهاتف الدولية.

على أن الأخطر كان في أن ضياع هذه الأفضليات التفصيلية ساهم كذلك بالتفريط، العرضي حيناً والمتعمد أحياناً، بالعلاقة اللبنانية الخليجية.

جزء كبير من نجاح لبنان قبل الحرب كان معتمداً على هذه العلاقة، وقسم رئيسي من بقاء لبنان خلال الحرب كان في أن الخليج استوعب الكثير من الكفاءات اللبنانية وأتاح لها مدّ أسرها بالعون المالي المتواصل.

كما أن نسبة هامة من تحسّن أوضاع لبنان ما بعد الحرب كان في قدوم الودائع والهبات والاستثمارات من الخليج إليه، بالإضافة إلى استمرار التحويلات من اللبنانيين المقيمين في هذه الدول، وتواصل استيعاب أفواج جديدة من اللبنانيين فيها.

حين تحين ساعة قيامة لبنان، في الآجل لا العاجل على ما يبدو للأسف، يتوجّب على القوى الساعية إلى إنهاضه القبول بواقع أن أفضلية لبنان الخليجية قد زالت.

ربما أنها كانت موقوتة ابتداءً. ربما أن اللبنانيين قد تمكنوا من ملء بعض فراغ مرحلي، في خبرتهم ضمن الأطر الدولية في مجال الأعمال ومشاطرتهم الخليجيين اللغة العربية. اتقان الأجيال الخليجية التالية لما يحتاجونه من لغات، واتساع انفتاحهم على العالم أفقد اللبنانيين بعض الزخم. 

كان بالإمكان تعويض ذلك، سواء على مستوى العلاقات العامة بين الدول، أو العلاقات التجارية والاجتماعية الخاصة. غير أن التفريط هو التقييم الواقعي لما جرى ويجري.

كان من العبث أن يُنتظر من الدولة اللبنانية، بعد رحيل رفيق الحريري، بما انحدرت إليه من تآكل انتهابي غيّب كل الاعتبارات البعيدة المدى في سياساتها، أن تعتمد توجهاً مستقبلياً بنّاءً في العلاقة مع دول الخليج (أو غيرها).

بل جاءت سياستها بما ينسجم مع حاجة الطبقة السياسية الناهبة إلى الموازنة بين استمرار الاستيلاء الممنهج إلى حد الوقاحة على المال العام، وإرضاء قوة الأمر الواقع، أي الاحتلال الإيراني بالواسطة، والذي يقدّم بحد ذاته التأطير لتمكين النهب والعذر والتبرير إزاء الجمهور لتمريره باستدعاء المنطق الطائفي.


وأن يستجيب حزب الله لما هو مطلوب منه من شيطنة دول الخليج، تنفيذاً لمطلب الولي الفقيه، فيما إيران تحتفظ بعلاقات ثابتة وبناءة مع معظم الخليج، لا اعتبار فيه لمصلحة اللبنانيين في هذه الدول. بل إنه في الإضرار بهذه العلاقة مصلحة مباشرة لإيران، وذلك في تشتيت القليل المتبقي من المنافسة لنفوذها في لبنان.

ثم أن الانتقال الجيلي في دول الخليج، ولا سيما في بروز الأمير محمد بن سلمان في السعودية، كان له الوطأة السلبية على العلاقة مع لبنان. 

السعودية الجديدة، في تقييمها للعلاقة الثنائية، لحظت، صائبة إلى حد ما، اختلال الميزان بين استثمارها الضخم في لبنان وعوائده الشحيحة. 

بل أدركت أن جلّ ما تخصّصه للبنان يضيع في زوايا النهب والفساد المتأصلة في نظامه الخاضع بين السرّ والجهار لوكلاء إيران. ليس مستغرباً أن تتراجع السعودية عن هذا الترتيب، وتترك لبنان الفاشل لفشله. وليس المطلوب من السعودية أن تكون لبنانية أكثر من اللبنانيين أنفسهم، أو أن تعمد إلى تمويل دولة يسيطر عليها حزب الله، والذي يصدح لها بالشتائم والتهديدات ليلاً نهاراً، دون أفق تبديل للواقع الفاسد.

في هذا التخلي استسلام موضعي لإيران وتسليم للبنان لها.  هي معركة يبدو أن السعودية رضيت بأن تخسرها. على أن هذا القرار، وإن كان له ما يبرره على المدى القريب والمتوسط، له أيضاً ما يفيد بأنه خطأ فادح على المدى البعيد إذا كانت ثمة جدوى في المحافظة على قدر من لبنان بسماته الحالية.

والأنكى أن التطورات الخليجية لا تقف عند حد التحوّل في السياسة إزاء لبنان إلى المصلحية الصارمة، وإلى حاجة الخليج إلى درء المخاطر التي تأتي إليه من لبنان، إرهاباً إجراماً وتهريباً، وإلى انقضاء ما كان للبنان من مميزات وبنى.

ربما أن الضربة القاضية على أفضلية لبنان الخليجية هي معاهدات السلام مع إسرائيل، ما جرى التوقيع عليه وما سوف يتبعه. 

قد تكون الكفاءات اللبنانية، على مستوى الأفراد، موازية لما يقابلها من كفاءات إسرائيلية. على أن الفارق بين المؤسسات والشركات والمبادرات الإسرائيلية، بما لها من إمكانيات وإنجازات ومشاريع بحوث وتطوير، وبما هي قادرة عليه من شراكات مع من يتبين قيمتها في الخليج، والغياب المعيب لما يقابلها من لبنان، ينفي حتى إمكانية المقارنة.

نتيجة لظروف بعضها خارج عن إرادة اللبنانيين، وبعضها الآخر من اقتراف أيديهم، الخيار المطروح أمام الخليجيين هو أما، استقدام لبنانيين على كفاءات متراجعة نتيجة انهيار النظم التأسيسية في بلادهم، مع ما يحمل الكثير منهم من شبهات ارتباط بالإرهاب والتهريب، بل مع ما يجاهر الكثير منهم، بالأصالة أو الوكالة أو الذمية، من عداء لدول الخليج.
 أو الخيار الثاني قد يكمن باستقدام إسرائيليين مشبّعين بالكفاءات المتطورة وحاملين للإنجازات المشهودة وراغبين، أفراداً ودولة، بعلاقات مستديمة بناءة مع دول الخليج. ليس هذا بالخيار الصعب.

بالمقابل، لبنان كذلك من حيث المبدأ أمام أحد خيارين. إما إدراك حجم التحول التاريخي على مستوى المنطقة، وتصحيح العلاقة مع دول الخليج، بالتزامن مع السعي إلى إعادة بناء الهيكلية المادية والمعنوية الكفيلة بالمحافظة على الإيجابيات المتبقية في لبنان، ولا سيما منها روح الحرية والإبداع والابتكار والرؤية والتي لا تزال سمات ملازمة للجيل اللبناني الحالي، والبناء عليها لاستعادة الدور الفاعل للبنان بالشراكة مع كافة دول المنطقة، بما فيها إسرائيل.

 أو أن الخيار الثاني التمسك بالمنطق العقائدي المثابر على الرهان على زوال إسرائيل وسقوط الرجعية العربية وانهيار الولايات المتحدة، مع تواصل تحقيق الوعود الصادقة والانتصارات الجلية للمقاومة، وإن صاحَب هذا الجلاء انهيار الوطن وخرابه وضياعه وهجرة شبابه، كي لا يضيع التركيز على القضية المركزية، قضية فلسطين.

المشكلة في الخيارين المطروحين أمام لبنان هو أنه لا اعتبار لرأي اللبنانيين فيهما. في إحدى كلماته السابقة، امتدح أمين عام حزب الله اليمنيين إذ خرجوا حفاة الأقدام تحت وطأة الحر الشديد للتظاهر تأييداً للفلسطينيين، حاملين شعارات "أنصار الله" الحوثيين، الجماعة التي تدعو بالموت لأميركا وإسرائيل واليهود. الراجح، بل الأكيد، أن اللبنانيين، وجلّهم يرى الحقّ الفلسطيني ويطالب بإحقاقه، لا يتمنون الخروج حفاة الأقدام صادحين بالموت للآخرين.

اللبنانيون، شأنهم شأن غيرهم من الناس، يتقاطعون مع بعضهم البعض وفق اعتبارات تسمح بأقدار من الإجمال. 

غالباً ما يجملون على أساس الطوائف، حتى أن البعض بلغ حد اعتبار الطوائف حقائق أصلية ثابتة. 

فاليسار يريد إجمالهم على أساس الطبقات، وإن كان الوعي الطبقي، إلى أمس قريب ربما، ضعيفاً بالمقارنة مع ما يتوقعه أو يرغب به.

اعتبارات موضوعية أخرى تبني على التوزع المناطقي، حيث يشترك سكان الأقضية والمحافظات بأحوال يتوجب أن تدفع بهم إلى وحدة الموقف، وإن لم يحققوا الأمر بعد.

على أنه في لبنان، إلى حد لا يزال يعاني من الإهمال، تمايز وتقاطع وتماهٍ بين اللبنانيين على أساس الانتماء الجيلي، بما صاغته المراحل المتتالية من تاريخ لبنان من تباينات.

ربما أن الإسراف في الالتزام العقائدي، على ما هو لدى بعض القياديين والمفكرين (عند إحسان الظن بمواقفهم المعلنة)، كما الإمعان في النهب واستباحة المال العام لدى السياسيين، هما وجهان لنتيجة مشتركة لأفراد الجيل الممسك بزمام الأمور اليوم في لبنان، وهو جيل تشكلت بناه الذهنية خلال الحروب التي عاشها لبنان، فكان اليأس من الواقع خلفيته غير المعلنة. 

ثمة من يندفع إلى المزايدة على هذا الواقع اليائس فيفرط في المطالبة العقائدية، وثمة من يسلّم بأنه لا سبيل للإصلاح فيستعيض عنه بالكسب الذاتي نهباً وفساداً.

يتمسك هذا الجيل (ضمناً، دون افتراض وعي مشترك) بنفوذه، بمواجهة جيل ما بعد الحرب، والتي تشكلت بنيته الذهنية في زمن رفيق الحريري، فطبعت الرغبة بالارتقاء معظم خلفيته الصامتة. ليس أن هذا الجيل عاجز عن الفساد، ولكن توقعاته وانشغالاته وتواصلاته العالمية تضفي عليه إيجابية وتفاؤلاً يفتقدهما الجيل السابق له. بالإجمال طبعاً، لا بالتعميم التأحيدي.

الخشية على أن الجيل الذي تتشكل معالمه اليوم، على خلفية خيبات الأمل واليأس والعبث، قد يستعيد سمات جيل الحرب السلبية. 

فقد يكون للبنان نافذة ضيقة، جيل إقدامي بين جيلين يائسين، للانتقال من منطق الانتحار إلى منطق البناء. 

فهل تتاح لهذا الجيل الإيجابي فرصة البناء بارتفاع الاحتلال وتمكينه من التعبير عن اندفاعه نحو لبنان الأفضل، في واقعه الجديد، ومع إدراك ذهاب ما كان مصدر قوة له في ماضيه؟ ربما هنا تكمن الأفضلية المتبقية للبنان، على ما هو عليه من وهن وضعف.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.