This picture shows a partial view of the Jordanian capital Amman and an almost deserted avenue during a lockdown due to the…
حالة السيطرة على الانتشار الوبائي لفيروس كورونا جاءت بعد أن مر الأردن بأشهر عصيبة

منذ بداية هذا الشهر اتخذت الحكومة الأردنية إجراءات لتخفيف القيود في التعامل مع جائحة كورونا، كان أبرزها تقليص ساعات حظر التجول لتبدأ الساعة الواحدة من منتصف الليل.

هذه الخطوة الإيجابية في عودة الحياة لطبيعتها في الأردن جاءت في سياق إعلان الحكومة أيضا أنها ستلغي كل الإجراءات الاستثنائية التي فرضت للتعامل مع جائحة كورونا اعتبارا من الأول من سبتمبر، وفي مقدمتها عودة المدارس والجامعات للتعليم الوجاهي.

توجهات الانفتاح التي بدأت باتخاذها الحكومة جاءت بعد أن حقق برنامج التطعيم الوطني ضد فيروس كورونا نتائج إيجابية، فقد بلغ عدد من تلقوا جرعة واحدة ما يزيد عن 2 مليون ونصف المليون، في حين اقترب عدد من تلقوا الجرعتين من اللقاح نحو مليون ونصف المليون، وبذات الوقت تراجعت نسبة الفحوصات الإيجابية للمصابين إلى ما دون الـ 3 بالمئة.

حالة السيطرة على الانتشار الوبائي لفيروس كورونا جاءت بعد أن مر الأردن بأشهر عصيبة سجلت في بعض الأيام أكثر من 10 آلاف إصابة، وكاد القطاع الطبي أن يواجه فشلا في منظومته الصحية، بعد ما غصت المستشفيات وغرف العزل بأكثر من طاقتها، وعانت المستشفيات من نقص الكوادر الطبية المتخصصة، وارتفعت نسب الوفيات يوميا.

في الأردن اليوم رسميا سُجل أكثر من 750 ألف إصابة بفيروس كورونا حتى الآن، بالإضافة إلى الاقتراب من حاجز 10 آلاف حالة وفاة، وهناك من يُشير إلى دراسة أجريت وتكشف أن ما يزيد عن 30 بالمئة من سكان الأردن أصيبوا بفيروس كورونا دون أن يعرفوا ذلك، أو لم يبلغوا الجهات الرسمية بإصابتهم، وهذا يعني بمجمله حسب بعض المرجعيات الطبية أن الأردن يقترب من المناعة المجتمعية، خاصة وأن حملة التطعيم في مرحلتها الثانية تستهدف الوصول إلى 4 ملايين ونصف المليون شخص سيتلقون اللقاح قبل منتصف الشهر القادم.

المخاوف في الأردن تراجعت من مخاطر كورونا، وهذا يمكن تلمسه في تقلص الاهتمام بوضع الكمامة، رغم أن الحكومة تُحذر من ذلك، وتفرض غرامات مالية مشددة على المنشآت التي تتساهل مع فرض البروتوكولات والتدابير الصحية، وبدأت بالتهديد بالعودة عن الإجراءات التخفيفية التي طبقتها بالتزامن مع انتشار معلومات عن وجود أكثر من 260 إصابة بفيروس كورونا دلتا.

قرارات الحكومة بتخفيف التدابير الاستثنائية ليست محض توجهات مرتبطة بالحالة الوبائية، بل فرضتها الحالة الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، فالمؤكد أن الأردن عاش أسوأ حالة انكماش اقتصادي له منذ 3 عقود، حيث بلغت نسبة الانكماش الاقتصادي 1.6 بالمئة، في وقت تجاوز الدين العام 47 مليار دولار، أي ما يزيد عن نسبة 106 بالمئة من الناتج المحلي، وبلغت نسب البطالة وفق دائرة الإحصاءات العامة 25 بالمئة في الربع الأول من هذا العام، وهي الأعلى منذ أعوام، وتشكل حالة قلق نظرا لتداعياتها وخطورتها على السلم المجتمعي.

الحكومة الأردنية مضطرة، ولا تملك خيارا سوى الانفتاح، ورغم شهادة البنك الدولي أن حزم التحفيز المالي التي قدمتها الحكومة خلال العام الماضي قلصت الآثار المدمرة على الفئات الفقيرة، إلا أن المؤشرات الاقتصادية ما تزال تدق جرس الإنذار؛ فالعجز بالموازنة سيزيد عن المليارين هذا العام 2021، ومرصد العمال الأردني يقول إن 140 ألف شخص خسروا وظائفهم عام 2020، وباتجاه آخر فإن الدخل السياحي الذي يُشكل ما يقارب 13 بالمئة من الناتج المحلي تراجع من 4 مليارات دولار إلى أقل من مليار دولار العام الماضي، وجمعية وكلاء السياحة تُحذر من فقدان 10 آلاف لوظائفهم من القطاع السياحي.

أزمة جائحة كورونا كانت عاصفة في كل العالم، ولكن الاقتصادات الكبرى كانت قادرة على تقديم حلول للمنشآت الاقتصادية، وقطاعات الأعمال، وتعويضات مالية مباشرة للأفراد، إلا أن اقتصاد الدول النامية والهشة ومن بينها الأردن كانت الآثار الاقتصادية عليها موجعة وفادحة، ومنتدى الاستراتيجيات بالأردن يؤكد أن الشركات الصغيرة كانت الأكثر تأثرا بالجائحة، وأن 50 بالمئة من المستثمرين يحتاجون إلى سنة أو أكثر للتعافي من جائحة كورونا، وفي مسح أجراه منتدى الاستراتيجيات أبدى 85 بالمئة ممن شاركوا فيه أن تعاملهم في قطاع الأعمال خلال الجائحة كان أضعف من الظروف الطبيعية.

لتحقيق انفراج اقتصادي عادت المؤسسات العامة للعمل بكامل طاقتها 100 بالمئة ابتداء من هذا الشهر، وأعلنت الحكومة مثلثا ذهبيا للسياحة (العقبة- البترا- وادي رم)، وألغت فيه حظر التجول تماما، ولا يُسمح بدخوله إلا لمن تلقوا على الأقل جرعة أولى من اللقاح، أو يحمل فحص PCR سلبيا؛ لخلق سياحة آمنة، واستقطاب السياحة من الخارج.

وبعد توقف طويل، سمحت الحكومة للمقاهي والمطاعم وضمن إجراءات مشددة بتقديم الأرجيلة، وهو ما أنعش الحركة العامة، وتحديدا في المطاعم والمقاهي.

في شهر أيلول القادم، وحسب خطة الحكومة فإن التدابير الاستثنائية المتعلقة بفيروس كورونا ستتوقف، وما هو غير معروف حتى الآن إن كانت الحكومة ستُنهي العمل بقانون الدفاع وما تمخض عنه من أوامر دفاع.

فالمؤسسات الحقوقية والنشطاء لم يتوقفوا منذ شهر مارس 2020 عن نقد الحكومة لاستخدامها قانون الدفاع وأوامره لفرض قيود تمس حقوق الإنسان تحت ذريعة حماية الصحة، والسلامة العامة.

في أحدث تقرير أصدرته 17 مؤسسة مجتمع مدني عن حالة حقوق الإنسان في الأردن لعام 2020، سلطت الضوء على أن جائحة كورونا كشفت عن أن الحكومة لم تُراعِ خلال إجراءاتها توفير الحماية للفئات الأكثر عرضة للخطر، والأكثر حاجة للحماية، ودللت على ذلك بتزايد حالات العنف ضد النساء خلال الحظر، كما أن الأشخاص ذوي الإعاقة لم يؤخذ بعين الاعتبار احتياجاتهم.

وأشار التقرير الحقوقي إلى غياب المعلومات المؤكدة عن مظلة التأمين الصحي التي اشتدت لها الحاجة خلال جائحة كورونا، ونبه إلى أن التعليم عن بعد واجه عثرات وتحديات، أبرزها: ضعف البنية التكنولوجية، وعدم تمكن الكثير من الطلاب والطالبات من الولوج إلى منصات التعليم الإلكتروني، وضعف تأهيل المعلمين والمعلومات بآليات التعليم عن بعد، بالإضافة إلى عدم قدرة أولياء الأمور على مواكبة هذا النمط من التعليم، وتحملهم عبئا كبيرا من المسؤولية.

وقبل كل ذلك انتقد التقرير الحقوقي استخدام الحكومة لقصة كورونا لفرض قيود مضاعفة على حرية التعبير والتجمع السلمي والإعلام.

هذه الانتقادات نبهت لها كبير المستشارين الحقوقيين في المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، كريستينا مينيكي، خلال كلمة لها عند إطلاق التقرير الحقوقي الذي حمل عنوان "على الحافة.. حالة حقوق الإنسان في الأردن عام 2020"، حيث أكدت أن بعض تدابير مكافحة الوباء التي طُبقت في الأردن انتهكت الحريات الشخصية، وعززت عدم المساواة القائمة، بما في ذلك تزايد العنف ضد النساء والأطفال، بالإضافة إلى قيود إضافية على حرية التعبير، والتجمع السلمي، وتكوين الجمعيات.

لا تبدو قضايا حقوق الإنسان ذات أولوية عند الحكومة في التدابير المتخذة عند التعامل مع جائحة كورونا، وتتقدم الأولويات الاقتصادية بالتوازي مع الحالة الصحية، دون إغفال أن الأردن كان فعالا في ضمان المطاعيم للاجئين، وللعمال المهاجرين دون تمييز، وهو ما يسجل له.

هل أوشك الأردن أن يُغلق صفحة صعبة ومؤلمة عاشها وما زال مع جائحة كورونا، أم أن الوقت مبكر لإعلان متفائل؛ فالعديد من الدول عادت لإجراءاتها المتشددة بعد تزايد الإصابات، خاصة بفيروس كورونا المتحور؟

الأردن يخطط إلى فتح التطعيم للجميع فوق 16 عاما دون حاجة للتسجيل على منصة التطعيم، ويدرس إعطاء اللقاح لمن هم بين 12-15 عاما، وربما يتخذ قرارا بذلك في القريب العاجل؛ لضمان عودة آمنة للمدارس دون مخاوف من العدوى والإصابة.

المرجح أن الأردن تجاوز مرحلة الخطر الوبائي، وهو يحث الخطى للتحول لدولة خضراء تؤبّن هذا الوباء، وتفتح ذراعيها للحياة مرة أخرى، وبعيدا عن التوقعات لمسار المستقبل فإن المواجهة مع جائحة كورونا تضع الأردن على المحك.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.