حجاج يطوفون حول الكعبة الثلاثاء
تقرير لخدمة تقصي الحقائق في فرانس برس دحض المعلومات المغلوطة بشأن تحليق الطائرات فوق الكعبة.

في مقاله الأخير على موقع الحرة، يتحدث الزميل المبدع بابكر فيصل عن تيار الإخوان المسلمين وصناعة الأسطورة، ويورد في مقاله المعرفي الجميل قوله : "..وتمثل صناعة الأسطورة حول القائد الملهم والزعيم الخالد أحد المحاور المهمة التي تشتغل عليها دعاية الأيدولوجيا في تزييف الحقيقة المرتبطة به، حيث يتم نسج القصص الخيالية التي تظهر بطولاته وتمجد أعماله وتمنحه قدرات خارقة من شأنها أن تجعله الهدف الرئيسي للأعداء الذين تغدو غايتهم الوحيدة هي التخطيط على نحو جنوني للتخلص منه".

طبعا، كان المقال يتحدث عن الإخوان المسلمين، وهم سادة التضليل وأرباب الدجل الإعلامي طوال تاريخهم السياسي المليء بالمنعطفات والتجارب التي صقلت لديهم المهارات "المكيافيلية" في السياسة الحديثة.

لكن أجدني أطابق الفقرة التي كتبها الزميل المبدع في مقاله على كثير من أنظمة الاستبداد والطغيان التي تحكم في عالمنا لا في عصوره الحديثة وحسب، بل حتى بالعودة إلى الوراء في قراءات تاريخية "تم كتابتها بتضليل منهجي" لترسيخ فكرة الأسطورة المتوهمة والكاذبة التي يتم البناء عليها لأجيال تلو أجيال.

اليوم، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، صارت عملية "التضليل" تحتاج ذكاء من نوع خاص قادر على بث الحكاية مهما كانت درجة سخفها في عالم افتراضي يتلقف من خلف شاشاته كثيرون ممن يبحثون عن "خلاص" ما، أي خلاص حتى لو كان معنويا وعلى صيغة حكاية ليعالج قهرهم وربما يرون في الحكايات المضللة نوعا من معرفة ما تعوض جهلهم.

عملية "الأسطرة" لا تشمل فقط الأشخاص في عالمنا العربي تحديدا، بل هي تتضمن وبكثرة مغرقة في الجهل والتجهيل، شتى أنواع المعلومات التي يتم حشرها قسرا في باب المعارف والعلوم، وهي ليست أكثر من دجل وشعوذة لا تحترم العقل، وتضع الله "المطلق بكماله" ضمن شبهة النقصان ومدارات الترويج البدائي.

مثلا، وأنا كسواي من ناشطين على موقع الفيسبوك، نتعثر غالبا وبشكل شبه يومي بإدراجات تحمل توقيع "منقول" لتدلل على شيء من مصداقية غائبة، أو تبدأ بعبارة تفيد أن مركز أبحاث "أينشتاين" في بولندا قد اكتشف كذا وكذا مما يثبت الإعجاز في الشريعة التي سبقت المعهد بألف سنة.

طبعا لا يوجد مركز اسمه اينشتاين في بولندا، والبحث العلمي ليس أكثر من خيال جامح تدفعه أمنيات واهمة فقد لتمرير التضليل الذي يتلقفه آلاف كحقيقة عملية تنتشر ضمن خوارزميات الانتشار المعروفة ويتعمق الجهل.

وهو ما يذكرني بدور الإعلام المهم في الإضاءات التي يلقيها على مساحات الجهل المعتمة، والتي تسيء للأديان أكثر مما تساهم في الدفاع عنها، ومن ذلك تقرير صحفي قرأته في الحرة قبل أيام، يدحض فكرة متداولة أن الطيران فوق الكعبة في مكة غير ممكن لأن الجاذبية الأرضية تتركز تحت الأرض في تلك البقعة من الكوكب وحديث مبهم عن المغناطيسية الشديدة التي تدمر الطائرات التي تطير فوق الكعبة!

التقرير، كان مهما لدحض العبث المتداول على أساس أنه حقائق، وتلك بحد ذاتها عملية "أسطرة" للوهم وإعادة صياغته على شكل "معرفة علمية" أو إعجاز لا يمكن تفسيره علميا!

وينطبق على تلك "الحكايات" ما قاله الزميل بابكر فيصل عن أسطرة الأشخاص، من خلال تزييف الحقائق ونسج القصص الخيالية، وكل ذلك يتم في سياق "موجه" نحو ترسيخ الجهل باسم المقدس.

حاليا، أتابع بهدوء وتأني صفحة فيسبوك "مصرية" معنية بكلاسيكيات السينما المصرية التي أحبها، وبدأت قبل عام بنشر صور نادرة لفناني الزمن الجميل في السينما المصرية، لكنها وبعد أن ضمنت ولائي "وولاء آلاف غيري" في المتابعة، بدأت مؤخرا بنشر ذات الصور مع حكايات يومية غريبة كلها تتحدث عن الوازع الديني لدى الفنانين المتوفين خصوصا، وحكايات تتضمن حوارات باسم هؤلاء الراحلين تتحدث عن نفورهم من "مهنتهم الفنية الحرام" وتوبتهم في آخر أيام حياتهم.

تلك عملية تضليل ممنهجة ومدروسة بعناية ومن يقوم عليها لديه خبرة في عملية التغذية الجماهيرية بالكذب ومهارة استثنائية في التزوير والتزييف. هي ذاتها "صناعة الأسطورة" يا عزيزي بابكر.. وهم ذاتهم أرباب تلك الصناعة في كل شيء يخدم مصالحهم.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.