متظاهرة لبنانية (أرشيفية)
متظاهرة لبنانية (أرشيفية)

هل انطلقت المقاومة الدولية لهيمنة إيران، بواسطة "حزب الله"، على لبنان، أم أنّ فرنسا مدعومة من الولايات المتحدة الاميركية، وعلى عتبة "الانهيار العظيم" تنشدان "أغنية البجعة"، لتسجيل آخر عمل دبلوماسي مميّز، قبل التخلّي؟

إنّ محاولة إحاطة الحركة الفرنسية-الأميركية الأخيرة بكثير من الحذر، لا تعبّر عن تشاؤم يواجه التفاؤل، بل هي ضرورة تمليها كثرة التجارب التي خاضها المجتمع الدولي في لبنان، وانتهت إلى عكس المرجو منها.
لكنّ هذا الحذر في استشراف نتائج الحراك الفرنسي-الأميركي الأخير، لا يلغي أنّ الأجواء الدولية المعنية بلبنان، انقلبت، بين ليلة وضحاها، من ترك بلاد الأرز على قارعة الطريق إلى وضعها في "غرفة العناية الفائقة".
واقعياً، لم تعد ثمة جهة معنية بلبنان تقف على الحياد، راهناً، فالفاتيكان، قبل "لقاء الصلاة والتأمّل" الذي جمع البابا فرنسيس ورؤساء عشر طوائف مسيحية ناشطة في لبنان، كان قد عقد اجتماعات تنسيقية، سرية وعلنية، مع مسؤولين فرنسيين وأميركيين للبحث في ما يمكن بذله لإنقاذ اللبنانيين. الاجتماع الأهم كان مع وزير الخارجية الأميركي انتوني بلينكن، في ٢٨ يونيو الأخير.وتلا هذا الاجتماع، لقاء أميركي-فرنسي-سعودي، على مستوى وزراء الخارجية، في مدينة ماتيرا الايطالية، خصّص للبحث في الوضع اللبناني.

لا ريب أن باريس لعبت دوراً كبيراً في إقناع الإدارة الأميركية بتشغيل محركاتها في المسألة اللبنانية، لأنّها، من دون انخراط اميركي، لن تنجح في مساعيها، على اعتبار أنّ هذا الانخراط وحده قادر على إزالة قناعة شبه عامة بأنّ واشنطن في مكان وباريس في مكان آخر، وتالياً يمكن للراغبين بالتعطيل أن يواصلوا اللعب على هذا "التمايز".
وكان هذا التمايز واضحاً في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، ولكنّ الفرنسيين نجحوا مع إدارة الرئيس جو بايدن بجسر الهوّة، بفضل "فرانكوفونية" أنتوني بلينكن، وعلاقته المتينة السابقة لتوليه وزارة الخارجية، مع نظيره الفرنسي جان ايف لودريان، والخطة الأميركية الموعودة للشرق الأوسط، لجهة معالجة "النفوذ الخبيث" لإيران، التي جرى ارفاقها بقرار محاولة العودة الى الإتفاق النووي.

وتكمن جدية التحرك الأميركي-الفرنسي المشترك لمصلحة لبنان، في محاولة إعادة المملكة العربية السعودية إلى الاهتمام الفاعل بلبنان، بعدما طال تحييد نفسها عنه.
ولا يمكن إقناع الرياض أن تعيد اهتمامها ببيروت، إلّا إذا لمست جدية أميركية-فرنسية ببدء وضع العوائق الناجعة أمام تمدّد النفوذ الايراني فيه، لأنّ لبنان أصبح بالنسبة للسعودية، تأسيساً على معاناتها في اليمن، منطلقاً للعدوان على أمنها الإستراتيجي.
والرياض غير مقتنعة، في ضوء موازين القوى في لبنان، بوجود طرف لبناني جاد في التصدّي لنفوذ "حزب الله".
وكان لافتاً للانتباه أنّ المملكة العربية السعودية التي كانت، يوماً، أكثر دولة مانحة للمؤسسات العسكرية والامنية اللبنانية، غابت كلّياً عن المشاركة في المؤتمر الأخير الذي دعت إليه باريس، بهدف توفير مساعدات دولية عاجلة للقوات المسلّحة اللبنانية.

ولم تبق إسرائيل مكتوفة اليدين، وهي تراقب كما غيرها، محاولة "حزب الله" تكريس التحاق لبنان بالركب الايراني، فوجدت أنّ تشجيع المجتمع الدولي على تقديم العون للبنانيين، يصب في مصلحتها "استراتيجياً"، وهذا ما جرى اعتماده كتفسير لموقفين متتاليين أطلقهما وزير الدفاع الاسرائيلي بيني غانتس، بخصوص لبنان.
ولم يكن مستغرباً أن يلجأ "حزب الله" إلى منابره لشنّ حملة قوية ضد زيارة سفيرتي واشنطن وباريس في بيروت دوروثي شيّا وآن غْرِيو للرياض، وإطلاق صفات "الفضيحة" و"الاستعمار" و"الانتداب" عليها، لأنّ هذا النشاط الدولي والدبلوماسي يتناقض كلياً مع الهدف السامي الذي رسمه "الحرس الثوري الإيراني".

ولم تقصّر تقارير عدة صدرت، في الأشهر الأخيرة، في فضح أهداف "حزب الله" اللبنانية، اذ إنّ هذا الحزب يبذل أقصى طاقاته، من أجل إبعاد لبنان عن المجتمع الدولي ليتمكن من لصقه كليّاً، ب"محور الممانعة" الذي تقوده الجمهورية الاسلامية في ايران.
وعليه، فإنّه إذا كانت جدية المجتمع الدولي بالتحرك تجاه لبنان لا تقبل التشكيك، فإنّ جدية "حزب الله"، في "أيْرنة" لبنان لا تحتمل هي الأخرى التشكيك.
وهذا يعني أنّ الصدام الدولي-الإيراني في لبنان لن يتأخّر في تظهير نفسه.

وبما أنّ الجميع يدرك الوسائل التي تستعملها إيران و"ذراعها" اللبنانية، لتحقيق أهدافها، فإنّ أحداً لا يمكنه الجزم بالوسائل التي يمكن ان توفّرها باريس مدعومة من واشنطن، لحماية مبادرتها.
وهذا "الغموض" هو الذي يدفع الى رفع لواء الحذر عالياً، لأنّ التجارب بيّنت أنّ نَفَس "محور الممانعة"، في المسألة اللبنانية، أطول من نَفَس المجتمع الدولي. يكفي، في هذا السياق، التذكير، بما آل إليه بند "نزع سلاح الميليشيات" الوارد في القرار الدولي ١٥٥٩، وما انتهى إليه التحقيق في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في ضوء صفقات شملت النظام السوري بداية وامتدت نحو النظام الايراني لاحقاً.

إنّ الخطة الدولية واضحة، وهي تقوم على النقاط الآتية: إعادة كل القوى الفاعلة الى الاهتمام بلبنان، توفير دعم قوي للقوات المسلّحة اللبنانية ولهيئات المجتمع المدني، تشكيل حكومة مقنعة للدول المانحة، والدفع نحو انتخابات نيابية ورئاسية في مواعيدها الدستورية.
وحتى تاريخه، لم تظهر من وسائل الضغط، تحقيقاً، لهذه الخطة الدولية، سوى التهديدات بفرض عقوبات على المعرقلين.

ولكن، ما العمل إذا نفّذ "حزب الله" امتعاضه المعلن من الحراك الفرنسي-الأميركي، وذهب قدماً في منهجه المناهض لعودة المجتمع الدولي الى لبنان، بحيث يستعمل، على عادته، معادلة "الترغيب والترهيب"، فيرفع من وتيرة نسفه لمحاولات تشكيل "حكومة جاذبة" ويلجأ إمّا إلى تمديد الفراغ وإمّا الى تشكيل "حكومة مواجهة"، ويعطّل الاستحقاقات الدستورية، و"ينسف" المجتمع المدني، ويرهب أي قوى يمكن أن تنقلب على "تفاهمها" العلني أو الضمني معه، تحت طائلة العودة الى سيناريو دموي شهده لبنان، بُعيد صدور القرار 1559؟
إنّ اللبنانيين الذين يعيشون أيّاماً مظلمة يحتاجون الى نور التفاؤل، لكنّ كل تفاؤل لا يبني نفسه على وضوح يقود الى كوارث جديدة.
المجتمع الدولي معني، إن كان جاداً بما يوحي به، أن يقدّم أدلة تُثبت أنّه ليس في وضعية مَن يؤدي "غناء البجعة".

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.