لا يبدو أن القوى السياسية المغربية بيسارها ويمينها مرتاحة إلى وضعها كثيرا وهي على أبواب الانتخابات الموعودة
لا يبدو أن القوى السياسية المغربية بيسارها ويمينها مرتاحة إلى وضعها كثيرا وهي على أبواب الانتخابات الموعودة

لا يبدو أن القوى السياسية المغربية، بيسارها ويمينها، مرتاحة إلى وضعها كثيرا، وهي على أبواب الانتخابات الموعودة، فالصراع يأخذ وجوها متعددة داخل كل المكونات الحزبية. لكن اللافت أن أحزاب اليسار ستخوض معركتها الانتخابية غير موحدة كما كان مأمولا. ويعبر أحد اليساريين في وصف واقع الحال: "مهما حاولنا التمسك بالتفاؤل فإننا نجدنا آسفين، أمام صدمة كبيرة".

بين يومي 30 يناير 2014 و 30 يونيو 2021. موجز تاريخ لميلاد ووفاة فدرالية اليسار الديمقراطي. والجنازة تنتظر من يجرؤ على تشييعها إكراما. 

افترض التشخيص أن أسباب الوفاة وراثية، نتيجة مخاض عسير. كان من تأثيراته عدم إفراز هرمون النمو بشكل كافٍ، وفرط في الكوليسترول ونسبة السكري، مع نقص في صلابة العظام. ما كان سيؤدي بالهالك إن عاش إلى الإصابة بنقص الطاقة والخمول وصعوبة في التركيز وفقدان الذاكرة.

سنوات عجاف

بعد سنوات، مرت سريعا، لم ينضج فيها الزرع المنبت للاندماج بين أحزاب "فدرالية اليسار الديمقراطي"، بل جاءت الحصيلة مطابقة لرقم مذكور في الكتب المقدسة، وهو "سبع سنوات عجاف". وتبين أن الأمل كان زائفا ومخيبا. فلَمُّ شتات اليسار في إطار سياسي موحد لا يزال أمرا عويص المنال. فها هي الخلافات تسري داخل مكونات الفدرالية وتطفو على السطح من جديد. حتى بدا أن الحزب الاشتراكي الموحد يغرق وسط أمواج متلاطمة لتياراته المتعددة. ولم يتردد أصحاب تيار جديد، أطل مؤخرا من شرفة الانتخابات، في نشر الغسيل الداخلي للحزب على جدار "الفيس بوك" و"الوتساب" وغيرها.

في ظل واقع يزداد تأزما، لا يظهر أن المشهد سيتبدل. فالتقديرات تشير إلى أن اليسار المتشظي لن ينال الشيء الكثير في الانتخابات المقبلة، ولو أن "طعم" قانون الانتخاب الجديد، المؤسس على ما سمي بــ"القاسم الانتخابي"، سيجعل الجميع يتذوق كعكعة الريع الانتخابي، في خطة لوصد الباب في وجه عودة إسلاميي العدالة والتنمية، الذين استفادوا من رياح الربيع العربي، وطال مكوثهم بالحكومة أكثر من اللازم، من دون تحقيق أحلام الطبقات الشعبية التي تتنافس على كسب ودها كل الأقطاب السياسية.

تاريخ مثقل بالصراعات

لطالما كان الأمل كبيرا وقويا في تجميع القوى الديمقراطية واليسارية المغربية في جبهة متكتلة، وهذا يمكن استكشافه من خلال لمحة لبعض المحطات التاريخية:
ففي يوليوز 1970 أعلنت "الكتلة الوطنية"، وجمعت بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (يساري) وحزب الاستقلال (وطني). لكن عمرها لم يطل بعد انقلابين عسكريين متتاليين (1971-1972).
وظل الشيوعي علي يعتة رافعا شعار "من أجل جبهة وطنية تقدمية"، تائها وسط الحظر المتكرر لحزبه، قبل السماح له بالعمل الشرعي سنة 1974 لحاجة الحسن الثاني إلى صلاته الإيديولوجية لاستقطاب المعسكر الشيوعي للأطروحة المغربية في قضية الصحراء.

في سنة 1992 تأسست "الكتلة الديمقراطية"، وضمت خمسة أحزاب: حزب الاستقلال، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حزب التقدم والاشتراكية، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي. ثم ما لبث أن سرى الخلاف في صفوفها، ليعلن عبد الله ابراهيم انسحاب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من التحالف الوليد.

وبعد حل منظمة العمل الديمقراطي الشعبي واندماجها في حزب اليسار الموحد، بقي الوضع مبهما، ما بين انسحاب وبقاء أطرافها المكونة كاملة. لتعود "الكتلة الديمقراطية" إلى منشئها الأول، إلى ما كانت عليه "كتلة وطنية" ثنائية. ثم سارت الأمور بالتدريج صوب موت إكلينيكي، بسبب الانتخابات والمشاركة في الحكومة. وظلت مسألة التحالف أمرا عصيا.

في 12 يونيو 2009، تأسس "تحالف اليسار الديمقراطي" وأعلن عن هدفه: "تقوية صفوف اليسار في الساحة السياسية والتنسيق بينها قبيل الانتخابات المحلية". 

ومع هبوب رياح الربيع العربي (2011)، وخروج "حركة 20 فبراير"، تداعت الأحزاب التي احتضنت شباب الحركة لقيام تحالف فدرالي غايته الاندماج الكلي لتحقيق حلم قيام "الحزب اليساري الكبير". وكأنها اقتباس من فكرة فرنسوا ميتران وميشيل روكار لما صنعا الاندماج في الحزب الاشتراكي الفرنسي (1971- 1974).

تشكل التحالف الجديد من: الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، الاشتراكي الموحد (وريث منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وحزب اليسار الموحد)، والمؤتمر الوطني الاتحادي. وتم استبعاد حزب النهج الديمقراطي، (أسسه مناضلون من منظمة "إلى الأمام")، بسبب موقفه الخاص من قضية الصحراء الغربية، واعتبارا لموقفه المبني على مقاطعة الانتخابات.

مثلت "فدرالية اليسار الديمقراطي" صيغةً "تنظيمية لمرحلة متقدمة وانتقالية في أفق إعادة بناء حركة اليسار المغربي، تمهد لاندماج الأحزاب الثلاثة". بتبنى مبدأ "النضال الديمقراطي الجماهيري السلمي للمساهمة في الانتقال من نظام "مخزني" إلى نظام ديمقراطي". والنضال من أجل تحقيق "ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم". 

وترك الباب مواربا لاستقبال حزبي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، شريطة "امتلاك قرارها واستقلالها عن نفوذ الدولة وتحكمها".

طبيعي ألا يهتم المغاربة كثيرا بما يجري داخل الأحزاب الموصوفة ب"الإدارية" كونها خلقت في كنف النظام. ولا بالأحزاب التي التحقت بركاب السلطة بعدما كانت في سنوات سابقة ترفع راية المطالب الشعبية الحقيقية، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تحت قيادة إدريس لشكر، قدر انشغالهم ومتابعتهم لما يجري في صفوف الأحزاب الجذرية، الطليعة والاشتراكي الموحد والنهج والمؤتمر الوطني. لذلك ألقت فئات واسعة أملها على أحزاب الفدرالية، ومن المصادفات أنها جميعها أحزاب خرجت من معطف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وذات صلات بيولوجية وإيديولوجية وتنظيمية بحزب المهدي بن بركة وعبد الله ابراهيم وعبد الرحيم بوعبيد. فحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي أسسه منشقون عن اتحاد عبد الرحيم بوعبيد سنة (1983). والمؤتمر الوطني الاتحادي أسسه نوبير الأموي بعد الانشقاق عن اتحاد عبد الرحمان اليوسفي (2001). أما الحزب الاشتراكي الموحد فبعض مكوناته الأساسية آتية أيضا من الجذر الاتحادي، مثل "حركة 23 مارس"، و"جمعية الوفاء للديمقراطية".

صورة اليساري

المستعرض لصفحات اليسار المغربي، سوف يغمر عينيه غبار حروب الصراعات الطاحنة، منذ انشقاق الجناح اليساري في حزب الاستقلال بزعامة المهدي بنبركة وتأسيسه لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (1959). ثم عاش الاتحاد الوطني صراعات انشقاقية مع الجناح النقابي بزعامة المحجوب بن الصديق وعبد الله ابراهيم (جناح الدار البيضاء)، في مواجهة (جناح الرباط) بزعامة عبد الرحيم بوعبيد وعمر بنجلون ومحمد اليازغي.

كما يمكن الحديث بصيغة ما، عن التنظيم الثوري المسلح بزعامة الفقيه محمد البصري وعبد الرحمان اليوسفي وعمر دهكون في نهاية الستينيات ومستهل السبعينيات، باعتباره انشقاقا وخروجا عن "استراتيجية الخيار الديمقراطي" التي قام عمر بنجلون وعبد الرحيم بوعبيد واليازغي ومحمد عابد الجابري باستدراكها لما أسسوا الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (1975)، بغاية الوضوح الايديولوجي بتبني الاشتراكية العلمية، والقطيعة مع مغامرات التيار "البلانكي". وكان رد الفعل إقدام الرافضين، ومعظمهم لاجئون سياسيون بفرنسا، على تأسيس "حركة الاختيار الثوري".

وكان انشقاق الشبيبة الاتحادية في الستينيات، مع انشقاق شبيبة حزب التحرر والاشتراكية للانخراط في تأسيس التنظيم السري المنظمة المغربية الماركسية اللينينية، والتي انشطرت بدورها إلى تنظيم "ألف" وتنظيم "باء". واشتهر التنظيم الأول باسم النشرة السرية التي كان يصدرها (إلى الأمام)، أما التنظيم الثاني فعرف باسم نشرة (23 مارس).

وداخل السجون التي اعتقل بها أعضاء اليسار الجديد، أفرزت النقاشات تشكيل مجموعات صغيرة منشقة عن التنظيم الأساسي، أهمها تيار "لنخدم الشعب".

في 1996، وإثر الموقف من التصويت على الدستور الجديد، ستعيش منظمة العمل الديمقراطي الشعبي بزعامة محمد أيت يدر بنسعيد انشقاق رفاق عيسى الورديغي ولطيفة الجبابدي والحبيب الطالبي وعبد الصمد بلكبير بتأسيسهم الحزب الاشتراكي الديمقراطي. 

في 1997، انشق القيادي بحزب التقدم والاشتراكية التهامي الخياري ليؤسس جبهة القوى الديمقراطية.

وفي 2009 تأسس حزب الأصالة والمعاصرة على يد فؤاد عالي الهمة (كبير مستشاري الملك)، وكان من بين المؤسسين مجموعة من يساريي السبعينيات. ومنهم من تولى مناصب سامية في الدولة. فزادت مبادرتهم في تقديم صورة اليساري كمرتد وكانتهازي أخطر من اليمينيين.
في 2006 انشق الدكتور عبد المجيد بوزبع عن المؤتمر الوطني الاتحادي وأسس الحزب الاشتراكي.

ولا يمكن حصر عدد قرارات الطرد والتخوين والاستقالات والتجميد في صفوف أحزاب اليسار المغربية. لكننا ندرج هنا بالمناسبة إعلان عمر بلافريج النائب عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، استقالته من العمل البرلماني بعد نهاية الولاية الحالية، لخلافه مع الأمينة العامة للاشتراكي الموحد نبيلة منيب. هذه الأخيرة التي خلقت الحدث الصادم قبيل أيام، لما ذاع انسحابها "المفاجئ" من التحالف الفيدرالي، وتم الإخبار عن تراجع حزبها للمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة ضمن لوائح موحدة تحت رمز الفدرالية اليسار الديمقراطي "الرسالة".

اندماج محتشم

بعض تجارب الاندماج التي حصلت في اليسار المغربي، كانت قليلة ومحتشمة. منها اندماج فعاليات من منظمة "الاختيار الثوري" في التسعينيات، بزعامة عبد الغني بوستة إلى حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي.

واندماج الحزب الاشتراكي الديمقراطي في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (2005)، وبقي الملتحقون من حزب عيسى الورديغي يوصفون ب"المندمجين"، ليتواروا إلى الخلف بعدما أحسوا بالمعاملة "غير اللائقة من قيادة الاتحاد"، كما راج.

واندماج منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، والحركة من أجل الديمقراطية، والديمقراطيون المستقلون، والفعاليات اليسارية المستقلة، ضمن حزب اليسار الموحد. واندماج جمعية الوفاء للديمقراطية في الحزب الاشتراكي الموحد (2005).

ثم اندماج الحزب الاشتراكي (عبد المجيد بوزبع)، والحزب العمالي (عبد الكريم بنعتيق)،  في الاتحاد الاشتراكي، (2013).

يسار "خدام الدولة"

لقد صار هناك شبه إجماع على إقصاء الاتحاد الاشتراكي الذي يقوده اليوم إدريس لشكر من تصنيف اليسار المغربي. ويضيف آخرون حزب التقدم والاشتراكية. لذلك انتفض لشكر ضد هذا "الظلم". ولما أكدت الأمينة العامة للاشتراكي الموحد هذا المضمون، لم ير لشكر غضاضة في مهاجمة نبيلة منيب، حيث نشر في الصفحة الأولى من يومية "الاتحاد الاشتراكي" كلام ضد المرأة "لا يمكن أن يصدر عن ديمقراطي حداثي، بالأحرى عن يساري تقدمي مزعوم". ووصلت المعاناة بإدريس لشكر في أحد اجتماعاته الحزبية أن يدق بقبضة يده على الطاولة صارخا بملء الأوداج: "نحن اليسار"! 

"لكن عن أي يسار يتكلم من وصفه مؤخرا المحلل السياسي مصطفى السحيمي ب"زعيم عصابة" وليس زعيم حزب؟ وأينه هذا اليسار من "خدام الدولة" الذي ينتمي إليهم لشكر باستفادته من أراضٍ عمومية ومن امتيازات الريع المخزني؟" - يتساءل يساري طليعي.
لكن الوهم الذي يحاول لشكر تسويقه، لا يبتعد كثيرا عن الأوهام التي يتبجح بها أهل اليسار عموما، عندما يظنون أنهم يملكون الشارع ويقودونه، وهو زعم نزعت عنه ورقة التوت جماعة "العدل والإحسان" الإسلامية (شبه محظورة)، لما قررت الانسحاب من "حركة 20 فبراير". كما أن المثقفين اليساريين غابوا عن الواجهة، ولم تعد منابر اليسار الأكثر انتشارا، ولا مواقعها الإلكترونية أضحت اليوم في الصدارة.

مع ذلك تجد حزب النهج الديمقراطي (ماركسي) يدعو لتحالف مع إسلاميي العدل والإحسان لالتقائه معهم في مواجهة الاستبداد. ما يعيد إلى الأذهان فكرة الكتلة التاريخية التي نظَّر لها المفكر محمد عابد الجابري وحاول محمد الفقيه البصري ترويجها.

لا جدل أن تراجع اليسار حالة عالمية. لكن قيم العدالة والحرية والديمقراطية، تبقى مشروعا ماثلا يتطلب مراجعات فكرية وأشخاصا قادرين على ابتكار الأساليب لتحقيق تلك القيم الإنسانية، يصرح محام يساري: "لا اجترار السؤال اللينيني: "ما العمل؟"، ولا أجوبة فكرية حقيقيية.. ولا عمل".

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.