هل يمكن أن تتحول قضية فتاة الحسكة إلى بداية جديدة لإنهاء وردع حدوث مثل هذه الجرائم
هل يمكن أن تتحول قضية فتاة الحسكة إلى بداية جديدة لإنهاء وردع حدوث مثل هذه الجرائم

تشبث بحق المطالبة بالعدالة، لا تفرط به أو تتهاون بشأنه، سواء كانت القضية تتعلق بك أو بسواك.

كلمات تختصر مقولة فيلم "ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميزوري" (Three Billbords Outside Ebbing ,Missouri) من إنتاج 2017 كتابة وإخراج مارتن مادرونا وبطولة فرانسيس مكدورماند التي نالت جائزة الأوسكار عنه لأفضل ممثلة، وهو الأوسكار الثاني لها بعد فيلم فارغو، وما قبل أوسكار فيلم نومادلاند لهذا العام.

يتحدث الفيلم عن أم تتعرض ابنتها للاغتصاب والقتل، مع اختفاء القاتل وعدم التمكن من العثور عليه وتقاعس مركز شرطة إيبينغ ممثلة برئيسها في متابعة القضية. ستلجأ الأم إلى استثارة الضمير العام عبر إيقاظه وتحريضه وتأنيبه علناً من خلال استئجار ثلاث لوحات إعلانية ضخمة تقع عند حافة الطريق الذي اغتصبت فيه ابنتها وقتلت حرقاً.

ستحمل كل لوحة مع خلفية حمراء جملة محددة تلخص القضية. الأولى: "اغتصبت وهي تحتضر"، والثانية: "حتى الآن لا معتقلين"، والثالثة: "كيف ذلك أيها الرئيس ويلوغبي؟". والمقصود به رئيس مركز الشرطة الذي تتهمه الأم بإهمال قضية ابنتها وعدم السعي الجدي للعثور على القاتل.

ثلاث لوحات إعلانية واخزة في محتواها ستستثير الجميع وتقلب البلدة ومن فيها رأساً على عقب، وستنعكس على الأم بغضب عام وذلك باتهامها بالتحريض ضد السلطة، وتحميلها وزر مقتل ابنتها كأم مطلقة غير صالحة في تربيتها. لكن الأم المتشبثة بحقها في العدالة، ستصمد حتى النهاية وتنصف وتنجح في إيقاظ الضمائر الجمعية المستخفة بمصائب الآخرين، وتكشف في الوقت ذاته عن الفساد والعنصرية المستشريين في السلطة والمجتمع معاً.

أستعيد جوهر هذا الفيلم كأنموذج يتماهى مع قضية # فتاة_الحسكة التي تم تبادل اسمها أنه عيدة الحمودي السعيدو وقتلت قبل أيام في المنطقة الواقعة تحت سيطرة " قسد". حيث تضاربت الروايات حول عمرها وأسباب قتلها، ففيما ذكرت بعض المواقع غير الرسمية أنها متزوجة في الثامنة عشرة من عمرها وقتلت بذريعة" الشرف"، تدخلت المصادر الرسمية وأكدت أن اسم الضحية هو عايدة محمد البدر من مواليد 2005 وقتلت لأسباب أخرى.

في الحالتين، لن يغير سن الضحية من حقيقة جريمة مهولة تناوب عليها أحد عشر فرداً من أفراد عائلتها كما أشيع بداية، لتعود المصادر الرسمية المتمثلة بوزارة العدل السورية وتؤكد قبل يومين على صفحتها على فيسبوك أن النيابة العامة في الحسكة حركت دعوى عامة لملاحقة 22 فرداً اتهموا بالمشاركة في هذه الجريمة، أبرزهم أقرباء لها من الدرجة الأولى.

اثنان وعشرون فرداً تشاركوا سواء بالتحريض أو القتل أو الخطف أو التواطئ بحرمان الضحية من الطعام والشراب والتعذيب الجسدي لأيام، ثم أجهزوا عليها بآلية تنكيل ممنهجة وتعذيبها بقتل متسلسل، عبر إطلاق الرصاص من أسلحة حربية على جسدها أولاً وإشفاء غلّهم برؤيتها تحتضر ثم إنهاء حياتها برصاصة في رأسها، كل ذلك بمرافقة كاميرا عصرية وثقوا بها الجريمة في مقطع فيديو، نشروه بأنفسهم على وسائل التواصل الاجتماعي العصرية لأجل التفاخر بـ"غسل العار".

إن أحصينا عدد الجرائم في هذه الجريمة الواحدة، سيكون الناتج مرعباً، وسيكون توصيف قتلها بأنه تم بدم بارد أو حارّ غير ذي معنى، وأية حملات إدانة لا تخرج عن إطار الغضب والتعاطف والتصريحات والبكائيات، مهما اتسعت أو امتدت، غير ذات مفعول، إن لم تقترن بفعل تعاون رسمي وشعبي حقيقي يقود إلى القبض على أفراد هذه العصابة العائلية والاقتصاص منهم، أياً كانت الجهة التي ينتمون إليها، أو العشيرة التي يختبئون تحت عباءة عاداتها وتقاليدها.

هل يمكن أن تتحول قضية فتاة الحسكة إلى بداية جديدة لإنهاء وردع حدوث مثل هذه الجرائم التي تتكرر باستمرار بحق الفتيات والنساء تحت ذرائع " الشرف" وذرائع مخفية أخرى؟

في مقتل عايدة، التي عذبت بدورها وهي تحتضر، والقتلة الذين يشكلون عائلتها فارون حتى الآن، وحيث أن لا أب أو أم عطوفين يمكن أن يستأجرا لوحات إعلانية لنصرة قضية ابنتهما، ستكون المواجهة الحقيقية ضد هذه الجريمة أن يتحول الرأي العام إلى أهل لها ويحل بديلاً عنهم.

أن تتحول الأصوات الحرة المناهضة للقتل والتعذيب والعنف إلى شاخصات صادمة دائمة، ويستمر تقريع المجرمين والمتواطئين معهم من مؤيدي جرائم " الشرف" أو أي ممارسات همجية وعنفية ضد النساء، عبر إعلاء الصوت ضدهم وقض مضاجعهم بصور الضحايا وتسخير جميع الوسائل المتاحة للتحريض ضدهم، والسعي إلى تحويل مثل هذه القضية إلى قضية أممية رادعة وحقيقية تلزم على أعلى المستويات سن قوانين دولية لا تختلف عن قوانين مكافحة الارهاب وتقتص من مثل هؤلاء المجرمين في كل مكان وزمان.
في العودة للفيلم، لم تتمكن الأم من العثور على قاتل ومغتصب ابنتها، لكنها تمكنت بالتعاون مع أحد أفراد الشرطة من العثور على مشتبه به آخر قاتل ومغتصب لفتاة أخرى، ليتحول هدفها في تحقيق العدالة من الخاص إلى العام، وجدوى النيل والاقتصاص من كل قاتل ومغتصب، أياً يكن، وأينما وجد.

الأمر الذي يتقاطع مع قضية عايدة فتاة الحسكة، ويوجب على الجميع السعي الجاد لتحويلها من نقطة انطلاق قضية عايدة إلى الفضاء العام، والتعامل معها برؤية جديدة كمسؤولية جماعية تسعى لمنع حدوث أي مصالحة أو غفران أو نسيان لها.

قضية مفتوحة مستمرة لا يطوى ملفها مع انتهائها، بل الاستمرار الجاد قدماً لفتح جميع الملفات المطوية والمغيبة، والبحث عن آليات فعّالة ومستديمة لإنقاذ ضحايا جدد يقضين أعمارهن تحت ظل سيف العادات والتقاليد واحتمال إنهاء حياتهن في أي وقت.

سنكون شاخصاتك يا عايدة، وكل أخواتك.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.