التنافس الاقتصادي والمالي بين البلدين قديم
التنافس الاقتصادي والمالي بين البلدين قديم

ليس الخلاف السعودي – الإماراتي في إطار "أوبك +" حول تقاسم حصص الإنتاج العالمي من النفط، سوى الجزء الظاهر من "جبل جليد" الخلافات بين البلدين الجارتين... الخلاف أكبر من ذلك، وأبعد مدى... وكان من الممكن للجدل حول "مظلومية" الإمارات، أن تبقى في الغرف المغلقة أو أن يُدار عبر القنوات الدبلوماسية بين أبو ظبي والرياض، لكن ظهوره للعلن على هذا النحو غير المسبوق منذ أربعة عقود، وانتقاله إلى منصات السوشال ميديا، بعد التصريحات الرسمية (الوزارية) المتبادلة، ودخول واشنطن وموسكو على خط الوساطة لاحتواء "الأزمة"، جميعها مؤشرات دالة على أن "وراء الأكمة ما وراءها".

دخل البلدان الحرب على اليمن في العام 2015 بأهداف مشتركة معلنة، وبغرفة عمليات موحدة، ومن ضمن تحالف أوسع، قادته المملكة العربية السعودية... لكن المراقب للمشهد اليمني عن كثب، لم تفته ملاحظة أن البلدين يسعيان وراء أهداف مختلفة، وصح فيهما القول: تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى... إذ برغم اشتراكهما في العداء للحوثيين، إلا أن ترتيب قائمة الأعداء والتهديدات المفترضة، كان مختلفاً بين الرياض وأبوظبي، ففيما نظرت الأولى للحوثي، بوصفه ذراعاً إيرانياً، كتهديد أكبر لأمنها واستقرارها، و"دفرسوار" إيراني في خاصرتها الضعيفة، كانت الإمارات تنظر لإخوان اليمن المسلمين "التجمع اليمني للإصلاح" بوصفه التهديد الأكبر لأمنها على المدى الأبعد، تأسيساً على خلاف أبعد وأعمق في نظرة البلدين لـ"الخطر الإيراني"، الذي ترى فيه الرياض تهديداً وجودياً، فيما تشاطرها أبو ظبي مواقف أقل حدة من طهران، لا تحول دون احتفاظها بمكانتها كثاني أكبر شريك تجاري لإيران، وبقيمة إجمالية تقترب من 17 مليار دولار.

يفسر ذلك جزئياً أو كلياً، جملة من الظواهر التي رافقت حرب التحالف على اليمن، منها: اندلاع "حرب وكالة" بين البلدين في جنوب اليمن، حتى أن حكومة عبد ربه منصور هادي "الشرعية" لطالما اتهمت الإمارات باغتيال رجالاتها واستهداف وحداتها العسكرية، سيما تلك التي تتألف أساساً من عناصر "التجمع اليمني"، فيما جوبهت محاولات الرياض إعادة هادي وحكومته إلى عدن، ولاحقاً تنفيذ اتفاق الرياض، بمقاومة مسلحة من قبل عناصر وجماعات محسوبة على الإمارات وممولة منها، وفي مقدمها "المجلس الانتقالي".

كما يفسر ذلك، "سرّ" إحجام الحوثيين عن استهداف الإمارات بصواريخهم الباليستية أو طائراتهم المسيّرة، رغم امتلاكهم القدرة على فعل ذلك، واكتفائهم بضرب أهداف في عمق الأراضي السعودية، ولقد سبق للحوثي أن أرسل بطائراته المسيّرة لتحلق فوق أهداف استراتيجية في الإمارات، وبعث بصورها الملتقطة إلى أبوظبي، من باب التذكير بذراعه الطويلة القادرة على الوصول إلى أهداف إماراتية "رخوة" و"حساسة"، ولكنه لم يفعل ذلك أبداً، ودائماً وسط اعتقاد بأن ثمة "اتفاق جنتلمان" بين الجانبين، أو بالأحرى بين أبوظبي وطهران، للوقوف عند بعض الخطوط الحمراء المتبادلة.

حرب الإمارات في اليمن وعليه، كانت حرب موانئ بامتياز، امتداداً لطموح إماراتي بالسيطرة على شبكة من الجزر والموانئ في الخليج وباب المندب والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومن ضمن رؤية تسعى في الاحتفاظ بمكانة موانئها المحورية في التجارة العالمية... وما أن بدا لأبوظبي أنها حصلت على مبتغاها، حتى أعلنت بأن حربها في اليمن قد وضعت أوزارها، ولم تتراجع عن هذا التصريح، إلا لفظياً، وبعد ضغط من المملكة، وأزمة صامتة مع ولي عهدها.

أما المملكة فحربها في اليمن وعليه، هي حرب جيواستراتيجية، تندرج في إطار صراع أكبر مع إيران وحلفائها، وتمس صميم نظرية الأمن الوطني السعودية، والتي طالما نظرت لليمن بوصفه بوابة التهديد الرئيسة لأمنها ووحدتها الترابية، وحرصت تبعاً لذلك، على تطوير أدوات نفوذ ناعمة وخشنة في الداخل اليمني، وما كان لها في أسوأ كوابيسها، أن تتخيل إيران وقد أصبحت جارة جنوبية لها، بلا عوائق ولا ممرات مائية عازلة.

قبل اليمن، كان البلدان قد ائتلفا لمواجهة ثورات الربيع وانتفاضاته، جمعهما القاسم المشترك الأعظم: منع انتقال شراراته إلى مجلس التعاون ونادي الملكيات العربية... ولأن هذه الثورات والانتفاضات، تميزت بهيمنة الإسلاميين عليها، أو نجاحهم في اختطافها لاحقاً، فقد وضع البلدان نصب أعينهما مواجهة الإسلام السياسي، الإخواني أساساً... لكن هنا أيضاً، لم تتمكن السعودية، وربما لم ترغب، في مجاراة الإمارات في مقارباتها الاستئصالية للجماعة، فهي بخلاف أبوظبي، لديها تاريخ طويل في التحالف مع الجماعة، وعرفت كيف توظفها لصالح استراتيجياتها الأكبر في المنطقة، سيما في زمن الحرب العربية الباردة ضد التيارات الناصرية والقومية واليسارية، وفي زمن "الجهاد العالمي" ضد الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي.

ولأن تركيا وقطر، ستصبحان في العشرية الفائتة، أهم رافعتين للجماعة الإخوانية، فقد كان طبيعياً أن تأتلف المملكة والإمارات في معسكر مناهض للدوحة وأنقرة... هنا ستندلع الأزمة الخليجية وسيعلن الحصار على قطر، بعد أن فشلت خطط "الحرب عليها" كما كشف ذات مرة، أمير الكويت الراحل... وهنا، ستصبح تركيا بدورها، تهديداً داهماً لأمن البلدين ودوريهما.
لكن مرة أخرى، لم تكن الرياض بكل خلفياتها وإرثها، بوارد مجاراة أبوظبي حتى نهاية الشوط: فما أن لاحت في الأفق بوادر عودة الديمقراطيين للحكم في الولايات المتحدة، حتى سرّعت المملكة من خطوات المصالحة مع قطر، وبصورة فاقت قدرة أبوظبي على الاحتمال.... وما أن وضعت قضية الخاشقجي أوزارها، حتى بدأت المملكة انفتاحها على تركيا، وبصورة عاكست رغبة الإمارات وأولوياتها، التي طالما نظرت لتركيا بوصفها تهديداً لأمنها، لا يقل خطورة عن التهديد الإيراني، إن لم نقل إنه يفوقه بكثير... هذه المقاربة، غير معتمدة أبداً من قبل الرياض، فهي برغم خلافاتها مع أنقرة، إلا أنها تحتفظ معها بإرث طويل من علاقات التعاون، وهي ترى في طهران، وليس أنقرة، الخطر الأكبر والتهديد الرئيس.

وثمة مضمار آخر، لم تستطع الرياض أن تجاري أبوظبي في السباق عليه: صفقة القرن ومسار التطبيع مع إسرائيل... صحيح أن إدارة ترامب، اعتمدت كلياً على "المحمدين"، ابن زايد وابن سلمان، في صياغة وتطوير صفقة القرن، وراهنت عليهما لتسويغها وتسويقها، بل وظل جارد كوشنير حتى ربع الساعة الأخير، يراهن على إدماج المملكة في مسار "إبراهام"... لكن الصحيح كذلك أن استجابة البلدين لم تكن ذاتها، فالإمارات المتخففة من "ضغوط الرأي العام"، غير المتطلعة أبداً لقيادة عالم إسلامي، المتحررة من إرث مبادرة السلام العربية، كانت الأسرع والأكثر هرولة على هذا الطريق، فيما القاطرة الكبرى التي يقودها محمد بن سلمان، ما كان لها أن تستحدث الاستدارة الكاملة بهذه "الخفة والاستخفاف"... ذهب ابن زايد بعيداً في نسج خيوط تحالفه مع إسرائيل، ووقف ابن سلمان عند خط الاتصالات السرية، متردداً، باحثاً عن مواطئ جديدة لخطواته القادمة.

إلى أن جاءت إدارة بايدن، فيفقد "التطبيع" زخمه الاستراتيجي كنواة لتحالف شرق أوسطي ضد إيران، إدارة تعتمد "أقصى الدبلوماسية" بدلاً عن "أقصى الضغوط"، وتسعى جاهدة لإحياء اتفاق فيينا النووي مع إيران... لتبدأ السعودية فتح قناة اتصال "بغدادية" مع إيران، ولتتحول وظيفة التطبيع من وسيلة لحشد الحلفاء ضد إيران، إلى رافعة لتعزيز مكانة أبوظبي في إطار المنظومة الخليجية، وغالباً، لاستحداث توازنين في علاقاتها الخليجية: الأول في علاقة الإمارة الصغيرة بجارتها الكبيرة، والثاني، لمعادلة نفوذ المحور القطري التركي.

يفسر ذلك، جزئياً أو كلياً، "سرّ" القلق السعودي من نوايا أبو ظبي التطبيعية مع إسرائيل، وقيام الرياض باستهداف منتجات المناطق الحرة الإماراتية والبضائع التي تحتوي على مدخلات إسرائيلية، وتراجع الراهنات على قرب حدوث اختراق في العلاقات ما بين المملكة وإسرائيل، سيما وأن الأنباء من واشنطن لا تشجع على "تزخيم" التطبيع، بعد أن عادت إدارة بايدن إلى مألوف السياسات الأميركية من المسألة الفلسطينية، وجمّدت مؤخراً أنشطة "صندوق إبراهام".

التنافس الاقتصادي والمالي بين البلدين قديم، وما زلنا نستذكر خلافهما حول استضافة مقر البنك المركزي الخليجي عندما طُرح كفكرة في إطار مشروع "العملة الخليجية الموحدة" ذات يوم... السعودية بقيادة ولي عهدها، تولي اهتماماً مركزياً بمستقبلها الاقتصادي لعصر ما بعد النفط، ومدينة "نيوم"، حلم ولي العهد، مرشحة موضوعياً، للدخول وبقوة، في منافسة حادة مع دبي، برغم النفي المتكرر لهذه النوايا من الجانبين، وقرار المملكة اشتراط احتفاظ الشركات الكبرى بمقرات لها على أراضيها إن هي أرادت المنافسة على العطاءات الحكومية، هو ضربة في الصميم لمكانة أبوظبي، وقرار ابن سلمان إنفاق ما يقرب من 150 مليار دولار في تسع سنوات لتطوير البنى التحتية واللوجستية للمملكة، هو تهديد لمكانة الإمارات بوصفها المركز الأول للنقل الجوي والبحري والترانزيت والتجارة في الإقليم برمته... وسياسات ولي العهد الانفتاحية ونشاطات هيئة الترفيه السعودية، تعزز فرص المملكة في المنافسة على استقطاب السائحين، بدءاً بالسعوديين منهم، الذين سيجدون داخل بلدهم، وجهات سياحية منافسة للإمارات.

العقد القادم، وفقاً لأغلب المراقبين، هو عقد التنافس الملامس ضفاف النزاع، بين البلدين الجارين، وستزيد من حدته، رغبة كل من "المحمدين" في لعب أدوار قيادية تتخطى حدوده الوطنية... السعودية، موضوعياً، تتوفر على مقومات القيام بهذا الدور، بخلاف الإمارات وقطر، الإمارتان الصغيرتان، اللتان لعبتا في السنوات العشر الفائتة، أدوراً أكبر بكثير من حجميهما الطبيعيين... وإذا كانت قطر قد قررت إعادة "التموضع" وإعادة تعريف دورها كـ"وسيط" في الأزمات، و"منصة" لحوار المختصمين والمتصارعين، بدل أن تكون طرفاً خشناً فيها، فإن الإمارات لم تصل إلى هذه النتيجة بعد.

محمد بن سلمان، على ما يبدو، قرر استعادة ما هو للمملكة من أدوار قيادية، بدءاً من المنظومة الخليجية، وربما لهذا السبب يستعجل الرحيل عن اليمن، ولكن بشرط حفظ ماء وجهه... ويريد أن يدفن صور الخاشقجي، التي ألحقت أفدح الضرر بصورته، لكنه في مسعاه للوصول إلى هذه الغاية، يجد أن دول المنظومة ذاتها قد تغيرت... وثمة منافسين له على قيادة القاطرة الخليجية، لعل صديقه وحليفه السابق، ولي عهد الإمارات أكثرهم عناداً واقتداراً، ومن الآن فصاعداً، فليس من المستبعد، أن تتحول أية قضية خلافية، بحجم الخلاف على حصص الإنتاج في "أوبك +" إلى أزمة بحاجة إلى وساطات ومساعٍ حميدة..."المحمدان" متشابهان في شخصيتهما وطموحاتهما، وجنوحهما للسيطرة والمغامرة،  وقد تَصِحُ فيهما النظرية الفيزيائية عن تنافر الأقطاب المتشابهة للمغناطيس، ومن يعش ير. 

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.