محنة العراقي أنّه يرى أمام عينيه ثرواته تُسلب وتنهب من قبل حكام تسلّطوا عليه
محنة العراقي أنّه يرى أمام عينيه ثرواته تُسلب وتنهب من قبل حكام تسلّطوا عليه

يردد السياسيون والمراقبون في العراق كلمات التحذير بشأن انفلات الوضع الأمني والتحديات الاقتصادية وغياب الرؤية والسياسات العمليّة نحو تحقيق الإصلاح ومحاربة تغوّل الفساد وسوء الإدارة. وفي الآونة الأخيرة تكررت كثيراً عبارات التحذير من الذهاب نحو الفوضى، وهذه الأيّام تُردَد عبارة الخوف مِن سير العراق نحو المجهول. 

لازلتُ أعتقد بأن التحذيرات التي تصدر من السياسيين في العراق هي أصدق تعبير عن ما يمكن تسميته بالفجوة الإدراكية بين المواطن والسياسي في بلد تعصف به الأزمات ويشهد الانهيار والتغييب المتعمّد لدَور المؤسسات وسلطة القانون في عمل النظام السياسي، وانعدام الثقة ما بين المواطن ومؤسسات الدولة. 

أيُّ مجهول وأيّ فوضى يمكن أن تجعل المواطن العراقي المغلوب على أمره يستشعر الخوفَ منها؟ فهو طوال ثمانية عشر عاماً يعيش تكراراً لنفس الأزمات، وهو يدفع ثمن فساد الحكومات والطبقة السياسية، ويواجه الجماعات الإرهابية، ويخرج متظاهراً مطالباً بالعيش الكريم فيدفع الثمنَ عشرات الشهداء والجرحى! ولا يحتاج الموضوع إلى الاستشهاد بالأرقام والمؤشرات عن فساد وفشل النخبة الحاكمة في العراق، إذ يكفي أن تسير في الطرقات والأزقّة وترى حجم الخراب في البنى التحتية مقارنةً بالأموال التي ترصد لترميمها أو إعمارها أو تشييدها! ويمكن اختزال حجم الخراب في هذه المعادلة: بلد يملك أكبر احتياطي من النفط والغاز، لكنّه فشل في بناء محطات الطاقة الكهربائية لتوفّر الكهرباءَ على مدار 24 ساعة، ويستورد بمليارات الدولارات المشتقات النفطيّة والغاز! 

محنة العراقي أنّه يرى أمام عينيه ثرواته تُسلب وتنهب من قبل حكام تسلّطوا عليه بعنوان "شرعية الانتخابات"، وآخرون يريدون أن يتسلطوا بعنوان "شرعية الجهاد والمقاومة"، وقبلهم ضاعت ثروات العراق وشاع الفساد والفوضى بفضل حكم زعامات سياسية كانت تدّعي بأنّها تعارض النظام الدكتاتوري. ويرى أن هذه الطبقة السياسية ما عادت تشعر بالعار من اتهامها بالخيانة والولاء للأجنبي وتنفيذ أجندته في دمار العراق. ونجد الكثيرَ من السياسيين يبرر التدخل الإيراني في العراق بعنوان إسلاميّ أو مذهبي، وبالوقت ذاته يتهم خصومه بالعمالة للأجنبي وبأنّهم ينفذون أجندة أميركية أو خليجية أو تركية! 

لا يدرك السياسي معنى المجهول، كما يعيش المواطن العراقي؛ لأنَّ السياسي يعد المجهول بمثابة خسارة السلطة والنفوذ والمكاسب. في حين المجهول بالنسبة للمواطن هو خيار قد يحمل فرصة للخلاص من هذه الطبقة السياسية التي تريد منه الذوبان في رمزية زعاماتها، ويتم التعامل معه باعتباره رقم لزيادة رصيدهم السياسي في المواسم الانتخابية. المجهول للمواطن هو بقاء هذه المنظومة السياسية حاكمة ومهيمنة على ثروات البلاد ومتسلّطة على رقاب العباد، وتريد أن تعاملهم معاملة القطيع التابع والمستعد للتضحية من أجل بقاء الزعيم وحاشيته. 

وأيّ مجهول يمكن أن يتخوّف منه المواطن العراقي بعد أن استهلك كلَّ محاولات إيصال صوته ومظلوميته من نظام حكم الاقطاعيات السياسية، ومن نظام سياسي وظيفته الأساس خدمة مصالح الزعماء السياسيين وتابعيهم، ولا يعرف لحدّ الآن مَن هو المسؤول عن تراكمات الخراب والفشل التي تحيط بكلّ مفاصل الحياة العامة. 

أمّا المجهول بالنسبة للطبقة السياسية، فهو لا يتضمّن الخوف من تفكك العراق أو تحدي الجماعات الإرهابية، أو تنامي مؤشرات الفساد، أو على أقل التقديرات بقاء العراق دولة فاشلة والسير نحو نموذج الانهيار اللبناني أو اليمني أو الليبي. وإنما يحمل هذا الخطاب نوعاً من التلويح بالتهديد لكلّ مَن يفكّر بالتظاهر أو الاعتراض على إدارتهم لِلحكم، فهم يريدون إيصال رسالة مفادّها: بأنَّ بديلنا الفوضى!

حقيقةً لا أعرف أي فوضى ممكن أن يتخوّف منها المواطن، وهو في كلّ يوم يتلمّس فيه ملامح غياب القانون وغياب ملامح وجود الدولة عندما تعيش في نظام مفرَط في تفككه وتعدد مراكز القوى داخله، ولا يملك من يتصدى للحكم أي خطط أو استراتيجيات للتنمية، ولا نعرف من يرسم السياسات العامة بالبلاد، ومن المسؤول عن سياسة البلد الخارجية!

يتجه العراق نحو المجهول حتماً إذا بقيت المنظومة السياسية تعمل على ترسيخ مبادئ التعايش مع عشوائيات متحكّمة ومهيمنة على المجال العام بعناوين دينية وطائفية وقوميّة تنتمي إلى مجالات ما قبل الدولة. وتتنافس معها جماعات مسلّحة تستغل ضعف الحكومات وعجزها عن احتكار العنف وتريد أن تفرض نفسها كقوة متحكّمة ومسيطرة على الدولة والمجتمع.

يدرك المواطن أنَّ مصير بلده المجهول سيواجهه لوحدة، فأغلب السياسيين ضمنوا مستقبلهم ومستقبل أولادهم وأحفادهم في البلاد الأجنبية التي أتوا منها حاملين جنسياتها، أو في البلاد التي يتبعون قرارَها السياسي وينفذون أجندتها، ولذلك هم لا يدينون بالولاءِ لِلبلد الذي يتولّون فيه أعلى المناصب ويحصلون على أعلى الامتيازات وينهبون أمواله. وهؤلاء لا فرق بينهم وبين الغزاة الأجانب، فالعراق بالنسبة لهم مكان غير صالح للعيش، وهو مجرّد محطّة استثمارية لتنمية الثروات بطرق غير شرعية.

كيف لا يخاف السياسيُّ مِن المجهول الذي يحمل في طيّاته التحذير من خسارة المكاسب والمغانم؟ ونحن نعرف أنه لولا الفوضى في العراق وانعدام المعايير لَما تفككت بُنى الدولة التي سمحت لطبقة سياسية من الطفيليين والانتهازيين بالوصول إلى سد الحكم، ليفرضوا سيطرتهم على مؤسسات ووزرات ومحافظات بأكملها. فالكثير من السياسيين تحوّلوا إلى "زعماء" و"قادة" و"رموز سياسية" مِن دون أن يمتلكوا أيَّ موهبة أو مؤهل سياسي يسمح لهم بالتميز. وصار هؤلاء يتشبثون بالوهم ويعيشون أكذوبة الزعامة، ولذلك باتوا على استعداد لتقديم التنازلات والتضحية بموارد الدولة كلّها في سبيل ضمان بقاءهم في السلطة. 

وفي ظلّ حكم هذه المنظومة السياسية كيف يمكن للمواطن العراقي أن يتأمل غير الخراب والفوضى، إذ أن بدائلها حتّى لو كانت عالية التكلفة، فهي ليست أسوأ من البقاء تحت رحمة نظام حكم يخضع لسيطرة الفاشلين والفاسدين.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.