أفغانستان - طالبان
"هؤلاء كانوا تقليدياً الخزان المثالي والأكثر خصوبة لحركات الإسلام السياسي"

كيف لنا أن نتخيل "شاباً هشاً" من أبناء مجتمعاتنا وهو يتلقى الأخبار الواردة بتسارعٍ هذه الأيام من أفغانستان!.  

كيف تؤثر تلك الأخبار التي تقول إن حركة طالبان القروسطية المتطرفة قد أعادت السيطرة خلال أسبوعين فحسب على ثلثي مساحة تلك البلاد الشاسعة والقاسية، وبالتحديد بعد عشرين عاماَ كاملة من الحرب مع أعتى قوى العالم.

تلك القوى التي تمكنت خلال هذه الفترة بالضبط من تغيير كل شيء في الكون، حتى أنها وصلت للمريخ، ولم تستطع أن تقتلع هذه الحركة المتطرفة، التي عادت إلى سابق عهدها. إذ كيف هذا الحدث الصادم لأي منطق إنساني أن يؤثر على وجدانه وعقله وسياق تفكيره، وأولاً على وعيه لنفسه وللعالم، وتالياً خياراته الوجدانية والسياسية الكُبرى اتجاه كل أشياء الحياة!.  

لكن قبل ذلك، من هُم هؤلاء "الشبان الهشون"!.  

هُم بالضبط هذه الأغلبية الكُبرى من أبناء مجتمعاتنا التعيسة، من الشُبان الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و ٣٥ عاماً، من العاطلين عن العمل أو المنخرطين في أعمال غير مستقرة ودون أفق واضح، الذين يعيشون في أطراف المُدن وخارج الفعل والدور الاجتماعي المركزي، غير المحصنين بتجارب مريحة للعيش والسفر والبحث عن "مُتع الدُنيا"، ولو لفترة قصيرة من أعمارهم.

أولئك الذين تلقوا تعنيفاً زمنياً متدرجاً، من فضائهم العائلي وثم من محيطهم الاجتماعي، إلى أن انتهوا بعنف أصحاب العمل وأجهزة الدولة، الذين سمته بعض الدراسات الاجتماعية بـ"الحيطيست"، لأنهم يقضون أغلب أوقات يومهم في الشوارع والساحات العامة لمُدنهم، مستندين بظهورهم إلى الحيطان وعاطلين عن كل عمل وإنتاج.  

هؤلاء الشبان، الذين تُقدر أعدادهم في بلدان شرق المتوسط بعشرات الملايين على الأقل، الذين تتأتى هشاشتهم من تركيبين من النزعات المتداخلة: من جهة يفقدون أي ثقة بالذات والوقائع التي يعيشونها، ولأي قدرة على بناء سياق ما ذو معنى لحياتهم الخاصة ومستقبلهم الاجتماعي والاقتصادي.

ومن جهة أخرى، هُم الأناس الذين يملكون قابلية للانسياق في التطلعات والمشاريع والرؤى الفوقية والهوائية بشكل تام. تلك المشاريع غير الواقعية، التي تدخر كمية مذهلة من الخطابية والإيديولوجيات التقريعية، التي تتخيل وتبشر بعوالم مستقبلية "مثالية"، وإن دون أي مضامين فعلية. 

ولهذين التركيبين بالضبط، فإن هؤلاء كانوا تقليدياً الخزان المثالي والأكثر خصوبة لحركات الإسلام السياسي، من أكثرها "اعتدالاً" إلى أفظعها تطرفاً مثل داعش، لأنها كانت تمنح بؤس هؤلاء الشبان استجابة ميكانيكية، عبر خطابية دينية حماسية، ممزوجة بنقمة مريرة على السلطات السياسية والقوى المجتمعية، مبينة ومستفيدة من مظلومية ومرارة هؤلاء تجاه الأنظمة الحاكمة.  

لم تجف آبار هذا الإسلام السياسي منذ سبعة عقود كاملة مضت، لأن أحوال هؤلاء الشُبان الهشين تفاقمت منذ ذلك الوقت على بؤس متدفق، سنة بعد أخرى. تمضرت في طوفان العشوائيات التي انتشرت كالفطر في عواصم ومُدن هذه البلدان، وارتفاع نسبة البطالة وتراجع مستوى التعليم وتضخم آفة الفساد والنهب العام وغياب الحريات السياسية والعامة، وأولاً عبر تكريس الشموليات لبنيانها الصلب.  

لسبعة عقود كاملة، بقي الإسلام السياسي يتلون ويستخدم كل شيء في سبيل الحفاظ على الوشائج التي بينه وبين ذلك الخزان. من الإخوان المسلمين إلى حزب التحرير، مروراً بالإسلام السياسي الاشتراكي والسلفي والجهادي العالمي، وطبعاً بالحركات الإسلامية الدعوية والنسوية والتحديثية من الإسلام السياسي، التي كانت تتقصد كلها لملمة هذه الكتلة من البشر، تنظيمهم وإدخالهم في مشروع سياسي سلطوي، رمزي ومادي في الآن عينه. 

 لكن عاملاً رئيسياً كان قد طرأ خلال الأعوام الخمسة الماضية، بشر بإيصال هذا الإسلام السياسي إلى أواخره، وعزله عن خزانه التقليدي هذا.  

لقد كانت تجربة داعش هي ذلك العامل، لأنها قالت وكشفت النِصاب النهائي الذي يُمكن أن يصل إليه أي إسلام سياسي في المحصلة، العنف الأرعن مع معادة كل حداثة إنسانية ومحق تام لإرادة المجتمعات المحكومة، حتى بالنسبة لأكثر الأفراد المُسلمين تسليماً بشرعية الإسلام السياسي أو شرعية هذا التنظيم بالذات.

حدث كل ذلك في المحصلة، مع رفض مطلق من قِبل المجتمع الدولي والأنظمة الإقليمية، المختلفة في شيء، لكن المُجمعة على استحالة القبول بسُلطة وشرعية الإسلام السياسي.  

كانت تلك المحصلة الداعشية بمثابة إعلان بأن الإسلام السياسي بمسيرته ومختلف توجهاته إنما فقط يملك "اللاشيء"، كمضامين وطروحات وأفق وبدائل لكل ما كان يعانيه أو يأمله ذلك الخزان. وتالياً فإن أعضاء خزانها الطبيعي صاروا بالتقادم أقرب لاجتراح بدائل أخرى، أياً كانت، لكن الإسلام السياسي خسر مضامينه الجاذبة لتلك القواعد الاجتماعية، الملايين من الشُبان الهشين/الحيطيست.  

أحوال أفغانستان الأخيرة هي كسر موجع لذلك السياق من "الهلاك" المتقادم للإسلام السياسي، قول في الصميم إن حركة تفتت ذلك الإسلام السياسي إنما يُمكن أن تعاني من نكوص جوهري، مسيرة نحو النداء بأن ذلك الإسلام السياسي يُمكن أن يعود لتشييد بنيانه ومكامن قوته. وأن هذا الإسلام السياسي يملك قابلية وديناميكيات لكسر القوى الإقليمية والإرادات الدولية، ولو بعد عقود من الحرب، وأنه حتى بأكثر أنماطه تطرفاً يُمكن أن يجلس على طاولات التفاوض في العواصم الكُبرى، أن يُستقبل قادته القروسطيون باعتبارهم زعماء سياسيين عالميين. 

بالنسبة لما يجري في أفغانستان راهناً، ثمة لحظة تشبه ما حدث في العام 1979، حينما انتصر الملالي على نظام الشاه في إيران، وصارت دولة إقليمية كُبرى خاضعة لخياراتهم السياسية ونزعاتهم الإيديولوجية، فكانت دفعة قوية لتنظيمات وأفراد وإيديولوجيات الإسلام السياسي في المنطقة، تمنحهم "أملاً" وإيماناً بأنه ثمة ما هو مُمكن، والتجربة التي أمام العين إثبات كبير على ذلك.  

يتنصر المتطرفون في أفغانستان، فيأمل نظراؤهم في بلداننا بإعادة الوشائج مع خزان الهشاشة الاجتماعية، في وقت تتقاسم فيه أحزاب وإيديولوجيات وسياقات باقي القوى والتطلعات السياسية في منطقتنا، السلطوية والمعارضة منها على حد سواء، فظائع المكاذبات والنهب العام، وفقط كذلك.     

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.