تخلي البعض عن الكمامات في الولايات المتحدة بعد التوصيات الجديدة أثار الخوف لدى آخرين
خبراء الصحة يعتبرون أن ارتداء الكمامة عامل مهم في حماية الناس من انتشار فيروس كورونا

في منتصف شهر أبريل العام الماضي، وعندما كان الوباء في بداياته، وكانت التعليمات الصحية/ الحكومية تُلزم جميع مرتادي المحلات المغلقة بوضع الكمامة على الأنف والفم، وبالتباعد الجسدي، دخل أحد المواطنين محلا كنت أقف فيه عند نقطة الدفع/ الحساب، وبدأ يأخذ بعض البضائع من هنا وهناك ويضعها على الطاولة التي بجانبي. كان لا يرتدي الكمامة، ولا يلتزم بالتباعد الجسدي. ومباشرة، قلتُ له: الكمامة لو سمحت. وـ في الوقت نفسه ـ أشرتُ له بيدي أن يبتعد؛ ليضع مسافة بيني وبينه. في البداية، تعجّب، فلما أعدتُ الطلبَ عليه، وابتعدتُ ـ عمليا ـ عنه؛ في إشارة لكون هذا المستوى من التقارب خطرا، بدأ يفهم أني جاد. فما كان منه إلا أن قال ـ على سبيل الاعتراض ـ: "يا أخي، كلنا خائفون على صحتنا".   

ما الذي يعنيه تصرفه ابتداء ؟ وما الذي يعنيه اعتراضه انتهاء ؟ طبعا، تصرفه يعني أنه ـ كعامي معني بالمباشر والعيني، وبالمؤكد اجتماعيا/ تقليديا ـ غير مُهْتَمٍّ بالوباء، وعدم الاهتمام هذا، فرع على أصل أنه غير مدرك لخطورة الوباء. وأما اعتراضه فهو يعني أنه غير واعٍ بطبيعة الوباء؛ من حيث آلية انتشاره بين الناس. فهو لم يفهم معنى "وباء"، بل "الوباء" لديه يُعادِل "المرض"! وبهذا، فَهِمَ أن الكمامة تعنيه خاصة، وأنها لحمايته فقط، ولا شأن للآخرين بها. 
    
إذن، بما أنه يتصور "الوباءَ" مجرد "مرض"، أي حالة لازمة؛ فقد اعتقد جازما (ودرجة الجزم هنا تُعادل درجة الجهل) أن صحته تعنيه هو فقط، وحينئذٍ؛ فإنني حين أطالبه بلبس الكمامة، فإني أتدخّل ـ ولو بحسن نيّة ـ في شأن خاص به وحده: صحّته، وطبعا، لن أكون أحرص منه على نفسه؛ كما يعتقد، وكما هو واقع الحال.
هذا نموذج لِكَيفيّة اشتغال "الوعي العامي" الذي يفتقد للحد الأدنى من العلم، العلم الذي يُرْفَع به الجهلُ في موضوعٍ عملي هو حديث الساعة، وهو خطر الساعة أيضا. هو تصوّر أن الخطر الناتج عن عدم لبسه للكمامة/ الوباء، يُماثل تماما، خطرَ أكْله لطعام فاسد/ المرض. وهنا، إذا كان ليس من حقي أن أقول له على سبيل الإلزام: لا تأكل هذا الطعام الفاسد المُتسمّم، فكذلك ـ كما يعتقد هو ـ ليس من حقي أن أقول له: لا تدخل علينا المحل بدون كمامة. هو لا يعي الفرق، أي لا يعي أن أكله الطعامَ الفاسد يتسبب في مرضه خاصة، بينما عدم التزامه بلبس الكمامة يتسبب في مرض الآخرين، وقد يودي بحياتهم، وحياة الألوف بعد ذلك.

مؤكد أن المسألة واضحة هنا. لكن لماذا أطلتُ في عرضها؛ رغم وضوحها ؟ في الحقيقة أردت لهذه المسألة مزيدا من الوضوح؛ لأن استيعابها (والاستيعاب درجة أعلى من مجرد معرفة الأمر في ظاهره) يكفي لاستيعاب العامل الأهم في محاصرة الوباء: لقاح كورونا. فالحملات الشعبوية التي تُنادِي بـ"لا، للتطعيم الإجباري"، تتجاهل أو تجهل هذه المسألة التي أردت إيضاحها من خلال قصتي مع هذا المُتَسوِّق الذي رفض لبس الكمامة؛ لأنها ـ كما يتوهم ـ لحمايته هو أولا وأخيرا، وبالتالي، لا علاقة للآخرين بها، ولا حقَّ لهم في إجباره عليها.    

إن الكمامة غير إجبارية، وإجبارية في آن معا؛ وكذلك اللقاح، غير إجباري، وإجباري في آن معا. كيف ؟! لو أنك عزلت نفسك في بيتك فلم تخرج، أو نفيت نفسك في بقعة نائية من الصحراء، أو في واد سحيق، أو في أدغال غابة...إلخ؛ بحيث لا تُضْطر للاقتراب من أحد (انتفاء احتمالية العدوى)، فلن تُلاحِقك عناصر الشرطة لتجبرك على لبس الكمامة أو على تلقي اللقاح. لكنك ستُجبر على مقومات الوقاية الضرورية (الكمامة، التباعد، واللقاح؛ وهو أهمها اليوم)، عندما تريد الاشتراك مع الآخرين في فضاء مكاني خاص. 

عليك أن تعرف ـ باستيعابٍ تام ـ أن جسدك الذي تحمله أو يحملك، ليس محايدا، بل هو مصدر خطر محتمل على الآخرين، كما أن أجساد الآخرين مصدر خطر عليك. وهذا يعني أن ثمة قوانين اجتماعية يلتزم بها جميع الأفراد لحماية الجميع؛ كشرط أولي للعيش المشترك. كل القوانين الاجتماعية والأنظمة القانونية هي لتسيير الحياة في سياق التشارك الاجتماعي؛ بحيث لا يَضرّ أحدٌ أفرادَ المجموع. حتى إشارة المرور، أنا مُجْبر على الالتزام بها تنازلا عن أصل حريتي، إنها تقيّدني عن الحركة لدقيقة أو أكثر؛ ليتمكن الآخرون من الحركة وهم واثقون بأنني لن أتحرّك، والعكس صحيح. 

إن الذين يُعارِضُون الإلزامَ بالتطعيم كشرط لدخول الأسواق والمطاعم والمقاهي والمكاتب الحكومية والمطارات والطائرات...إلخ الفضاءات المغلقة، يُريدون أن يحضروا بأجسادهم (التي هي مصانع محتملة لأخطر الفيروسات) إلى هذه الفضاءات؛ دون أن يبذوا أي شيء في سبيل تقليل نسبة الخطر فيها. هذه ليست مجرد أنانية متوحشة فحسب، بل غباء أو تغابي، يحمل طابعَ نقض/ خيانة أبجدياتِ الالتزام بشرط التشارك الاجتماعي. 
    
إن هؤلاء الذين يُطالبون بأن يكون لهم حق دخول الفضاءات المغلقة (التي هي فضاءات قائمة أساسا على قانون التشارك الاجتماعي) من دون تطعيم/ دون تحصين وقائي، لن يصمدوا في المطالبة؛ لو أن أحدا أخبرهم أنه يحمل مرضا خطيرا معديا، وأنه سيشاركهم المقعد المجاور في الطائرة. نعم، لو شعروا بأن مجاورهم في الطائرة يحمل أدنى مرض معدٍ؛ لرفعوا أصواتهم مطالبين بطرده، أو لتركوا الطائرة هاربين من "احتمال العدوى" من الجليس المُجاوِر.

كل دعاوى المعارضين للإلزام بالتطعيم في الفضاءات المغلقة المشتركة، يجمعها أنها لا تعي ـ باستيعاب كامل ـ الفرق بين "المرض اللازم"، و"المرض المتعدّي"، بين مجرد "المرض"، و"الوباء". أحدهم يقول: لماذا تُلْزمونني بالتطعيم؟ هل أنتم أحرص مني على نفسي (نفس كلام الأول الذي رفض لبس الكمامة) ؟ والثاني يقول: أنا ذو جسم قوي وأثق بصحتي ومناعتي، أي أن جسمي قادر على الصمود للمرض (طبعا، هذا وفق تقديره، بينما هذا الوباء لا يعرف مثل هذا التقدير الساذج!)؛ فلماذا تلزمونني بالتطعيم ؟ والثالث يقول: إنْ أصابني المرض، سأعالج نفسي على حسابي، ولن أطالبكم بعلاجي، فلماذا تُلْزمونني بالتطعيم ؟ والرابع يقول: الخائف على نفسه يأخذ اللقاح ويحمي نفسه، ومَن لا يُريد أخذه فله الحرية، ويتحمل مسؤولية نفسه لو أصيب، يعني بكلامه هذا: أنت خذ اللقاح لتحمي نفسك؛ فلماذا تلزمني بأخذه ؟

لاحظ، أن كل هؤلاء ينسى أو يتناسى أنه لو أصيب، فإنه لن يُمْرض لوحده، بل سيصبح مصدر خطر على الجميع، أي لا يُفرّق بين المرض والوباء. ربما أن الأخير/ الرابع، يعي أن المرض مُعدٍ، ولهذا هو يُطالب الآخرين الخائفين من المرض بأخذ القاح لحماية أنفسهم، كأنه يقول: أنت خائف مني أن أكون مريضا؛ فأنقل إليك المرض، إذن، قم بأخذ اللقاح لتحمي نفسك مني، لتدرأ بحرصك عاقبةَ إهمالي. وهذا الأخير، وإن أدرك طبيعة العدوى، إلا أنه لم يدرك تماما طبيعة عمل اللقاح في مكافحة العدوى، فاللقاح لا يحمي 100 في المئة، بل هو بنسبة 90 في المئة وربما أقل؛ حسب نوعية اللقاح وحسب تطور المتحوّرات وطبيعة الأجسام...إلخ، ما يعني أنني إذا أخذت اللقاح، فلن تكتمل دورة الوقاية إلا بأن يأخذه الآخرون المشاركون في الفضاءات المشتركة أيضا. أنا آخذ اللقاح، فأقلل النسبة، وأنت ـ كطرف ثان ـ تأخذه فتقلل النسبة أيضا, فإضافة تحصيني إلى تحصينك هو ما يُعزّز الوقاية، وليس التحصين من طرف ملتزم مقابل طرف مُهْمل.

هذا في مسألة: الاختيار والإلزام الجزئي. لكن، ماذا عن أصل مسألة الموقف الضدي من اللقاح ؟ أي، لماذا يتخذ المعارضون للقاح هذا الموقف، وبمثل هذا الحماس، بل ويُصِرّون على أن يتجاوز مواقفهم كأفراد؛ ليكون موقفا جمعيا ؟

في اعتقادي أن المسألة هنا تتعلق بالموقف من العلم أصلا، أي بكون العلم في أصله نتاج نُخْبة متجاوزة ـ وَعْياً ـ لمحيطها الاجتماعي، وهذا المحيط لا يلحق بها ـ على مستوى القناعات ـ إلا بعد عقود، وربما قرون. فالعلم، لم يتطور بالتساوق مع مجمل الرؤية الاجتماعية، لم يتطوّر العلم  بالتوافق مع عموم القناعات الاجتماعية، بل لم يتطور بالحياد معها، وإنما على العكس، تطوّر العلم بالتضاد مع عموم القناعات الاجتماعية، بل وبالصراع معها في كثير من الأحيان.        

الإنسان العامي، هو إنسان بدائي في مستوى وعيه العام. ومن حيث هو كذلك، فهو لديه هواجس التشكك والارتياب والخوف من كل جديد، من كل طارئ، من كل مُخَالف لما اعتاد عليه وألِفَه. وهذا الخوف والارتياب والتشكك يُفسّر الموقف من الوباء نفسه؛ قبل أن يُفَسّر الموقف من اللقاح. فمن الملاحظ أن الذين يُثِير اللقاح مخاوفهم وارتيابهم، ويجعلهم يبحثون عن "كوابيس مُؤَامَراتيّة"، هم أنفسهم الذين يُشَكّل لهم الوباء سِرًّا مغلقا يقاربونه بكثير من الشك والارتياب، بل وبـ"كوابيس المؤامرة" ذاتها.
    
إن الوباء بما رافقه من إجراءات واحترازات غير مفهوم لديهم، لأنهم ـ من حيث هم لا يقرأون في تاريخ الأوبئة ـ يرونه حدثا غير طبيعي في امتداد تجربتهم الواقعية (وهم لا يعرفون إلا ما جرّبوه واقعيا؛ من حيث هم لا يقرأون)، فيه غوامض وأسرار غير مفهومة. بينما علماء الأوبئة، بل وحتى من يقرأ في تاريخ الأوبئة من عموم المُهتمّين، يعلم أنه مجرد وباء في سلسلة طويلة من الأوبئة التي تُداهم البشرية بشكل دوري، وستستمر في ذلك؛ ما دامت الحياة على الأرض.

الوعي الخرافي هو الطبيعي الفطري في حياة الإنسان. يعني، لو تُرِكَ الإنسان لحاله؛ فسيجنح ـ من حيث هو كائن عاطفي غرائزي؛ عقله تبعا لعاطفته؛ وليس العكس ـ للتفكير الخرافي، وسَيُؤسِّس واقعَه على تصورات خرافية، وسيكون سعيدا ومبتهجا بها. بينما الوعي العلمي تطوّر مُفَارِق، إنه خروجٌ واعٍ قائم على تحييد العاطفي والغرائزي الذي يندمج فيه الجميع على هيئة قطيعية تمنحهم فرصة الاقتصاد في التفكير. 

إن هذا يعني أن ثمة صراعا بين الإنسان العامي والعلم، إنه صراع يُحدّد كثيرا من مسارات التطور الإنساني، سواء كان صراعا صريحا أو غير صريح، واعيا أو غير واعٍ، فمسار العلم ـ رغم كل منجزاته التي نقلت الإنسان من العسر إلى اليسر ـ هو مسار مُؤلم للإنسان، يشعر الإنسان معه أنه في قبضة الحقائق المؤلمة، يشعر أن عالمه مُحدّد بما هو معلوم على سبيل اليقين، بينما هو يريد أن يتجاوز ـ بأحلامه وخيالاته وآماله بل وبأوهامه ـ عالمَه المحدود إلى عالم غير محدود. وهذا ما جعل أتباع العقائد والعادات والتقاليد في كل بلد بالملايين، بينما أتباع العلم مجرد بضعة آلاف؛ هذا في أحسن الأحوال. وفيما يبدي أتباع العقائد والعادات والتقاليد كاملَ الاستعداد للتضحية بأموالهم وأنفسهم في سبيلها، يترددون عن بذل أقل الأشياء في سبيل العلم الذي نقل حياتهم من توحّش عالم الضرورة إلى رفاهية عالم الاكتفاء، أو ـ على الأقل ـ حاول ذلك، وقدّم خطوات عملية في هذا المضمار. 

على أي حال، مختصر القول هنا، أن هذا الموقف العامي التقليدي من العلم (= الوعي الخرافي)، هو الذي يُؤَسِّس ـ بقدر ما يُفَسِّر ـ حقيقة الموقف العامي التقليدي من اللقاح.
 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.