تخلي البعض عن الكمامات في الولايات المتحدة بعد التوصيات الجديدة أثار الخوف لدى آخرين
خبراء الصحة يعتبرون أن ارتداء الكمامة عامل مهم في حماية الناس من انتشار فيروس كورونا

في منتصف شهر أبريل العام الماضي، وعندما كان الوباء في بداياته، وكانت التعليمات الصحية/ الحكومية تُلزم جميع مرتادي المحلات المغلقة بوضع الكمامة على الأنف والفم، وبالتباعد الجسدي، دخل أحد المواطنين محلا كنت أقف فيه عند نقطة الدفع/ الحساب، وبدأ يأخذ بعض البضائع من هنا وهناك ويضعها على الطاولة التي بجانبي. كان لا يرتدي الكمامة، ولا يلتزم بالتباعد الجسدي. ومباشرة، قلتُ له: الكمامة لو سمحت. وـ في الوقت نفسه ـ أشرتُ له بيدي أن يبتعد؛ ليضع مسافة بيني وبينه. في البداية، تعجّب، فلما أعدتُ الطلبَ عليه، وابتعدتُ ـ عمليا ـ عنه؛ في إشارة لكون هذا المستوى من التقارب خطرا، بدأ يفهم أني جاد. فما كان منه إلا أن قال ـ على سبيل الاعتراض ـ: "يا أخي، كلنا خائفون على صحتنا".   

ما الذي يعنيه تصرفه ابتداء ؟ وما الذي يعنيه اعتراضه انتهاء ؟ طبعا، تصرفه يعني أنه ـ كعامي معني بالمباشر والعيني، وبالمؤكد اجتماعيا/ تقليديا ـ غير مُهْتَمٍّ بالوباء، وعدم الاهتمام هذا، فرع على أصل أنه غير مدرك لخطورة الوباء. وأما اعتراضه فهو يعني أنه غير واعٍ بطبيعة الوباء؛ من حيث آلية انتشاره بين الناس. فهو لم يفهم معنى "وباء"، بل "الوباء" لديه يُعادِل "المرض"! وبهذا، فَهِمَ أن الكمامة تعنيه خاصة، وأنها لحمايته فقط، ولا شأن للآخرين بها. 
    
إذن، بما أنه يتصور "الوباءَ" مجرد "مرض"، أي حالة لازمة؛ فقد اعتقد جازما (ودرجة الجزم هنا تُعادل درجة الجهل) أن صحته تعنيه هو فقط، وحينئذٍ؛ فإنني حين أطالبه بلبس الكمامة، فإني أتدخّل ـ ولو بحسن نيّة ـ في شأن خاص به وحده: صحّته، وطبعا، لن أكون أحرص منه على نفسه؛ كما يعتقد، وكما هو واقع الحال.
هذا نموذج لِكَيفيّة اشتغال "الوعي العامي" الذي يفتقد للحد الأدنى من العلم، العلم الذي يُرْفَع به الجهلُ في موضوعٍ عملي هو حديث الساعة، وهو خطر الساعة أيضا. هو تصوّر أن الخطر الناتج عن عدم لبسه للكمامة/ الوباء، يُماثل تماما، خطرَ أكْله لطعام فاسد/ المرض. وهنا، إذا كان ليس من حقي أن أقول له على سبيل الإلزام: لا تأكل هذا الطعام الفاسد المُتسمّم، فكذلك ـ كما يعتقد هو ـ ليس من حقي أن أقول له: لا تدخل علينا المحل بدون كمامة. هو لا يعي الفرق، أي لا يعي أن أكله الطعامَ الفاسد يتسبب في مرضه خاصة، بينما عدم التزامه بلبس الكمامة يتسبب في مرض الآخرين، وقد يودي بحياتهم، وحياة الألوف بعد ذلك.

مؤكد أن المسألة واضحة هنا. لكن لماذا أطلتُ في عرضها؛ رغم وضوحها ؟ في الحقيقة أردت لهذه المسألة مزيدا من الوضوح؛ لأن استيعابها (والاستيعاب درجة أعلى من مجرد معرفة الأمر في ظاهره) يكفي لاستيعاب العامل الأهم في محاصرة الوباء: لقاح كورونا. فالحملات الشعبوية التي تُنادِي بـ"لا، للتطعيم الإجباري"، تتجاهل أو تجهل هذه المسألة التي أردت إيضاحها من خلال قصتي مع هذا المُتَسوِّق الذي رفض لبس الكمامة؛ لأنها ـ كما يتوهم ـ لحمايته هو أولا وأخيرا، وبالتالي، لا علاقة للآخرين بها، ولا حقَّ لهم في إجباره عليها.    

إن الكمامة غير إجبارية، وإجبارية في آن معا؛ وكذلك اللقاح، غير إجباري، وإجباري في آن معا. كيف ؟! لو أنك عزلت نفسك في بيتك فلم تخرج، أو نفيت نفسك في بقعة نائية من الصحراء، أو في واد سحيق، أو في أدغال غابة...إلخ؛ بحيث لا تُضْطر للاقتراب من أحد (انتفاء احتمالية العدوى)، فلن تُلاحِقك عناصر الشرطة لتجبرك على لبس الكمامة أو على تلقي اللقاح. لكنك ستُجبر على مقومات الوقاية الضرورية (الكمامة، التباعد، واللقاح؛ وهو أهمها اليوم)، عندما تريد الاشتراك مع الآخرين في فضاء مكاني خاص. 

عليك أن تعرف ـ باستيعابٍ تام ـ أن جسدك الذي تحمله أو يحملك، ليس محايدا، بل هو مصدر خطر محتمل على الآخرين، كما أن أجساد الآخرين مصدر خطر عليك. وهذا يعني أن ثمة قوانين اجتماعية يلتزم بها جميع الأفراد لحماية الجميع؛ كشرط أولي للعيش المشترك. كل القوانين الاجتماعية والأنظمة القانونية هي لتسيير الحياة في سياق التشارك الاجتماعي؛ بحيث لا يَضرّ أحدٌ أفرادَ المجموع. حتى إشارة المرور، أنا مُجْبر على الالتزام بها تنازلا عن أصل حريتي، إنها تقيّدني عن الحركة لدقيقة أو أكثر؛ ليتمكن الآخرون من الحركة وهم واثقون بأنني لن أتحرّك، والعكس صحيح. 

إن الذين يُعارِضُون الإلزامَ بالتطعيم كشرط لدخول الأسواق والمطاعم والمقاهي والمكاتب الحكومية والمطارات والطائرات...إلخ الفضاءات المغلقة، يُريدون أن يحضروا بأجسادهم (التي هي مصانع محتملة لأخطر الفيروسات) إلى هذه الفضاءات؛ دون أن يبذوا أي شيء في سبيل تقليل نسبة الخطر فيها. هذه ليست مجرد أنانية متوحشة فحسب، بل غباء أو تغابي، يحمل طابعَ نقض/ خيانة أبجدياتِ الالتزام بشرط التشارك الاجتماعي. 
    
إن هؤلاء الذين يُطالبون بأن يكون لهم حق دخول الفضاءات المغلقة (التي هي فضاءات قائمة أساسا على قانون التشارك الاجتماعي) من دون تطعيم/ دون تحصين وقائي، لن يصمدوا في المطالبة؛ لو أن أحدا أخبرهم أنه يحمل مرضا خطيرا معديا، وأنه سيشاركهم المقعد المجاور في الطائرة. نعم، لو شعروا بأن مجاورهم في الطائرة يحمل أدنى مرض معدٍ؛ لرفعوا أصواتهم مطالبين بطرده، أو لتركوا الطائرة هاربين من "احتمال العدوى" من الجليس المُجاوِر.

كل دعاوى المعارضين للإلزام بالتطعيم في الفضاءات المغلقة المشتركة، يجمعها أنها لا تعي ـ باستيعاب كامل ـ الفرق بين "المرض اللازم"، و"المرض المتعدّي"، بين مجرد "المرض"، و"الوباء". أحدهم يقول: لماذا تُلْزمونني بالتطعيم؟ هل أنتم أحرص مني على نفسي (نفس كلام الأول الذي رفض لبس الكمامة) ؟ والثاني يقول: أنا ذو جسم قوي وأثق بصحتي ومناعتي، أي أن جسمي قادر على الصمود للمرض (طبعا، هذا وفق تقديره، بينما هذا الوباء لا يعرف مثل هذا التقدير الساذج!)؛ فلماذا تلزمونني بالتطعيم ؟ والثالث يقول: إنْ أصابني المرض، سأعالج نفسي على حسابي، ولن أطالبكم بعلاجي، فلماذا تُلْزمونني بالتطعيم ؟ والرابع يقول: الخائف على نفسه يأخذ اللقاح ويحمي نفسه، ومَن لا يُريد أخذه فله الحرية، ويتحمل مسؤولية نفسه لو أصيب، يعني بكلامه هذا: أنت خذ اللقاح لتحمي نفسك؛ فلماذا تلزمني بأخذه ؟

لاحظ، أن كل هؤلاء ينسى أو يتناسى أنه لو أصيب، فإنه لن يُمْرض لوحده، بل سيصبح مصدر خطر على الجميع، أي لا يُفرّق بين المرض والوباء. ربما أن الأخير/ الرابع، يعي أن المرض مُعدٍ، ولهذا هو يُطالب الآخرين الخائفين من المرض بأخذ القاح لحماية أنفسهم، كأنه يقول: أنت خائف مني أن أكون مريضا؛ فأنقل إليك المرض، إذن، قم بأخذ اللقاح لتحمي نفسك مني، لتدرأ بحرصك عاقبةَ إهمالي. وهذا الأخير، وإن أدرك طبيعة العدوى، إلا أنه لم يدرك تماما طبيعة عمل اللقاح في مكافحة العدوى، فاللقاح لا يحمي 100 في المئة، بل هو بنسبة 90 في المئة وربما أقل؛ حسب نوعية اللقاح وحسب تطور المتحوّرات وطبيعة الأجسام...إلخ، ما يعني أنني إذا أخذت اللقاح، فلن تكتمل دورة الوقاية إلا بأن يأخذه الآخرون المشاركون في الفضاءات المشتركة أيضا. أنا آخذ اللقاح، فأقلل النسبة، وأنت ـ كطرف ثان ـ تأخذه فتقلل النسبة أيضا, فإضافة تحصيني إلى تحصينك هو ما يُعزّز الوقاية، وليس التحصين من طرف ملتزم مقابل طرف مُهْمل.

هذا في مسألة: الاختيار والإلزام الجزئي. لكن، ماذا عن أصل مسألة الموقف الضدي من اللقاح ؟ أي، لماذا يتخذ المعارضون للقاح هذا الموقف، وبمثل هذا الحماس، بل ويُصِرّون على أن يتجاوز مواقفهم كأفراد؛ ليكون موقفا جمعيا ؟

في اعتقادي أن المسألة هنا تتعلق بالموقف من العلم أصلا، أي بكون العلم في أصله نتاج نُخْبة متجاوزة ـ وَعْياً ـ لمحيطها الاجتماعي، وهذا المحيط لا يلحق بها ـ على مستوى القناعات ـ إلا بعد عقود، وربما قرون. فالعلم، لم يتطور بالتساوق مع مجمل الرؤية الاجتماعية، لم يتطوّر العلم  بالتوافق مع عموم القناعات الاجتماعية، بل لم يتطور بالحياد معها، وإنما على العكس، تطوّر العلم بالتضاد مع عموم القناعات الاجتماعية، بل وبالصراع معها في كثير من الأحيان.        

الإنسان العامي، هو إنسان بدائي في مستوى وعيه العام. ومن حيث هو كذلك، فهو لديه هواجس التشكك والارتياب والخوف من كل جديد، من كل طارئ، من كل مُخَالف لما اعتاد عليه وألِفَه. وهذا الخوف والارتياب والتشكك يُفسّر الموقف من الوباء نفسه؛ قبل أن يُفَسّر الموقف من اللقاح. فمن الملاحظ أن الذين يُثِير اللقاح مخاوفهم وارتيابهم، ويجعلهم يبحثون عن "كوابيس مُؤَامَراتيّة"، هم أنفسهم الذين يُشَكّل لهم الوباء سِرًّا مغلقا يقاربونه بكثير من الشك والارتياب، بل وبـ"كوابيس المؤامرة" ذاتها.
    
إن الوباء بما رافقه من إجراءات واحترازات غير مفهوم لديهم، لأنهم ـ من حيث هم لا يقرأون في تاريخ الأوبئة ـ يرونه حدثا غير طبيعي في امتداد تجربتهم الواقعية (وهم لا يعرفون إلا ما جرّبوه واقعيا؛ من حيث هم لا يقرأون)، فيه غوامض وأسرار غير مفهومة. بينما علماء الأوبئة، بل وحتى من يقرأ في تاريخ الأوبئة من عموم المُهتمّين، يعلم أنه مجرد وباء في سلسلة طويلة من الأوبئة التي تُداهم البشرية بشكل دوري، وستستمر في ذلك؛ ما دامت الحياة على الأرض.

الوعي الخرافي هو الطبيعي الفطري في حياة الإنسان. يعني، لو تُرِكَ الإنسان لحاله؛ فسيجنح ـ من حيث هو كائن عاطفي غرائزي؛ عقله تبعا لعاطفته؛ وليس العكس ـ للتفكير الخرافي، وسَيُؤسِّس واقعَه على تصورات خرافية، وسيكون سعيدا ومبتهجا بها. بينما الوعي العلمي تطوّر مُفَارِق، إنه خروجٌ واعٍ قائم على تحييد العاطفي والغرائزي الذي يندمج فيه الجميع على هيئة قطيعية تمنحهم فرصة الاقتصاد في التفكير. 

إن هذا يعني أن ثمة صراعا بين الإنسان العامي والعلم، إنه صراع يُحدّد كثيرا من مسارات التطور الإنساني، سواء كان صراعا صريحا أو غير صريح، واعيا أو غير واعٍ، فمسار العلم ـ رغم كل منجزاته التي نقلت الإنسان من العسر إلى اليسر ـ هو مسار مُؤلم للإنسان، يشعر الإنسان معه أنه في قبضة الحقائق المؤلمة، يشعر أن عالمه مُحدّد بما هو معلوم على سبيل اليقين، بينما هو يريد أن يتجاوز ـ بأحلامه وخيالاته وآماله بل وبأوهامه ـ عالمَه المحدود إلى عالم غير محدود. وهذا ما جعل أتباع العقائد والعادات والتقاليد في كل بلد بالملايين، بينما أتباع العلم مجرد بضعة آلاف؛ هذا في أحسن الأحوال. وفيما يبدي أتباع العقائد والعادات والتقاليد كاملَ الاستعداد للتضحية بأموالهم وأنفسهم في سبيلها، يترددون عن بذل أقل الأشياء في سبيل العلم الذي نقل حياتهم من توحّش عالم الضرورة إلى رفاهية عالم الاكتفاء، أو ـ على الأقل ـ حاول ذلك، وقدّم خطوات عملية في هذا المضمار. 

على أي حال، مختصر القول هنا، أن هذا الموقف العامي التقليدي من العلم (= الوعي الخرافي)، هو الذي يُؤَسِّس ـ بقدر ما يُفَسِّر ـ حقيقة الموقف العامي التقليدي من اللقاح.
 

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.