ترامب انتقد باول بعد وفاته
ترامب انتقد باول بعد وفاته

في عام 1946 نشر جورج أورويل أحد أهم مقالاته السياسية بعنوان "السياسة واللغة الانكليزية" ربط فيه بين انحطاط السياسة في زمنه وانحطاط اللغة، من خلال ابتذالها المقصود بهدف التضليل وخلق الضبابية. يقول أورويل إن "اللغة السياسية – ومع بعض الاختلافات، فهذا صحيح بالنسبة إلى جميع الأحزاب، من المحافظين إلى الفوضويين – مصممة لجعل الأكاذيب تبدو وكأنها حقائق، والجريمة محترمة، ولإعطاء مظهر الصلابة للرياح".

أورويل يرى أن السجال السياسي الحديث يبين أن الكلمات التي تستخدم لا تهدف إلى نقل المعاني الواضحة والحقيقية والمقصودة، بل ربط جمل وعبارات بعضها معلب، وبعضها مكتوب بلغة خشبية، وحتما غير خلاقة، وبهدف التمويه والتعمية، وقلب المعاني رأسا على عقب ولصيانة الوضع القائم، ولتفريغ بعض الكلمات والمفاهيم من معانيها الأصلية. أورويل يرى على سبيل المثال أن مفهوم "الفاشية" قد فقد كل معناه في السجال السياسي في منتصف أربعينات القرن الماضي، وأصبح يعني ببساطة "شيئا غير مرغوب به".

بعد أكثر من 75 سنة، لا يزال المقال إلى حد كبير ملائما للواقع السياسي الأميركي، ودليلا لفهم أخطار تحقير أو إفساد اللغة السياسية، وخاصة في عصر الانترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي، على الرغم من أن نصّ أورويل كتب في منتصف القرن الماضي.

تحقير أو إفساد اللغة السياسية debasement of language قديم قدم "الدولة المدينة" city-state كما عرفها وعاشها الأغريق.  وإفساد اللغة السياسية كان جوهريا لنجاح الأنظمة الشمولية في العصر الحديث، كما يتبين من أي نظرة نقدية إلى النظام الفاشي في إيطاليا، والنازي في ألمانيا والشيوعي في الاتحاد السوفياتي. هذه الأنظمة أفسدت وحقّرت السياسة بمعناها الواسع والأصلي بما في ذلك مفهوم المواطنة، بعد أن حقرّت وأفسدت اللغة السياسية. الحركات السياسية العربية في العصر الحديث وخاصة الحركات والأحزاب القومية والإسلامية وخاصة تلك التي وصلت إلى السلطة حقرّت وأفسدت اللغة السياسية. انحطاط السياسات العربية في العصر الحديث مرتبط عضويا بتحقير وإفساد اللغة السياسية. الشعارات المضللة والأساطير القومية حول الوحدة والحرية والاشتراكية، تسببت في الواقع بالمزيد من التفكيك والتمزيق وقمعت الحرية وفرضت رأسمالية الدولة الجشعة. أما تلك التي نادت بشعار الإسلام هو الحل، انتهت بتحويل الإسلام السياسي إلى مصدر لخلق مشاكل واستقطابات لا تبدو وكأنها مقبلة على أي حلول.

انتجت الولايات المتحدة في العصر الحديث أكثر من حصتها من السياسيين والديماغوجيين من محقري ومفسدي اللغة السياسية، ومعظمهم كانوا ينتمون إلى اليمين المتطرف أو العنصري. بعضهم مثل حاكم ولاية الاباما (لأربعة مرات في خمسينات وستينات القرن الماضي) العنصري جورج والاس كانت لهم طموحات رئاسية لم يكن من السهل تجاهلها. والاس ترشح للرئاسة ثلاث مرات كديموقراطي، وفي المر ة الرابعة كمستقل) تحقير اللغة السياسية ليس حكرا على اليمين الأميركي، لأن بعض السياسيين والمثقفين اليساريين والتقدميين يقومون بممارسات مماثلة وإن كانت أقل خطورة وشيوعا.

ولكن لم يقم أي سياسي أميركي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بتحقير وإفساد اللغة السياسية في الولايات المتحدة كما فعل دونالد ترامب منذ لحظة دخوله في المعترك السياسي في 2015 حين رشح نفسه لمنصب الرئاسة وحتى الآن. في خطاب ترشيحه الأول وصف ترامب المهاجرين المكسيكيين "بالمغتصبين". ولاحقا وصف المهاجرين غير الموثقين "كقتلة ولصوص" يعتزمون "جلب الأوبئة" إلى البلاد، ولاحقا وصفهم "بالحيوانات". ترامب وصف الدول الأفريقية بأنها "ثقوب للقاذورات"، ووصف وسائل الإعلام الأميركية بانها "عدوة الشعب" ومنافسيه وخصومه السياسيين، بالمجانين والمختلين عقليا والفاسدين، في ما يعتبره الكثير من المحللين بعملية اسقاط عيوبه على الآخرين.

ينسب عادة إلى وزير الدعاية النازي جوزف غوبلز قوله "إذا كررت كذبة كبرى لأكثر من مرة، وواصلت تكرارها، فإن الناس سوف يصدقونها في النهاية". وبغض النظر عما إذا كان غوبلز بالفعل قد قال ذلك أم لا، فإن دونالد ترامب يمارس هذا التكتيك بشكل فعّال للغاية. تكرار عبارة "عدو الشعب" زاد من مشاعر التشكيك بمهنية وسائل الإعلام في الولايات المتحدة. تكرار عبارة "الأخبار الملفقة" أصبحت شعارا يلوح به أنصاره من بعض الذين يقرأون وأكثرية الذين لا يقرأون. تكرار عبارة "الانتخابات مزورة" (حتى قبل إجراء الانتخابات) كانت بمثابة هجوم مسبق وناجح إلى حد كبير في تسميم عقول أنصاره. بعد هزيمته في انتخابات نوفمبر الماضي، بدأ ترامب بترديد ما عرف لاحقا بعبارة "الكذبة الكبرى"، أي الادعاء بأن جوزف بايدن والديموقراطيين قد حرموه من الرئاسة بعد أن زوروا الانتخابات. هذه "الكذبة الكبرة" أدت إلى اجتياح مبنى الكابيتول في السادس من يناير الماضي، الأمر الذي أدى الى مقتل 5 اشخاص، من ينهم شرطيين، وجرح أكثر من مئة شرطي. اجتياح الكابيتول هو مثال صارخ على تحقير وإفساد اللغة السياسية الذي يؤدي الى إفساد وتحقير السياسية.

وفي هذا السياق يحاول ترامب وأنصاره إعادة كتابة تاريخ وملابسات اجتياح الكابيتول واعتباره "حدثا" (وليس اجتياحا أو هجوما) لا يتسم بالخطورة، لأن الرعاع الذين اجتاحوا مبنى الكابيتول لم يستخدموا الأسلحة النارية (المهاجمون استخدموا العصي والغازات المسيلة للدموع في هجماتهم الشرسة ضد رجال الشرطة) تضليل ترامب وأنصاره شمل الادعاء بأن عناصر يسارية معادية للفاشية هي المسؤولة عن العنف. في خطبه وتصريحاته الأخيرة حاول ترامب رفع مكانة احدى أنصاره التي قتلها شرطي خلال الاجتياح وأسمها آشلي بابيت إلى مرتبة الشهداء مطالبا بمعاقبة الشرطي الذي أطلق عليها النار لأنها كانت تحاول كسر أحد الأبواب التي حمت المشرّعين الأميركيين. ترامب لا يبالي بالشرطيين اللذين توفيا بسبب الاجتياح، أو عشرات أفراد الشرطة الذين جرحهم أنصاره. كل ما ينطق به ترامب الان، هو إفساد مقصود للغة السياسية. أنصاره يرددون هذه الكلمات والمفاهيم الرخيصة والمبتذلة والتي فرغت من مضمونها دون أن يدركوا بالضرورة أنهم ينشرون أكاذيب وأساطير.

ما فعله ترامب في السنوات الستة الماضية هو خلق "ثقافة" سياسية خطيرة مبنية على "شيطنة" الخصوم، والتعامل معهم برفض مطلق لما يمثلونه، وأي محاولة من الديموقراطيين لصيانة الدستور أو التقاليد والأعراف الديموقراطية، يقلبها ترامب وأنصاره رأسا على عقب، حين يدّعون أن محاولاتهم في الولايات التي يسيطر على مجالسها المحلية الحزب الجمهوري، خلق العقبات الإدارية واللوجستية لحرمان الشرائح المؤيدة للحزب الديموقراطي من ممارسة حقها في التصويت، تهدف إلى الحفاظ على "صدقية الانتخابات" أو "صيانة الدستور". في هذا الواقع المقلوب على رأسه يصبح الحزب الديموقراطي هو الذي يزور الانتخابات وينتهك الدستور.

خلال العقدين الماضيين ازدادت اللغة السياسية الأميركية فظاظة وشراسة مع احتدام حدة ما سمي "بالحرب الثقافية" بين المحافظين واليمين المتشدد من جهة والديموقراطيين الليبراليين والتقدميين من جهة أخرى حول قضايا تتراوح بين كيفية التعامل مع قادة الولايات الكونفدرالية الجنوبية التي زجت البلاد في الحرب الأهلية قبل 160 سنة، واقتناء الأسلحة النارية، والهجرة، وحقوق المثليين، وغيرها. انتخاب الرئيس باراك اوباما في 2008 أدى إلى ردود فعل سلبية ونابية من اليمين الأميركي المتشدد ومن العنصريين وخاصة في بعض الولايات الجنوبية. وفي هذا السياق يجب التنويه بظاهرة سارة بيلين، التي اختارها السناتور والمرشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري جون ماكين كنائبة له في حملته ضد أوباما، على انها مهدت إلى مجيء ترامب وحقبته التي أوصلت إفساد وتحقير السجال السياسي الأميركي إلى مستويات غير معهودة. سارة بيلين، مثلها مثل ترامب تكره وتخاف النخب السياسية والفكرية، ولا تؤمن بالعلم، ولا تؤمن بالتغيير البيئي، ولا تقرأ الكتب.  دونالد ترامب هو النسخة الذكورية الفظة لسارة بيلين.

خلال ولاية ترامب، وخاصة منذ بدء جائحة كورونا، التي سّيسها ترامب للتغطية على عجزه في التعامل الفعال معها، لوحظ ازدياد الاستخدام الرخيص والمهين وغير التاريخي لكلمات ومفاهيم سياسية وإيديولوجية وأحداث هامة مثل "الفاشية" و "النازية" و "المحرقة" holocaust، و "الابادة" genocide، أو لأسماء قادة مارسوا أسوأ أعمال القتل الجماعي في التاريخ مثل أدولف هتلر. معظم المذنبون ينتمون إلى اليمين المتشدد والعنصري، وإن كان البعض في التيار التقدمي في الحزب الديموقراطي لا يتردد في رشق اليمين المتشدد بتهم الفاشية. ما كتبه أورويل قبل 75 سنة عن تفريغ مفهوم "الفاشية" من معناه وجعله يعني أي شيء غير مرغوب فيه، ينطبق بشكل صارخ على ما يفعله الغلاة وخاصة في اليمين الجمهوري المتشدد والعنصري.

النائبة الجمهورية الجديدة مارجوري تايلر غرين المعروفة بفظاظتها وعدائيتها وصفت حض إدارة الرئيس بايدن المواطنين على استخدام الأقنعة الواقية من فيروس كورونا وتلقي اللقاحات المضادة، مثل معاملة النازيين لليهود خلال "المحرقة". قادة الحزب الجمهوري في الكونغرس تفادوا ذكر الموضوع لحوالي أسبوع قبل إصدار إدانات لفظية لها لم يصاحبها أي اجراء تأديبي. (في المقابل زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب كيفين ماكارثي، طرد النائبة اليزابيث تشيني من مركزها القيادي الثالث للحزب في مجلس النواب لآنها لم تتوقف عن انتقاد "الكذبة الكبرى" لترامب).

إفساد اللغة السياسية ليس محصورا فقط بالطبقة السياسية، بل تسرب إلى المجتمع ككل بما في ذلك في أوساط الفنانين والمثقفين والمعلقين السياسيين وكتبة العواميد من يمين ويسار. أصوات يمينية قارنت باراك أوباما بادولف هيتلر، أصوات يسارية قارنت جورج بوش الابن أيضا بهتلر، كما وصفت أنصار ترامب بالفاشيين. بعض قادة حركة "حياة السود هامة" يقولون إنهم في مواجهة مع "الفاشية" التي يمثلها ترامب وأنصاره. المتشددون من أنصار ترامب الذين يرفضون أي قيود على اقتناء الأسلحة النارية يصفون الجماعات المناوئة لهم في أوساط الحزب الديموقراطي بأنها فاشية ولا يترددون بالقول إنهم يفعلون ما فعله هتلر بهذا الشأن، الأمر الذي ساهم بالمحرقة (لا يوجد أي أساس من الصحة لمثل هذا الادعاء).

ولا يبدو أن هناك أي من الغلاة من الجانبين يريد أن يعترف بأن استخدام اسم هتلر ومقارنته بأي زعيم آخر، في أي حقبة او أي مكان، أو الاستخدام المهين "للمحرقة" أو "الإبادة" لوصف أي مذبحة كبيرة، أو جريمة ضد الانسانية يمكن أن يساهم في توضيح أي قضية سياسية. وهناك وصف قانوني دقيق لمثل هذه التسميات والمفاهيم والتي تفرّق بين المجزرة والابادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية. وفي هذا السياق تعرضت إدارة الرئيس بايدن إلى الانتقادات لأنها وصفت الانتهاكات البشعة والصارخة التي ترتكبها الحكومة الصينية ضد مواطنيها المسلمين (الإيغور) بأنها ترقى إلى مستوى "الإبادة" الجماعية. ويرى هؤلاء، وبعضهم من مؤيدي إدارة بايدن، أن العقاب الجماعي ضد هذه الفئة من الصينيين يختلف عن "القتل الجماعي لشعب معين" وفقا للتعريف القانوني لحرب الإبادة.

هذا الاستخدام المهين والرخيص لهذه الكلمات والمفاهيم يقلل من أهميتها ومعناها ليس فقط لضحاياها، بل للعالم ككل، والاستخفاف بهذه المفاهيم يحقر ويفسد أي نقاش جدي سياسي أو فكري لهذه الظواهر والمفاهيم، يهدف إلى فهم خطورتها والعمل على تفاديها في المستقبل.

أي قراءة متأنية لمقال جورج أورويل، خلال هذه الحقبة التي وصل فيها تحقير اللغة السياسية إلى مستويات غير معهودة وخطيرة بسبب طبيعة وسائل الاتصال الاجتماعي، لا يملك إلا أن يفكر أن أورويل قد "تنبأ" بمجيء تسونامي أميركي اسمه دونالد ترامب ليؤكد مخاوفه حول أخطار تشويه وإفساد اللغة السياسية، وما يمكن أن يفعله ذلك لإفساد وتحقير وتشويه النظام السياسي. جورج أورويل، الشجاع فكريا وسياسيا الذي توفي في 1950، كان ايضا نافذ البصيرة حين حذّرنا من دونالد ترامب وظاهرته، قبل 75 سنة. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.