ترامب انتقد باول بعد وفاته
ترامب انتقد باول بعد وفاته

في عام 1946 نشر جورج أورويل أحد أهم مقالاته السياسية بعنوان "السياسة واللغة الانكليزية" ربط فيه بين انحطاط السياسة في زمنه وانحطاط اللغة، من خلال ابتذالها المقصود بهدف التضليل وخلق الضبابية. يقول أورويل إن "اللغة السياسية – ومع بعض الاختلافات، فهذا صحيح بالنسبة إلى جميع الأحزاب، من المحافظين إلى الفوضويين – مصممة لجعل الأكاذيب تبدو وكأنها حقائق، والجريمة محترمة، ولإعطاء مظهر الصلابة للرياح".

أورويل يرى أن السجال السياسي الحديث يبين أن الكلمات التي تستخدم لا تهدف إلى نقل المعاني الواضحة والحقيقية والمقصودة، بل ربط جمل وعبارات بعضها معلب، وبعضها مكتوب بلغة خشبية، وحتما غير خلاقة، وبهدف التمويه والتعمية، وقلب المعاني رأسا على عقب ولصيانة الوضع القائم، ولتفريغ بعض الكلمات والمفاهيم من معانيها الأصلية. أورويل يرى على سبيل المثال أن مفهوم "الفاشية" قد فقد كل معناه في السجال السياسي في منتصف أربعينات القرن الماضي، وأصبح يعني ببساطة "شيئا غير مرغوب به".

بعد أكثر من 75 سنة، لا يزال المقال إلى حد كبير ملائما للواقع السياسي الأميركي، ودليلا لفهم أخطار تحقير أو إفساد اللغة السياسية، وخاصة في عصر الانترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي، على الرغم من أن نصّ أورويل كتب في منتصف القرن الماضي.

تحقير أو إفساد اللغة السياسية debasement of language قديم قدم "الدولة المدينة" city-state كما عرفها وعاشها الأغريق.  وإفساد اللغة السياسية كان جوهريا لنجاح الأنظمة الشمولية في العصر الحديث، كما يتبين من أي نظرة نقدية إلى النظام الفاشي في إيطاليا، والنازي في ألمانيا والشيوعي في الاتحاد السوفياتي. هذه الأنظمة أفسدت وحقّرت السياسة بمعناها الواسع والأصلي بما في ذلك مفهوم المواطنة، بعد أن حقرّت وأفسدت اللغة السياسية. الحركات السياسية العربية في العصر الحديث وخاصة الحركات والأحزاب القومية والإسلامية وخاصة تلك التي وصلت إلى السلطة حقرّت وأفسدت اللغة السياسية. انحطاط السياسات العربية في العصر الحديث مرتبط عضويا بتحقير وإفساد اللغة السياسية. الشعارات المضللة والأساطير القومية حول الوحدة والحرية والاشتراكية، تسببت في الواقع بالمزيد من التفكيك والتمزيق وقمعت الحرية وفرضت رأسمالية الدولة الجشعة. أما تلك التي نادت بشعار الإسلام هو الحل، انتهت بتحويل الإسلام السياسي إلى مصدر لخلق مشاكل واستقطابات لا تبدو وكأنها مقبلة على أي حلول.

انتجت الولايات المتحدة في العصر الحديث أكثر من حصتها من السياسيين والديماغوجيين من محقري ومفسدي اللغة السياسية، ومعظمهم كانوا ينتمون إلى اليمين المتطرف أو العنصري. بعضهم مثل حاكم ولاية الاباما (لأربعة مرات في خمسينات وستينات القرن الماضي) العنصري جورج والاس كانت لهم طموحات رئاسية لم يكن من السهل تجاهلها. والاس ترشح للرئاسة ثلاث مرات كديموقراطي، وفي المر ة الرابعة كمستقل) تحقير اللغة السياسية ليس حكرا على اليمين الأميركي، لأن بعض السياسيين والمثقفين اليساريين والتقدميين يقومون بممارسات مماثلة وإن كانت أقل خطورة وشيوعا.

ولكن لم يقم أي سياسي أميركي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بتحقير وإفساد اللغة السياسية في الولايات المتحدة كما فعل دونالد ترامب منذ لحظة دخوله في المعترك السياسي في 2015 حين رشح نفسه لمنصب الرئاسة وحتى الآن. في خطاب ترشيحه الأول وصف ترامب المهاجرين المكسيكيين "بالمغتصبين". ولاحقا وصف المهاجرين غير الموثقين "كقتلة ولصوص" يعتزمون "جلب الأوبئة" إلى البلاد، ولاحقا وصفهم "بالحيوانات". ترامب وصف الدول الأفريقية بأنها "ثقوب للقاذورات"، ووصف وسائل الإعلام الأميركية بانها "عدوة الشعب" ومنافسيه وخصومه السياسيين، بالمجانين والمختلين عقليا والفاسدين، في ما يعتبره الكثير من المحللين بعملية اسقاط عيوبه على الآخرين.

ينسب عادة إلى وزير الدعاية النازي جوزف غوبلز قوله "إذا كررت كذبة كبرى لأكثر من مرة، وواصلت تكرارها، فإن الناس سوف يصدقونها في النهاية". وبغض النظر عما إذا كان غوبلز بالفعل قد قال ذلك أم لا، فإن دونالد ترامب يمارس هذا التكتيك بشكل فعّال للغاية. تكرار عبارة "عدو الشعب" زاد من مشاعر التشكيك بمهنية وسائل الإعلام في الولايات المتحدة. تكرار عبارة "الأخبار الملفقة" أصبحت شعارا يلوح به أنصاره من بعض الذين يقرأون وأكثرية الذين لا يقرأون. تكرار عبارة "الانتخابات مزورة" (حتى قبل إجراء الانتخابات) كانت بمثابة هجوم مسبق وناجح إلى حد كبير في تسميم عقول أنصاره. بعد هزيمته في انتخابات نوفمبر الماضي، بدأ ترامب بترديد ما عرف لاحقا بعبارة "الكذبة الكبرى"، أي الادعاء بأن جوزف بايدن والديموقراطيين قد حرموه من الرئاسة بعد أن زوروا الانتخابات. هذه "الكذبة الكبرة" أدت إلى اجتياح مبنى الكابيتول في السادس من يناير الماضي، الأمر الذي أدى الى مقتل 5 اشخاص، من ينهم شرطيين، وجرح أكثر من مئة شرطي. اجتياح الكابيتول هو مثال صارخ على تحقير وإفساد اللغة السياسية الذي يؤدي الى إفساد وتحقير السياسية.

وفي هذا السياق يحاول ترامب وأنصاره إعادة كتابة تاريخ وملابسات اجتياح الكابيتول واعتباره "حدثا" (وليس اجتياحا أو هجوما) لا يتسم بالخطورة، لأن الرعاع الذين اجتاحوا مبنى الكابيتول لم يستخدموا الأسلحة النارية (المهاجمون استخدموا العصي والغازات المسيلة للدموع في هجماتهم الشرسة ضد رجال الشرطة) تضليل ترامب وأنصاره شمل الادعاء بأن عناصر يسارية معادية للفاشية هي المسؤولة عن العنف. في خطبه وتصريحاته الأخيرة حاول ترامب رفع مكانة احدى أنصاره التي قتلها شرطي خلال الاجتياح وأسمها آشلي بابيت إلى مرتبة الشهداء مطالبا بمعاقبة الشرطي الذي أطلق عليها النار لأنها كانت تحاول كسر أحد الأبواب التي حمت المشرّعين الأميركيين. ترامب لا يبالي بالشرطيين اللذين توفيا بسبب الاجتياح، أو عشرات أفراد الشرطة الذين جرحهم أنصاره. كل ما ينطق به ترامب الان، هو إفساد مقصود للغة السياسية. أنصاره يرددون هذه الكلمات والمفاهيم الرخيصة والمبتذلة والتي فرغت من مضمونها دون أن يدركوا بالضرورة أنهم ينشرون أكاذيب وأساطير.

ما فعله ترامب في السنوات الستة الماضية هو خلق "ثقافة" سياسية خطيرة مبنية على "شيطنة" الخصوم، والتعامل معهم برفض مطلق لما يمثلونه، وأي محاولة من الديموقراطيين لصيانة الدستور أو التقاليد والأعراف الديموقراطية، يقلبها ترامب وأنصاره رأسا على عقب، حين يدّعون أن محاولاتهم في الولايات التي يسيطر على مجالسها المحلية الحزب الجمهوري، خلق العقبات الإدارية واللوجستية لحرمان الشرائح المؤيدة للحزب الديموقراطي من ممارسة حقها في التصويت، تهدف إلى الحفاظ على "صدقية الانتخابات" أو "صيانة الدستور". في هذا الواقع المقلوب على رأسه يصبح الحزب الديموقراطي هو الذي يزور الانتخابات وينتهك الدستور.

خلال العقدين الماضيين ازدادت اللغة السياسية الأميركية فظاظة وشراسة مع احتدام حدة ما سمي "بالحرب الثقافية" بين المحافظين واليمين المتشدد من جهة والديموقراطيين الليبراليين والتقدميين من جهة أخرى حول قضايا تتراوح بين كيفية التعامل مع قادة الولايات الكونفدرالية الجنوبية التي زجت البلاد في الحرب الأهلية قبل 160 سنة، واقتناء الأسلحة النارية، والهجرة، وحقوق المثليين، وغيرها. انتخاب الرئيس باراك اوباما في 2008 أدى إلى ردود فعل سلبية ونابية من اليمين الأميركي المتشدد ومن العنصريين وخاصة في بعض الولايات الجنوبية. وفي هذا السياق يجب التنويه بظاهرة سارة بيلين، التي اختارها السناتور والمرشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري جون ماكين كنائبة له في حملته ضد أوباما، على انها مهدت إلى مجيء ترامب وحقبته التي أوصلت إفساد وتحقير السجال السياسي الأميركي إلى مستويات غير معهودة. سارة بيلين، مثلها مثل ترامب تكره وتخاف النخب السياسية والفكرية، ولا تؤمن بالعلم، ولا تؤمن بالتغيير البيئي، ولا تقرأ الكتب.  دونالد ترامب هو النسخة الذكورية الفظة لسارة بيلين.

خلال ولاية ترامب، وخاصة منذ بدء جائحة كورونا، التي سّيسها ترامب للتغطية على عجزه في التعامل الفعال معها، لوحظ ازدياد الاستخدام الرخيص والمهين وغير التاريخي لكلمات ومفاهيم سياسية وإيديولوجية وأحداث هامة مثل "الفاشية" و "النازية" و "المحرقة" holocaust، و "الابادة" genocide، أو لأسماء قادة مارسوا أسوأ أعمال القتل الجماعي في التاريخ مثل أدولف هتلر. معظم المذنبون ينتمون إلى اليمين المتشدد والعنصري، وإن كان البعض في التيار التقدمي في الحزب الديموقراطي لا يتردد في رشق اليمين المتشدد بتهم الفاشية. ما كتبه أورويل قبل 75 سنة عن تفريغ مفهوم "الفاشية" من معناه وجعله يعني أي شيء غير مرغوب فيه، ينطبق بشكل صارخ على ما يفعله الغلاة وخاصة في اليمين الجمهوري المتشدد والعنصري.

النائبة الجمهورية الجديدة مارجوري تايلر غرين المعروفة بفظاظتها وعدائيتها وصفت حض إدارة الرئيس بايدن المواطنين على استخدام الأقنعة الواقية من فيروس كورونا وتلقي اللقاحات المضادة، مثل معاملة النازيين لليهود خلال "المحرقة". قادة الحزب الجمهوري في الكونغرس تفادوا ذكر الموضوع لحوالي أسبوع قبل إصدار إدانات لفظية لها لم يصاحبها أي اجراء تأديبي. (في المقابل زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب كيفين ماكارثي، طرد النائبة اليزابيث تشيني من مركزها القيادي الثالث للحزب في مجلس النواب لآنها لم تتوقف عن انتقاد "الكذبة الكبرى" لترامب).

إفساد اللغة السياسية ليس محصورا فقط بالطبقة السياسية، بل تسرب إلى المجتمع ككل بما في ذلك في أوساط الفنانين والمثقفين والمعلقين السياسيين وكتبة العواميد من يمين ويسار. أصوات يمينية قارنت باراك أوباما بادولف هيتلر، أصوات يسارية قارنت جورج بوش الابن أيضا بهتلر، كما وصفت أنصار ترامب بالفاشيين. بعض قادة حركة "حياة السود هامة" يقولون إنهم في مواجهة مع "الفاشية" التي يمثلها ترامب وأنصاره. المتشددون من أنصار ترامب الذين يرفضون أي قيود على اقتناء الأسلحة النارية يصفون الجماعات المناوئة لهم في أوساط الحزب الديموقراطي بأنها فاشية ولا يترددون بالقول إنهم يفعلون ما فعله هتلر بهذا الشأن، الأمر الذي ساهم بالمحرقة (لا يوجد أي أساس من الصحة لمثل هذا الادعاء).

ولا يبدو أن هناك أي من الغلاة من الجانبين يريد أن يعترف بأن استخدام اسم هتلر ومقارنته بأي زعيم آخر، في أي حقبة او أي مكان، أو الاستخدام المهين "للمحرقة" أو "الإبادة" لوصف أي مذبحة كبيرة، أو جريمة ضد الانسانية يمكن أن يساهم في توضيح أي قضية سياسية. وهناك وصف قانوني دقيق لمثل هذه التسميات والمفاهيم والتي تفرّق بين المجزرة والابادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية. وفي هذا السياق تعرضت إدارة الرئيس بايدن إلى الانتقادات لأنها وصفت الانتهاكات البشعة والصارخة التي ترتكبها الحكومة الصينية ضد مواطنيها المسلمين (الإيغور) بأنها ترقى إلى مستوى "الإبادة" الجماعية. ويرى هؤلاء، وبعضهم من مؤيدي إدارة بايدن، أن العقاب الجماعي ضد هذه الفئة من الصينيين يختلف عن "القتل الجماعي لشعب معين" وفقا للتعريف القانوني لحرب الإبادة.

هذا الاستخدام المهين والرخيص لهذه الكلمات والمفاهيم يقلل من أهميتها ومعناها ليس فقط لضحاياها، بل للعالم ككل، والاستخفاف بهذه المفاهيم يحقر ويفسد أي نقاش جدي سياسي أو فكري لهذه الظواهر والمفاهيم، يهدف إلى فهم خطورتها والعمل على تفاديها في المستقبل.

أي قراءة متأنية لمقال جورج أورويل، خلال هذه الحقبة التي وصل فيها تحقير اللغة السياسية إلى مستويات غير معهودة وخطيرة بسبب طبيعة وسائل الاتصال الاجتماعي، لا يملك إلا أن يفكر أن أورويل قد "تنبأ" بمجيء تسونامي أميركي اسمه دونالد ترامب ليؤكد مخاوفه حول أخطار تشويه وإفساد اللغة السياسية، وما يمكن أن يفعله ذلك لإفساد وتحقير وتشويه النظام السياسي. جورج أورويل، الشجاع فكريا وسياسيا الذي توفي في 1950، كان ايضا نافذ البصيرة حين حذّرنا من دونالد ترامب وظاهرته، قبل 75 سنة. 

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.